منير المجيد
(Monir Almajid)
الحوار المتمدن-العدد: 8641 - 2026 / 3 / 9 - 13:34
المحور:
قضايا ثقافية
يمتزج معنى الصابئة بالمندائيين لأنّ المصطلحين عبّرا عبر التاريخ عن دوائر مختلفة، ثم التقيا في مرحلة لاحقة حين أصبح الاسم القرآني «الصابئين» هو الإطار الذي اندرج تحته المندائيون في العصر الإسلامي. ومع أنّ اللفظين يُستخدمان اليوم وكأنهما مترادفان، فإنّ جذورهما التاريخية ليست واحدة، ولا يشيران دائماً إلى الجماعة نفسها، إذ إنّ أحدهما أقدم من الآخر من حيث الظهور اللغوي، بينما الثاني أقدم من حيث الوجود الديني الفعلي.
ظهر لفظ الصابئة في المصادر العربية والإسلامية في القرن السابع الميلادي، وكان يشير إلى جماعة دينية غير محدّدة الهوية، وقد اختلف المفسرون في تحديدها، فربطها بعضهم باليهود والمسيحيين، ورأى آخرون أنها جماعة تتعبّد للملائكة أو للكواكب، أو أنها طائفة خرجت عن دينها الأصلي. هذا الغموض جعل المصطلح واسعاً، قابلاً لأن يُطلق على جماعات متعددة، منها الحرّانيون في شمال بلاد الرافدين، ومنها جماعات أخرى لم يبق لها أثر.
ومع توسّع الدولة الإسلامية، أصبح الاسم يحمل وظيفة قانونية، إذ كان يُستخدم لتصنيف جماعات تطلب الاعتراف بها كأهل كتاب، فصار المصطلح إطاراً عاماً أكثر منه اسماً لفرقة واحدة محدّدة.
أما المندائيون فهم جماعة دينية غنوصية* ذات هوية واضحة، تعود جذورهم إلى القرون الأولى للميلاد، وربما إلى القرن الأول تحديداً، ولهم لغة خاصة هي المندائية، وهي لهجة آرامية شرقية، ولهم نصوص مقدّسة مميزة مثل الكنزا ربا وكتاب يحيى والقلستا وديوان أباتور.
عاش المندائيون تاريخياً في جنوب العراق والأهواز، وحافظوا على طقوسهم القائمة على التعميد في الماء الجاري، وعلى بنية كهنوتية مغلقة، وعلى نظام اجتماعي يقوم على الانتماء الوراثي.
هذه السمات تجعلهم جماعة دينية مستقلة، لا علاقة لها بالحرّانيين أو بغيرهم من الجماعات التي حملت اسم الصابئة في فترات مختلفة.
وعندما دخل المسلمون العراق في القرن السابع الميلادي، وجدوا المندائيين جماعة دينية تطلب الاعتراف بها، ولأنّ القرآن ذكر «الصابئين»، تبنّى المندائيون هذا الاسم ليحصلوا على وضع أهل الكتاب، فصاروا يُعرفون في المصادر الإسلامية باسم الصابئة، ثم استقرّ هذا الاستعمال عبر القرون. وهكذا أصبح الاسم القرآني يشير عملياً إلى المندائيين، رغم أنّه كان في الأصل أوسع وأقل تحديداً. وقد ساعد على هذا الدمج أيضاً أنّ الجذر العربي «صبأ» يرتبط بالتحوّل والاصطباغ بالماء، وهو معنى قريب من طقس التعميد المتكرر الذي يشكّل جوهر العبادة المندائية، مما جعل الاسم يبدو ملائماً لهم في الوعي اللغوي والثقافي.
وتُعدّ الصابئة المندائيون إحدى أقدم الجماعات الدينية الباقية في الشرق الأدنى، وقد شكّل وجودهم الممتد منذ القرن الأول للميلاد وحتى الزمن الحاضر ظاهرة فريدة تجمع بين الاستمرارية التاريخية والخصوصية الثقافية.
