أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - منير المجيد - هندي؟














المزيد.....

هندي؟


منير المجيد
(Monir Almajid)


الحوار المتمدن-العدد: 8311 - 2025 / 4 / 13 - 15:04
المحور: الادب والفن
    


- هندي؟
سألتني صاحبة الشعر البني، وهي تصرخ في أذني.
- نعم؟ أيّ نوع من الأسئلة هذا؟
هكذا بدأ حوارنا الغريب في ديسكو «تافيرنا» في منتزه التيفولي وسط كوبنهاغن، حين كنتُ أقضي عطلتي الصيفية فيها عام 1973.
في الواقع هي التي شجعتني بطلب رقصة معها، حينما كنتُ أُراقص صبيّة شقراء في «الحلبة»، وكانت هي، على مقربة، تُراقص شابّاً له شعر أسود اللون مُجعد كبير الحجم مثل جيمي هنريكس، وابتسمت لي من خلف كتفه.
«أعرف هذه الإشارات». قلتُ لنفسي، وقرّرتُ أن أطلبها لجولة في المرّة القادمة.

كان الشاب أسود الشعر يحوم حول طاولتها متودّداً ويحاول أن يُكلّمها.
وعندما لاحظتْ قدومي إليها، أهملتْ صاحبنا ومدّت لي يدها كسيّدة برجوازية، التي تلقّفتها على الفور، وجررتها خلفي لنتمايل ونتعانق على أغنية الفرقة الموسيقية «كل واحد منّا يحبُّ ليلة السبت»، رغم أن الأمسية كانت أمسية جمعة.
استغربتُ، بطبيعة الحال، أنّها لم تكن بصحبة صديقة أو أكثر. هكذا هم الفتيات هنا، يندر أن يرتدن الحانات والنوادي والديسكوات وحيدات، بعكس الشبّان الذين يجيئون كذئاب مُنفردة شرسة.
لكن كفى استغراب وما إلى ذلك، ولماذا أهتم بعنوان أغنية لا أهمية لها، وأنا أحتضن فتاة جميلة نحيلة ضئيلة الجسد، لا تُشبه العملاقات الشقراوات من مواطناتها. الشقراوات اللواتي لطالما أشعرنني بعقدة طولي، ثم إنني أُفضّل في الواقع ذوات الشعر البني.

حينها بادرتني بسؤالها الزاعق في أُذني، لأن الحوار في الديسكو عبثٌ في صخب المكان. هنا حوار العيون هو الأصح والأنسب.
بسؤالها «هندي؟» تكون قد قفزتْ على الأسئلة المُتعارف عليها في حوارات النوادي الليلية المقتضبة. مثل «هل تأتي إلى هنا كثيراً؟»، أو «هل أنت سائح أم مُقيم؟» وهكذا.
نعم، ففي زيارة سابقة إلى كوبنهاغن في الصيف الماضي، أتقنتُ كل الألاعيب والحيل في التعامل مع الصبايا.

كانت تنظر إليّ بشغف، وأنا رحتُ في وضع خطط مُناسبة لجرّها إلى الشقّة الطلابية التي أعارني إيّاها، مشكوراً، طالب آخر.
وحينما عزفت الفرقة لحناً هادئاً، شددّتها إليّ أكثر ورحنا في قبل حارّة، غير آبهين بتبادل طعم البيرة والسكائر.
جلسنا معاً، متشابكي الأيدي، في استراحات بين رقصات حميميّة واخرى، ولم نتحاور مُطلقاً لسببين، الأول صخب الموسيقى التي أشرتُ إليها، والثاني وصلة القبلات التي لم تُقاطع إلّا بتدخين سيكارة ومضغ فلترها وأخذ رشفة سريعة من زجاجة بيرة كارلسبيرغ.

