أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - منير المجيد - حياتي البيولوجية الثالثة















المزيد.....



حياتي البيولوجية الثالثة


منير المجيد
(Monir Almajid)


الحوار المتمدن-العدد: 8634 - 2026 / 3 / 2 - 16:16
المحور: الادب والفن
    


أشعةُ الشمس تتكسّر على ستارة غرفة النوم كأنها لهيبٌ مُتعرّج. أراها بوضوح، رغم أنّني ميّت منذ أسبوع. نعم، ميّت، ومع ذلك أرى ما يحيط بي، وأحسّ، وأشمّ رائحة الهواء العطن، وأسمع دبيب الحشرات، وألتقط الكثير من التفاصيل الأخرى. لكن الدليل الأوضح على وجودي هو أنني أتحدّث إليكم الآن، للمرّة الأولى، والأخيرة.
سيظنّ كثيرون منكم أن رأسي محشوّ بالهراء. هل يهمّني ذلك؟ لا على الإطلاق. ومع ذلك أتكلّم بلطف، لأضيف قدراً من التشويق، وأدغدغ فضولكم قليلاً.
دعوني أبدأ بسردٍ مختصر لحياتي، لعلّ خيوطها المتشابكة تتّضح شيئاً فشيئاً.

كنتُ وحيداً، مقطوعاً من غصن لا من شجرة. مات أفراد عائلتي واحداً تلو الآخر بينما كنت غارقاً في دراساتي وأبحاثي.
آه، نسيت أن أذكر أنني بيولوجي، درستُ هذا التخصّص أكاديمياً وكرّست له عمري في مركز الأبحاث التابع لجامعة العاصمة. عبارة «كرّستُ عمري» تعني ببساطة أنني لم أتزوّج، ولم أُنجب أطفالاً سينشغلون لاحقاً بحياتهم، ناسين تعب والديهم. لكن، بصراحة، كانت هناك أسباب أخرى أقلّ أو أكبر شأناً. سأتركها لتقديراتكم.
لن أطيل عليكم، كي لا أثقل عليكم بحياتي الدراسية ومحاولتي، ربما دون قصد، إقناعكم بعبقريتي وإنجازاتي.
لكن يجب أن أحيطكم، باختصار، بنتائج ما سعيت إليه لسنوات. ومن هنا يجب عليّ التحدّث عن حياتي، بشكل عام ومختصر.

كنتُ منطوياً على نفسي منذ الطفولة وحتى نهاية الثانوية، وهذا جعلني عرضةً للتنمّر من زملائي. لم يكن الأمر يزعجني، فقد كنت أراهم مجرّد ثلّة من الأطفال المدلّلين الأغبياء. مدلّلين لأننا جميعاً نشأنا في بيوت ميسورة في ضاحية مرفّهة. أمّا تفوّقي الدراسي فكان نتيجة ابتعادي عنهم، وهذا ما جعلهم يعتبرونني منطوياً، وكنتُ أتفق معهم في هذه النقطة فقط.

في المرحلة الثانوية، ازداد تفوّقي وضوحاً، من حصص التاريخ والآداب إلى تشريح الضفادع المسكينة في دروس الأحياء. انقسم زملائي إلى قسمين: قسمٌ أظهر نفوراً واحتقاراً وربما حسداً، وكان في معظمه من الذكور، وقسمٌ تقرّب مني، وكان، نعم، كما توقّعتم، من الإناث.
أعجبني ذلك، فانجرفتُ بحماسة مراهقٍ إلى تجاربي الأولى، مدفوعاً بفيض الهرمونات الغامضة. لم أكن آبه كثيراً بتفاصيلهم الصغيرة أو عاداتهم، فقد كان كل شيء يحدث بسرعة، كأنني أراقب حياتي من خلف زجاجٍ غير مصقول.
لم أكن أشارك كثيراً في حفلات أعياد الميلاد أو التجمعات المدرسية المملّة. الموسيقى كانت تافهة، والرقص أكثر تفاهة، وثمالة الشبّان أسرع من أن تُحتمل. بعضهم كان يتعاطى المخدرات أيضاً.
كانوا يحبّون البيتلز والروك آند رول، بينما كنتُ مشدوداً إلى «جيثرو تل» وموسيقى «الأندرغراوند». كنت أشاهد السينما الأوروبية البديلة، تلك التي تبتعد عن تقاليد هوليوود، وتحوّل الفيلم إلى جرعة ثقافية تشبه روايات «كامو». هل زاد هذا من ابتعاد الشبّان عني؟ نعم، ولحسن الحظ. كنت أفضّل صحبة الفتيات، رغم ركاكتهن وقلّة خبرتهن.