ينتمي المندائيون إلى ديانة غنوصية توحيدية تقوم على الإيمان بإله واحد متعالٍ، وبثنائية واضحة بين عالم النور وعالم الظلام، وتمنح الماء الجاري مكانة مركزية بوصفه رمزاً للحياة والتطهير الروحي. وتشير الدراسات الحديثة إلى أنّ نشأة هذه الجماعة تعود إلى القرون الأولى للميلاد في بيئة تمتد بين فلسطين وبلاد الرافدين، إذ يرى بعض الباحثين أنّ جذورهم تعود إلى المقاطعة اليهودية في القرن الأول الميلادي ضمن سياق الانقسامات الدينية التي أعقبت تدمير الهيكل الثاني سنة ٧٠م، بينما يرى آخرون أنّ موطنهم الأول كان في بطائح جنوب العراق، وهي المنطقة التي استوطنوها منذ عصور ما قبل الفتح الإسلامي للعراق في القرن السابع الميلادي.
وتُظهر النصوص المندائية، وعلى رأسها الكنزا ربا ودراشا اد يهيا، ملامح ديانة ذات بنية غنوصية واضحة تقوم على المعرفة الباطنية والخلاص الروحي عبر التطهير المستمر.
ويُعدّ النبي يحيى بن زكريا، الذي عاش في بدايات القرن الأول الميلادي، الشخصية النبوية المركزية في المعتقد المندائي، إذ يُنظر إليه بوصفه المعلّم الأكبر وهادياً إلى طريق النور.
أما الطقوس، وعلى رأسها التعميد المتكرر في المياه الجارية، فتمثل جوهر الممارسة الدينية إلى جانب طقوس الزواج والوفاة والصلوات اليومية التي تُتلى باللغة المندائية، وهي إحدى اللغات الآرامية الشرقية التي تطوّرت بين القرنين الأول والثالث للميلاد.
وتحتل النصوص المقدّسة مكانة محورية في فهم البنية العقائدية للمندائيين، إذ يُعدّ الكنزا ربا الكتاب الأهم في المدوّنة النصيّة المندائية، وهو مؤلَّف مركّب تشكّل عبر مراحل طويلة بين القرنين الثاني والخامس للميلاد، ويضمّ سرديات كوسمولوجية عن نشأة العالم، وتعاليم أخلاقية، وصلوات للأحياء والموتى، ورؤى عن مسار النفس في انتقالها بين العوالم.
ويُنظر إليه بوصفه كتاب آدم الأول، أي الوحي البدئي الذي تلقّاه الإنسان من عالم النور. وإلى جانبه يأتي سِدرا د‑يَهيا الذي يركّز على شخصية يحيى بوصفه المعلّم الأسمى، ويقدّم خطباً وتعاليم ذات طابع غنوصي واضح. كما توجد نصوص طقسية مثل القلستا وديوان أباتور وحران گويثا ولفائف التعميد، وهي نصوص تنظّم الطقوس وتشكّل جزءاً من الأداء الديني نفسه.
وتتميّز هذه النصوص بثنائية حادّة بين عالم النور وعالم الظلمة، وبمركزية المعرفة بوصفها طريق الخلاص، وبحضور كائنات نورانية تؤدّي دور الهادي والمخلّص. وهذه السمات تضع المندائية في حوار مباشر مع التيارات الغنوصية التي ظهرت في القرون الأولى للميلاد، مثل الغنوص السيثي والفالنتيني والمانوية التي أسسها ماني في القرن الثالث الميلادي.
غير أنّ المندائية تحتفظ بخصوصيات لافتة؛ فهي تقدّم يحيى بوصفه النبي المركزي، بخلاف الغنوصيات المسيحية التي أعادت تأويل المسيح، كما أنّ طقس التعميد المتكرر يجعل الماء الجاري محوراً للخلاص، في حين أنّ الغنوصيات الأخرى ركّزت على المعرفة الباطنية أكثر من الطقس.
أما المانوية، رغم اشتراكها في الثنائية الكونية، فقد قدّمت سردية كونية كبرى عن امتزاج النور بالمادة، بينما ركّزت المندائية على مسار النفس الفردية وعودتها إلى موطنها الأصلي.
وتختلف المندائية أيضاً عن الغنوص السيثي والفالنتيني في غياب فكرة «الإله الصانع الشرير»، إذ يظهر التركيز على جهل العالم السفلي وظلمته لا على شيطنة الخلق برمّته.
وتكشف اللغة المندائية، بوصفها لهجة آرامية شرقية، عن طبقات من المصطلحات المشتركة مع بيئة يهودية–مسيحية مبكرة، ومع تقاليد آرامية أقدم، ما يعكس تداخلاً تاريخياً وثقافياً مع محيطها. وقد لعب الكهنوت دوراً أساسياً في حفظ هذه النصوص عبر النسخ الطقسي، مما جعل المدوّنة النصيّة المندائية أشبه بأرشيف هوية لجماعة صغيرة حافظت على نفسها عبر القرون.
