أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - منير المجيد - إيران والتهديد الأمريكي















المزيد.....

إيران والتهديد الأمريكي


منير المجيد
(Monir Almajid)


الحوار المتمدن-العدد: 8727 - 2026 / 6 / 5 - 16:16
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم أرد يوماً أن أكتب عن الصراع الراهن بين إيران وأمريكا واسرائيل، ولا عن الدولة الدينية التي أقف ضدها أينما كانت وبأي ديانة احتمت، لكن ما دفعني إلى الكتابة الآن هو ذلك التصريح الذي خرج من فم أكثر السياسيين ابتذالاً في التاريخ الحديث، حين هدّد إيران قائلاً: «حضارةٌ كاملة ستموت الليلة، ولن تُستعاد أبداً. أنا لا أريد أن يحدث ذلك، لكنه على الأرجح سيحدث».
لم يكن التهديد مجرد جملة عابرة، بل كان إعلاناً متغطرساً عن جهلٍ بالتاريخ، بل مجرّد صدى أجوف يتردد في فراغٍ لا يعرف معنى الحضارة حين تتجذّر في الأرض. فالحضارات لا تُمحى بقرار، ولا تُطفأ بتهديد. الحضارات التي عبرت آلاف السنين لا تموت، بل هي التي تشهد موت الذين ظنّوا أنهم قادرون على محوها. ولعلّ إيران، عبر تاريخها الطويل، كانت المثال الأوضح على هذا البقاء الذي لا يخضع لسطوة السيف ولا لجبروت الإمبراطوريات.

يصعب الحديث عن الحضارة الإيرانية والهوية الإيرانية كما لو كانت شيئاً واحداً ثابتاً، فهي أشبه بطبقات جيولوجية متراكمة، كل طبقة منها تحمل زمناً وروحاً ورؤية للعالم.
منذ اللحظة الأولى التي ظهرت فيها الإمبراطوريات الإيرانية القديمة، كانت الهوية تُبنى على فكرة المركز الحضاري، لا على فكرة العرق وحده. فالأخمينيون، حين أسسوا أول دولة كبرى في المنطقة، لم يفرضوا ثقافتهم بالقوة، بل جعلوا من التعدد جزءاً من بنيتهم. كانت الهوية الإيرانية منذ بدايتها هوية جامعة، قادرة على احتواء الشعوب المختلفة دون أن تفقد نواتها الصلبة. وفي نقش بيستون، حين دوّن دارا الأول انتصاراته بلغات متعددة، كان يعلن أن للهوية قدرة على مخاطبة العالم بلغاته.
ثم جاءت الساسانية، فأضافت إلى الهوية بُعداً دينياً وفنياً، وجعلت من الزرادشتية روحاً أخلاقية تُنظّم الكون بين نور وظلمة. لم تكن الهوية الإيرانية في تلك المرحلة مجرد انتماء سياسي، بل كانت رؤية كونية، ترى العالم كصراع دائم بين قوى متقابلة، وتمنح الإنسان دوراً في ترجيح كفة النور.
هذه الرؤية ستبقى كامنة في الثقافة الإيرانية حتى بعد الإسلام، وستظهر لاحقاً في التصوف، وفي الشعر، وفي الفلسفة الإشراقية.

ولكي نختصر الطريق، لا بدّ من العودة إلى لحظة الغزو الإسلامي لإيران. فالحضارة الإيرانية لم تتراجع، ولم تُمحَ، بل اندمجت في العالم الإسلامي اندماجاً عميقاً، وأسهمت في تشكيل ملامحه الفكرية والعلمية والأدبية. بل إن كثيراً من أعلام الحضارة الإسلامية كانوا من أصول إيرانية، وكان لهم الدور الأبرز في بناء ما يُسمّى بالعصر الذهبي الإسلامي، في الوقت الذي كان الخلفاء العرب في بغداد ودمشق غارقين في الجواري والترف والولائم.

