أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - منير المجيد - بولص














المزيد.....

بولص


منير المجيد
(Monir Almajid)


الحوار المتمدن-العدد: 8366 - 2025 / 6 / 7 - 04:48
المحور: الادب والفن
    


كان يوماً مُشمساً دون ريح في آخر يوم من شباط، حينما انفجر بركان لم يعرفه المُنجّمون وعلماء الجبال والهضاب من قبل، فسالت حممه المتوهجّة بجحيم النار نحو طرسوس مٌبتلعة نصف البلدة من جهة الشمال.
ولم يكد الطرسوسيون يستفيقون من هول الصدمة، والحزن على من اختفى في ذاك الطوفان، حتى بردت الحمم وصارت تربة سوداء نبتت في غناها الزهور والنباتات، ووسط ذلك انفجر نبع ماء.
شكّل النبع بركة صغيرة بعمق غامض دون قرار، قبل أن يجد لنفسه مساراً نحو مياه البحر. وحينما اختفى بعض الأطفال اللاهين في مياه البركة منعت الأمّهات أطفالهن من الإقتراب إليها.
في ذلك العام وُلد شاؤول. وذلك بعد أن تخلّى الطرسوسيون عن أحزانهم، وأغلقوا محالهم التجارية ونُزل إستراحات للتجّار والجنود المُسافرين إلى روما واورشليم، وفضّلوا إمتهان الزراعة.

لا شيء ميّز شاؤول قبل أن يبلغ سنواته الأربع، حينها فقد أسنانه اللبنية دفعة واحدة بينما كان يمضع قطعة لحم، فصار فمه كجَدّهِ، مُجعداً وصغيراً، منعه من اللعب مع الأطفال كي يتجّنب هزئهم.
أرادت والدته جمع أسنانه دون نجاح. والمعروف أن الأمهات كنّ يجمعن أسنان أطفالهن، الصبيّات والصبيان، ويجعلن منها أساور يتبادله، فيما بعد، الخطيبان كالخواتم.
حاولت والدة شاؤول النبش في غائطه عدة أيام دون جدوى.
وتقول الأسطورة أن سواره المفقود كان حائلاً دون زواجه فيما بعد. إلّا أن الأمر لم يكن كذلك، بل كان بسبب إنصرافه إلى الدراسة والتعمّق في الشريعة اليهودية، ديانة أسرته المُنتمية إلى سبط بنيامين.
في ساعات استراحاته القليلة، كان يذهب إلى النبع، ويجلس هناك وحيداً دوماً مُتأملاً إنعكاس السماء على مياه البركة.

في أحد الأيّام، وحالما خرج شاؤول من باب منزله، انفتحت السماء كباب اسطوري أزرق الإطار، واختفت الغيوم، واسرعت الطيور بالقفز على أغصان الأشجار.
كان يوماً ربيعياً مُذهلاً بالنتيجة.
حيّا الجيران الذين صادفهم في طريقه إلى النبع فبادلوه التحيّة مُبتسمين.
يومها، في وسط البركة، وقفت عروسة بحر عارية الصدر لها زعانف ونادته بإسمه. نظر حوله مُندهشاً، وسألها أن لم يكن مكانها الطبيعي هو بحيرة أم بحر، وليس بركة نبع صغيرة.
قالت وفمها يملؤه النور: لقد أتيت لإصطحابك إلى ملكتنا.
لم يستغرق الأمر الكثير من العناء ليقتنع بفكرة التحاور مع ملكة، وأثبت للمرّة الألف أن لا شيء يرعبه، فوافق على خوض المُغامرة. كان جسوراً ومٌقبلاً على الحياة.

قادته عروسة البحر إلى أعماق البركة تحيطه فقاعة من الهواء كهالة القديسين، وفي فقاعة هائلة الحجم دون جدران، كانت تجلس الملكة، مُحاطة بشابات فاتنات، نصفهن عرائس بحر، والنصف الآخر مجرد فتيات عاريات الصدر. وكان هناك رهط من الشبّان لهم ملامح آسيوية يتحدثون هامسين بلغة غير معروفة.
طال النقاش مع الملكة، التي بدا أنّها تعرف عنه كل تفاصيل حياته، حتى أسنانه الضائعة.
أرادت منه أن يقيم معهم، لا بل رغبت أن يكون ملك تلك المملكة الغريبة في أعماق المياه.
قالت له أن عودته سوف تُغيّر العالم إلى الأبد، ولا مؤشرات في كتبهم عن أية وجهة سينصرف إليها البشر، إلى الشرّ أم الخير، إلى السلام أم الإقتتال والقتل.
ابتسم من تلك الأفكار، وقال لها إنه ليس سوى دارس لعلوم الدين، ولا شأن له في أيّ مكان.
على ضوء عناده ومُكابرته، لم تستطع الملكة التأثير عليه، فأعادته الحورية إلى مكانه بعد يومين.

شعر بالتيه والإنهاك لفترة، ثمّ عاد إلى كتبه وتعمّق في دراساته ممّا قاده إلى اورشليم في زمن شديد الخصوصيّة.
هناك تتلمذ على يد عضو المجلس اليهودي الأعلى (السنهدرين) غامالائيل بن شيمون بن هليل، وانتمى إلى حزب مُعلّمه المتشدّد الفريسي، الحزب الذي كره دعوة يسوع الناصري فكان يُطارد ويُحارب المسيحية الفتيّة ويُحاول تخليص روما واورشليم منها.

هل تحقّقت نبوءة ملكة أعماق بركة الينبوع، لحظة توجّه شاؤول إلى دمشق لاجتثاث أتباع المسيحية؟
لقد شاءت دمشق أن تُظهر له يسوع على أطرافها بحزمة من نور تعمي العيون لثلاثة أيّام وتُدخل أيماناً آخر في قلبه القلق. صار الحقد عطفاً، والكراهية حبّاً.

هل غيّر شاؤول، أو بولص الرسول، كما دُعي فيما بعد، تاريخ البشر؟



#منير_المجيد (هاشتاغ)       Monir_Almajid#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مزكين
- هندي؟
- سَعَت خشْ
- سُلّان الزنا
- آخر يوم في 2021
- لا حياء فيها
- الفصل العاشر من رواية «كوبنهاون»
- الفصل الأول من رواية كوبنهاون
- لارس والآودي
- الحجّ على الطريقة اليابانية
- محافظة يهودية في روسيا
- الحورية على شكل حشرة
- رأي سابق في المقتلة السورية
- الزطّ (الغجر)
- الشيطان والحمار
- الزيزان
- النمل
- العتائق ونشأة الحياة
- فوتبول
- لونا وروبيرت


المزيد.....




- وفاة ابن الجنوب الناقد د مالك المطلبي...
- ترامب يبكي ومقاطع من أفلام هوليوود.. حرب الصور الساخرة بين ا ...
- عرضان إضافيان لمسرحية -ما تصغروناش- في جدة
- كتاب توثيقي لعمالقة الغناء في السينما المصرية
- فيلم وثائقي ( مستر لا أحد ضد بوتين): من براءة الطفولة إلى ال ...
- عودة عرض فيلم -اعترافات سفاح التجمع- بعد انتهاء أزمته الرقاب ...
- مصطفى كامل يوضح أحدث تطورات الحالة الصحية للفنان هاني شاكر
- أصيلة تنظم الدورة الربيعية لموسمها الثقافي الـ47
- -الليلة الأخيرة في غزة-.. يسري الغول يكتب سيرة النجاة من قلب ...
- حصة الأفلام المصرية من شباك التذاكر السعودي في 2025


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - منير المجيد - بولص