أما في علاقتهم بالحضارات والشعوب المجاورة، فقد شكّل المندائيون جزءاً من النسيج الاجتماعي لبلاد الرافدين، وتفاعلوا مع الثقافات السومرية والبابلية والآرامية، ثم مع اليهودية والمسيحية والإسلام.
وفي العصر الإسلامي، ولا سيما منذ القرن الثامن الميلادي، اعتُرف بهم كأهل كتاب، وهو ما ساعد على استمرار وجودهم في المدن والقرى الجنوبية. وشهدت الجماعة فترات من الازدهار والانكماش تبعاً للظروف السياسية؛ ففي العصر العباسي ازدهرت حرفة الصياغة وانتشرت مراكزهم في البصرة وواسط وبغداد، بينما حافظوا في العصر العثماني على وجود محدود في جنوب العراق.
وفي القرن العشرين، خصوصاً بعد تأسيس الدولة العراقية الحديثة سنة ١٩٢١، واجهوا تحولات اجتماعية وسياسية كبيرة، ثم تعرّضوا بعد سنة ٢٠٠٣ لضغوط أدّت إلى هجرة واسعة نحو أوروبا وأستراليا وأمريكا الشمالية، حتى باتت الجاليات المندائية في المهجر تفوق عدداً ما تبقّى في العراق وإيران.
وتشير التقديرات الحديثة إلى أنّ عددهم يتراوح بين ستين ومائة ألف نسمة حول العالم. ويمثل الوضع الحالي للمندائيين تحدياً وجودياً بسبب الهجرة وتراجع عدد الكهنة وصعوبة الحفاظ على الطقوس التي تتطلب بيئة نهرية خاصة، ومع ذلك فإنّ جهود الجمعيات المندائية في المهجر، إلى جانب الدراسات الأكاديمية المتزايدة حول تاريخهم ونصوصهم، تسهم في إبقاء هذا التراث الديني والثقافي حيّاً.
* تشير الدراسات الحديثة إلى أنّ الغنوصية، وهي كلمة مشتقة من اليونانية (غنوستيكوس) وتعني العارف أو من يمتلك المعرفة، لم تكن ديانة واحدة، بل مجموعة من الحركات ظهرت في بيئة شرق المتوسط بين القرنين الأول والثاني للميلاد، في سياق تفاعل اليهودية الهلنستية، والفلسفة الأفلاطونية، وبعض التيارات المسيحية المبكرة. وقد تطوّرت هذه الحركات بشكل واضح في القرن الثاني الميلادي، حيث ظهرت مدارس غنوصية متعدّدة مثل السيثية والفالنتينية.
قائمة المراجع:
- أحمد العدوي، تاريخ الدراسات المندائية وأبرز المستجدات في دراسة أصول الصابئة المندائيين ومصادر ديانتهم، مجلة دراسات، القاهرة، ٢٠١٥.
- جورج منصور، الصابئة المندائيون: تاريخ قديم واجتهادات كثيرة، اتحاد الجمعيات المندائية، ستوكهولم، ٢٠١٣.
- E. S. Drower, The Canonical Prayerbook of the Mandaeans, E. J. Brill, Leiden, 1959
- E. S. Drower, The Mandaeans of Iraq and Iran, Clarendon Press, Oxford, 1937
- Mark Lidzbarski, Ginza: Der Schatz oder das Grosse Buch der Mandäer, Vandenhoeck & Ruprecht, Göttingen, 1925
- Jorunn J. Buckley, The Mandaeans: Ancient Texts and Modern People, Oxford University Press, Oxford, 2002
- Jorunn J. Buckley, The Great Stem of Souls, Gorgias Press, Piscataway, 2005
- Hans Jonas, The Gnostic Religion, Beacon Press, Boston, 1958
- Kurt Rudolph, Gnosis: The Nature and History of Gnosticism, Harper & Row, New York, 1983
- Bentley Layton, The Gnostic -script-ures, Doubleday, New York, 1987
- Samuel N. C. Lieu, Manichaeism in the Later Roman Empire and Medieval China, Manchester University Press, 1985
- Michel Tardieu, Manichaeism, University of Illinois Press, Urbana, 2008
#منير_المجيد (هاشتاغ)
Monir_Almajid#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