من بخارى خرج ابن سينا عام ٩٨٠م، ذلك العقل الذي جمع بين الأرسطية والأفلاطونية، وترك أثراً لا يُمحى في الفلسفة الإسلامية والأوروبية.
ومن سهرورد في القرن الثاني عشر خرج شهاب الدين السهروردي، الذي أسّس مدرسة الإشراق ودمج فيها الحكمة الإيرانية القديمة بالفلسفة اليونانية، قبل أن يُعدم في حلب سنة ١١٩١ م، لأن أفكاره أقلقت العلماء والسلطة الأيوبية، ولأن حضوره في البلاط أثار حساسية سياسية ودينية لم تحتملها تلك المرحلة.
ثم جاء صدر الدين الشيرازي في القرن السابع عشر ليؤسس الحكمة المتعالية، ويطرح نظريته في الحركة الجوهرية التي ستصبح لاحقاً إحدى أهم اللبنات في الفلسفة الإسلامية المتأخرة.
وفي الأدب، وقف فردوسي، ابن القرن العاشر، ليكتب الشاهنامه، تلك الملحمة التي لم تحفظ اللغة الفارسية فحسب، بل أعادت تشكيل الهوية الإيرانية بعد الإسلام، وجعلت من الفارسية لغة أدبٍ راقٍ امتد تأثيره إلى العثمانيين والهنود.
وفي خلفية هذا المشهد، بقيت نصوص الأفستا القديمة، بما تحمله من رموز وأساطير، شاهدة على جذور الحكمة الإيرانية التي ستتفاعل لاحقاً مع الثقافة الإسلامية وتغذّي روحها الفلسفية والرمزية.

في بغداد، كان العلماء الإيرانيون يكتبون بالعربية، لكن روحهم كانت فارسية في عمقها، بحبّ للمعرفة، وميل إلى التأمل، ونزعة إلى الجمع بين العقل والحدس.
حافظ الشيرازي، جلال الدين الرومي، سعدي، نيمائي، فروغ فرخزاد، عمر الخيام، كلهم، وغيرهم، كانوا يكتبون عن الإنسان، لا عن السلطة، وعن الحب، لا عن الحرب، وعن الله كقربٍ لا كقهر.
هذه الروح الشعرية ستصبح لاحقاً جزءاً من الهوية الإيرانية الحديثة، وستظهر في السينما والموسيقى والفنون.

أما في العلوم، فقد لمع البيروني، المولود عام ٩٧٣ م، أحد أعظم علماء الفلك والجغرافيا في التاريخ، والذي قدّم قياسات دقيقة لنصف قطر الأرض وكتب عن الثقافات واللغات وترك موسوعة معرفية هائلة.
وإلى جانبه وقف جابر بن حيان، أبو الكيمياء، الذي أثّرت أعماله في تطور هذا العلم شرقاً وغرباً.
وأسهم علماء مثل الخازن في تطوير الرياضيات والميكانيكا، وأسرة آل بختيشوع في ترسيخ الطب في بغداد العباسية.
ولم تكن الوثائق الإيرانية القديمة مثل نقش بيستون مجرد نقوش حجرية، بل كانت جسوراً لحفظ اللغة والتاريخ، وأسهمت لاحقاً في فكّ رموز الكتابات المسمارية.
كما لعبت المخطوطات العلمية التي ازدهرت في العصر العباسي دوراً محورياً في نقل أعمال الفلاسفة والعلماء الإيرانيين إلى أوروبا، فامتد تأثيرهم إلى ما وراء حدود العالم الإسلامي.

وهكذا يتبيّن أن إيران لم تكن مجرد جزء من العالم الإسلامي، بل كانت رافداً أساسياً من روافده الكبرى، ومحركاً ثقافياً وعلمياً أسهم في بناء حضارة واسعة امتد أثرها قروناً طويلة، وأن العلماء والفلاسفة والأدباء الإيرانيين تركوا بصمة لا تُمحى في تاريخ الفكر الإنساني كله.

ومع دخول العصر الحديث، واجهت الهوية الإيرانية تحديات جديدة، من الحداثة، الاستعمار، الدولة القومية، الثورة، إلى الدولة الدينية. ومع ذلك، لم تفقد توازنها.
كانت تتأرجح، نعم، لكنها لم تسقط. ففي القرن العشرين، ظهرت إيران كدولة تبحث عن ذاتها بين الشرق والغرب، بين التقاليد والحداثة، بين الدين والسياسة.
الثورة الإسلامية عام ١٩٧٩ لم تكن مجرد حدث سياسي، بل كانت زلزالاً هوياتياً، أعاد طرح السؤال القديم: ما معنى أن تكون إيرانياً؟ هل الهوية تُعرَّف بالدين؟ أم باللغة؟ أم بالتاريخ؟ أم بالثقافة؟ أم بالروح المتوقّدة؟