بعد الثانوية، لم يفصلني عن الجامعة سوى أشهر الصيف. قفزتُ فوق قرعة الخدمة العسكرية بحظٍّ وافر، وحصلت على غرفة في مجمّع سكني قريب من الجامعة. فكرة إضاعة ستة أشهر في مهاجع مجنّدين صاخبة نتنة، وتنفيذ أوامر لا معنى لها، كانت بالنسبة لي هدراً للحياة.
اختياري لدراسة البيولوجيا لم يفاجئ والديّ. كان أبي يتمنّى أن أرث شركته المعمارية، بينما كانت أمي، طبيبة الجراحة الداخلية، أكثر تقبّلاً لرغبتي.
بعد عام، مات أبي بعدما التهم سرطان البروستات جسده ببطء. وانكمشت أمي داخل شرنقة من الحزن. لم أستطع مساعدتها كثيراً، فزياراتي كانت متباعدة، ولم يكن لديّ ما أقدّمه.
تركتُها لحزنها، وعدتُ سريعاً إلى كتبي وعلاقاتي العابرة.

كانت نهاية الستينات وبداية السبعينات، زمن فوضى ثورات الطلاب، ورائحة الماريغوانا، وإطلاق اللحى بلا اكتراث للنظافة، وخنق حركات التحرّر على يد الرأسماليات والشركات الاحتكارية. ظهرت تقليعة اختطاف الطائرات، ورفِع القيد عن أفلام البورنو، وانتشر الجينز، وبرز «باولو باوزوليني» وكتّاب روايات من أمريكا اللاتينية، وموجة السينما الفرنسية الجديدة، والموسيقى التي تخلّصت من قوالب الماضي.

كانت حروب الأقوياء ضد الضعفاء مستمرة، والديمقراطيات أشدّ شراسة مما تدّعي. القوي يحتل أرض الأضعف وكأن التاريخ لم يتغيّر.
السياسة، بكل منظوماتها، الرأسمالية والشيوعية والديكتاتورية، كانت تنفّرني. رأيتها مجرد أجهزة فاسدة متسلّطة. العالم بدا لي دولة «الأخ الأكبر» الأورويلية، خصوصاً تلك الدول التي تتزيّن بكلمة «ديمقراطية» كأنها مساحيق تخفي قبحها.
أعلنتُ لنفسي، بصمت، أنني ربما أميل إلى اليسار، فقط لأنني احتقرتُ حروب أمريكا ضد الشعوب. كانت فييتنام مثالاً صارخاً، وما زالت سموم أسلحتهم الكيميائية تفتك بالمواليد بعد نصف قرن من هزيمتهم على أيدي محاربين حفاة.

تدخّلاتهم في أمريكا اللاتينية، وتعيين جنرالات تابعين للسي آي إيه، جرت في وضح النهار وبأقذر الأساليب. ثم جاء دور أفغانستان والعراق، بذريعة مكافحة الإرهاب، متناسين أنهم هم من أشعل فتيله. دعموا دولة غريبة المنشأ تعتدي على شعوب المنطقة، مسلّحة بتقنيات لا يمكن مجابهتها.
كانوا ومازالوا، يزيلون حكام الدول الفقيرة أو يعيّنونهم كما تملي عليهم رؤيتهم الجشعة لبقية العالم.
ورغم كل ذلك، نأيتُ بنفسي عن المظاهرات أمام السفارة الأمريكية. فكرة الاختلاط بجموع غير معروفة النظافة كانت تثير رعبي. الناس لا يستحمّون قبل الذهاب إلى مظاهرة، أليس كذلك؟

لم تكن الضوضاء السياسية تشغلني طويلاً. حياتي، التي جمعت بين البساطة والفظاظة، تمحورت حول محاضرات الجامعة. كنت طالباً مجتهداً، أحظى باستحسان أساتذتي، وقد رسمتُ مسبقاً مسار اختصاصي.
في الأمسيات كنت أغرق في الكتب التي استعرتها من المكتبة، وأتعلّم شيئاً فشيئاً فنون الطبخ والنبيذ. لاحقاً سأصبح ماهراً في إعداد أطباق المطابخ العالمية، وفي الخَبز، وفي اختيار النبيذ المناسب للوجبة المناسبة.