تجاوزت الساعة منتصف الليل بكثير. الراقصون غرقوا في القبل والتلامس، والآخرون الذين لم يُحالفهم أي حظّ غادروا، لكن الفرقة الموسيقية لم تهدأ لحظة.
وعلى نحو مُفاجىء قالت صارخة كالعادة وهي تقترب من أذني «أعتقد أنك هندي، فلماذا لم تخبرني الحقيقة؟». «حسناً»، قلت لها صارخاً أيضاً، «أُراهنك أنني من سوريا، وإن لا تصدقينني، فيمكن أن أُريكِ جواز سفري». «أرني»، قالت. «جواز سفري في الشقّة التي ليست بعيدة من هنا، بوسعك التأكّد منه إذا أردت مرافقتي». قلت. «ليكن، دعنا نذهب» قالت، فغمرتني فرحة شبقة وشعرت باجتياز المُهمّة دون صعوبات نسائية بيروقراطية.
«عملتها يا أزعر» قلتُ لنفسي، رغم تشكّكي بغرابة الأمر برمّته.
في الشارع كانت الشمس، التي تشرق باكراً في شمال أوروبا، المختبئة خلف الأبنية النائمة قد لطّخت الطوابق العليا، بشرفاتها المليئة بالأزهار، بلون النحاس. وجدنا درّاجاتنا الهوائية في ساحة «روذ هوس»، ثمّ تذكّرتُ ربط بنطالي القمعي من الأسفل بمطاط درءاً للفّه على الدّواسة وانطلقنا نحو جسر «لانغ برو» المؤدّي إلى «ضاحية «أمايا».
أيضاً درّاجتي كانت مُعارة.

في شوارع المدينة الفسيحة لم يكن هناك سوى بضع سيّارات تاكسي، وباص أو إثنين والكثير من الدرّاجين، لكننا وقفنا، في كل مرّة، ننتظر اخضرار شارات المرور.
لم نتكلّم لأنّها لم تُبدِ أيّ رغبة بتبادل الحوار، بل تبادلنا الإبتسامات عندما التقت أعيننا، وكأننا مازلنا في الديسكو.
في الشقّة أردت متابعة القبلات، فأبعدتني عنها بلطف. عرضتُ عليها مشروباً، فقالت مُستعجلة وهي تضع حدّاً لتفاصيل اخرى: دعني أرى.
مُستسلماً، وجدتُ جواز سفري بغلافه الأسود وقدّمته لها.
«اوكي، لستَ هندياً». قالت بعد أن قلّبت صفحاته. سرعان ما التقطت حقيبتها اليدوية واتّجهت نحو الباب.
«حقّاً؟». «أتريدين المُغادرة الآن؟». كنتُ أطرح أسئلتي مُتأتأً وقلقاً، مُدمَّراً، يشلّني إحساس بالهزيمة وليلة ضائعة اخرى.
«ما قصة الهنود؟». «أنتِ لست فتاة طبيعية». «حتّى إنني لا أعرف أسمك». «لحظة...»
لكنها كانت قد أغلقت الباب خلفها.



#منير_المجيد (هاشتاغ)       Monir_Almajid#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سَعَت خشْ
- سُلّان الزنا
- آخر يوم في 2021
- لا حياء فيها
- الفصل العاشر من رواية «كوبنهاون»
- الفصل الأول من رواية كوبنهاون
- لارس والآودي
- الحجّ على الطريقة اليابانية
- محافظة يهودية في روسيا
- الحورية على شكل حشرة
- رأي سابق في المقتلة السورية
- الزطّ (الغجر)
- الشيطان والحمار
- الزيزان
- النمل
- العتائق ونشأة الحياة
- فوتبول
- لونا وروبيرت
- الحمار
- ورد جوري دمشق


المزيد.....




- اتحاد الأدباء يحتفي بتجربة الشاعر أحمد الشيخ علي
- -50 متر-.. سينما ذاتية عن الأب والزمن والخوف من الوحدة
- -حتى لا تنسى أميركا 1777- رواية عن اعتراف المغرب باستقلالها ...
- العلويون بعد أحداث الساحل: تشتّت في التمثيل السياسي.. ووحدة ...
- شهادات مؤثرة لأطباء غزة بعد عرض فيلم -الطبيب الأخير- بمنتدى ...
- أزمة داخل كواليس -مناعة-.. اتهامات متبادلة بين هند صبري ومها ...
- المنتدى الثقافي الأوروبي الفلسطيني يعقد مؤتمره الثاني ‏بمشار ...
- باحث إسرائيلي يحذر: تهميش التمثيل السياسي للفلسطينيين يمهد ل ...
- -نحن الذين لم نمت بعد-.. قصص توثق مأساة البقاء والفقد في غزة ...
- كيف تحول شات جي بي تي من مساعد ذكي إلى -رسام الكاريكاتير الأ ...


المزيد.....

- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - منير المجيد - هندي؟