ورغم القيود السياسية والاجتماعية التي فرضها النظام، ظل المجتمع الإيراني ينتج فناً وثقافةً تكاد تكون نقيضاً للسلطة.
السينما الإيرانية، التي أصبحت من أهم مدارس السينما في العالم، لم تكن مجرد أفلام، بل كانت محاولة لفهم الإنسان الإيراني في لحظته المعاصرة.
كيارستمي، فرهادي، مخملباف وغيرهم كثيرون، كانوا يكتبون الهوية بالكاميرا، لا بالقلم. كانوا يقولون إن الهوية لا تخضع لتعاليم الدولة، بل ما يقوله الناس حين يعيشون ويتألمون ويحبون.
وفي الموسيقى، كان صوت شجريان يعلو فوق السياسة، كأنه امتداد لصوت حافظ الشيرازي نفسه، بينما كانت طهران الحديثة تخلق موسيقاها البديلة، وتحوّل القيود إلى إيقاع جديد.
وهكذا هو الأمر في بقية الفنون، لكن ما يبقى ثابتاً هو تلك القدرة العجيبة على تحويل الألم إلى جمال، والقيد إلى إبداع.

الهوية الإيرانية اليوم ليست ما تفرضه السياسة، بل ما يكتبه الفنانون، وما يحمله الشعراء، وما تصوّره السينما، وما يعيشه الناس في تفاصيل حياتهم اليومية.
إنها هوية لا تموت، لأنها لم تُبنَ على السلطة، بل على الذاكرة. لم تُبنَ على القوة، بل على الخيال. لم تُبنَ على الخوف، بل على القدرة الدائمة على إعادة خلق الذات. ولهذا، فإن أي تهديد بمحوها يبدو مضحكاً أمام تاريخٍ يمتدّ من زرادشت إلى كيارستمي، ومن نقش بيستون إلى شوارع طهران الحديثة.
الحضارات التي تعلّمت أن تعيش في قلب التناقضات لا تُمحى، بل هي التي تمحو من يظنّ أن التاريخ يُكتب بالتهديد.
نحن أمام حضارة قاومت الغزاة، وتحوّلت مع الزمن، وامتصّت الثقافات، وأعادت إنتاج نفسها مرة بعد مرة.
حضارة كهذه لا تموت بتصريح رئيس دولة قامت على دماء سكانها الأصليين وعرق العبيد واستغلال الشعوب الاخرى.
الحضارات التي تمتد جذورها آلاف السنين لا تُهدَّد، بل هي التي تهدّد الجهل بالنسيان.



#منير_المجيد (هاشتاغ)       Monir_Almajid#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- «الصندوق» -رواية قصيرة
- الصابئة والمندائيون
- إلى أهلي الكرد
- حياتي البيولوجية الثالثة
- المثليّة في عالم الحيوان
- بولص
- مزكين
- هندي؟
- سَعَت خشْ
- سُلّان الزنا
- آخر يوم في 2021
- لا حياء فيها
- الفصل العاشر من رواية «كوبنهاون»
- الفصل الأول من رواية كوبنهاون
- لارس والآودي
- الحجّ على الطريقة اليابانية
- محافظة يهودية في روسيا
- الحورية على شكل حشرة
- رأي سابق في المقتلة السورية
- الزطّ (الغجر)


المزيد.....




- البابا لاوُن يتلقى دفعة مفاجئة من حساب قديم له على -باي بال- ...
- في لقاء حصري مع CNN.. جوزاف عون يوجه رسالة إلى إيران: لبنان ...
- لبنان.. نبيه برّي يحدد شرط انسحاب حزب الله من جنوب الليطاني ...
- جوزاف عون لـCNN: الحلول العسكرية لن تجلب الأمن.. والعداء بين ...
- تحرك مرتقب يثير الاهتمام.. الزعيم الصيني يعتزم زيارة كوريا ا ...
- -تطويق استخباراتي-.. تقرير يكشف نشر إسرائيل -قوات سرية- في أ ...
- رومانيا: مذيع تلفزيوني يفرّ على الهواء بعد انفجار طائرة مسيّ ...
- إيران تقول إنها أطلقت صواريخ تحذيرية على سفن حربية أمريكية
- انثروبيك تدعو لوقف تطوير الذكاء الاصطناعي قبل خروجه عن السيط ...
- فرنسا: الولادة في ظل المبيدات الحشرية.. فضيحة الأطفال الضحاي ...


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - منير المجيد - إيران والتهديد الأمريكي