أمّا عطلات نهاية الأسبوع فكانت مخصّصة لما أسميه، بشيء من القسوة، قنص الفتيات. أعرف أن الكلمة دنيئة، لكنني كنت أرى نفسي استمراراً بيولوجياً لأسلافي. كانوا يصطادون النساء كما يصطادون الأرانب. لم أقع في الحب قطّ؛ كنت أتعامل مع الأمر ببرود تقني، كأنني أقضي حاجة. فتيات تلك الفترة كنّ ما زلن يحملن رائحة الجسد الطبيعي، رائحة تختلط فيها السوائل والعرق، في زمن لم يكن الاستحمام فيه عادة يومية. هاجسي بالنظافة جعلني أستحمّ كل يوم، ومرتين في الصيف، وأتعامل مع أجسادهن بحذر، كمن يريد إنهاء الأمر سريعاً.
مرّة احتفظتُ بمنديل ورقي استعملته فتاة، ووضعته تحت المجهر في مختبر الجامعة. كانت العيّنة فوضوية، مشوّشة، كأنها انعكاس دقيق لذلك الزمن.

لم أختلط كثيراً بالآخرين. جلستُ في المحاضرات وحيداً، في ركن منعزل. لم أحاول مغازلة أي فتاة؛ كنّ هنّ من يقتربن، غالباً تحت تأثير الخمر أو الحشيشة. كنت أختار إحداهن بعد أن أتأكد من رائحة جسدها، ثم أنسحب عندما أشعر برغبة في علاقة أعمق. لم أرد أن أجرح أحداً، رغم قسوتي الظاهرة.
أعرف أنكم لاحظتم وقاحتي ونفوري من الروائح، وأنا الآن، مفارقةً، أتعفّن. قد يقول قائل إنني أستحق ذلك، وربما يكون محقاً. قولوا ما شئتم، فأنا جثة.
لا، لست جثة تماماً. أنا حيّ بطريقة أخرى.
كيف؟ لا تستبقوا الأحداث. عليكم أن تتحمّلوا قصّة حياتي السابقة لتفهموا حياتي البيولوجية الثالثة.

لا أريد أن أقدّم صورة مضلّلة عن نفسي. نجاحي مع الفتيات لم يكن دائماً سهلاً. كثيرات أبعدنني بشتائم قاسية، ومرّة صفعتني إحداهن وهدّدتني.
أستحق ذلك أيضاً.
كنت صلفاً مع الفتيات فقط، أما مع الناس عموماً فلم أكن متودّداً. رأيت نفسي أفضل من الآخرين، وأنفضهم عني كما يُنفض الغبار عن السترة. كنت ذئباً بشرياً يعيش وحده، لا ينضمّ إلى القطيع إلا للاستفادة من جهوده. وفي اللحظة التي وقفت فيها على قدمي لأول مرة، عرفت أنني لن أحتاج إلى أحد.

في سنوات الدراسة الأولى، استهوتني أسرار الشيخوخة. قرأت كتباً كثيرة، معظمها نظريات غير مؤكدة. لماذا الشيخوخة مفتاح الموت؟ ماذا يحدث للجثة بعد الموت؟ هل خرافات الجنة والجحيم مجرد محاولة لتخفيف رعب الشيخوخة؟
لم أرد أن ينتهي بي الأمر في غرفة مشفى، صدري مربوط بأسلاك، وكيس سيروم يقطر في وريدي. لم أرد أن أتحوّل إلى جسد ينتظر النهاية.

حين توفي جدي لأمي، وكان في الثمانين، رأيته ممدّداً في التابوت، ببدلته السوداء وقميصه الأبيض، ووردة حمراء بين يديه. تقدّمت جدتي، انحنت عليه، قبّلت جبينه، وقالت: «ها أنت تصلّبت أخيراً، أيها الأحمق». ضجّت القاعة بالضحك. في تلك اللحظة، وكنت في السابعة عشرة، قررت أن أضع حداً لحياتي إذا فقد جسدي صلابته، ما عدا شراييني.

بعدها فقدت أمي رغبتها في الحياة. كانت جرّاحة في المشفى الوطني، ولم يكن صعباً عليها الحصول على جرعة مورفين تنهي بها حياتها. ربما لم تكن ميتة سيئة. حزنتُ عليها كثيراً، أكثر مما حزنت على أبي. شعرتُ أنني قصّرت في حمايتها بعد رحيل شريكها.
كان نهاراً شتوياً باهتاً حين صافحتُ المعزّين. كل ما فكرت به كان غسل يديّ. وبعد أيام، أبلغني البنك بأنني وريث ثروة كبيرة.
صرت مليونيراً في سنتي الدراسية الأخيرة.


لا أرغب في كتابة قصة حياتي التي انتهت بي إلى الحالة البيولوجية الثالثة طوال الوقت. أحياناً أتابع الصحافة العالمية أيضاً.
أعرف أن بعضكم سيفكّر: ألم تقل إنك ميت؟ نعم، نعم، صبراً. هكذا أجيب، وأغوص أكثر في سريالية المشهد. ستعرفون لاحقاً أيّة قوّة غامضة تجعلني أكتب وأتفاعل مع ما يجري حولي وفي العالم.
استوقفتني، عبر الأخبار، أنباء مُرعبة عن العالم الذي أتركه خلفي. كوارث طبيعية تتوالى: مناطق تحترق وتتشقّق من قلّة الأمطار، وأخرى تغرق بيوتها وبساتينها وناسها بسبب كثرتها. زلازل وبراكين، وحروب تومض على خريطة العالم كلمبات نابضة.
ثمّ تلك الدولة التي نبتت كفطر سامّ، تصفّي قادة خصومها واحداً تلو الآخر. العالم يندهش من شطارة مخابراتها، ولا أحد يتطرّق إلى الحقيقة البسيطة: لا شطارة بلا خونة يرسلون إحداثيات دقيقة عن تحرّكات أولئك القادة.
هناك أيضاً جودة الأسلحة الفتّاكة، والدعم السخي من دول تتقن صناعة الموت، وتدّعي الديمقراطية وهي تمدّ يدها بما يلزم من عون.

دعوني أعود إلى موضوعي الرئيسي.
كان طاقمنا يتألف من خمسة اختصاصات مختلفة، وسكرتيرة ممتلئة الجسد، كانت تربطنا أو تفصلنا وفق مشيئة البروفيسور الذي يقودنا بهدوء يشبه هدوء الآلهة.
تركّزت أبحاثنا على دراسة الأدوار التي تلعبها أنواع معينة من النباتات والحيوانات في العلاقات المتبادلة المعقّدة بين العالم الحي وغير الحي، وعلى الضوابط الطبيعية التي تحافظ على تلك العلاقات.
هذه البحوث الواسعة تتفرّع إلى تخصّصات عديدة: علم التشكّل، التصنيف، الفيزياء الحيوية، الكيمياء الحيوية، الوراثة، التخلّق، والبيئة. وقد يهتمّ أحد فروع الأحياء بدراسة نوع واحد من الكائنات، كالطيور أو الأسماك أو الكائنات الدقيقة.
وعلم الأحياء المجهرية كان، ولا يزال، شغفي الأكبر.

في مركزنا، ومن بين خمسة وعشرين ألف جهاز بيعت حول العالم، اشترينا جهاز فاكس. صوره كانت مريعة، فقيرة النوعية مقارنة بما سيأتي لاحقاً، قبل أن يبتلع البريد الإلكتروني كل شيء.
لكن، رغم زمجرته اللعينة، حللنا بفضله مئات المشاكل التي كان الوقت يحول دون حلّها سابقاً. ارتبطت أبحاثنا بمراكز علمية حول العالم، وتبادلنا الخبرات، وتصفّحنا صور الدراسات والمجلات المتخصّصة بسهولة لم نعرفها من قبل. كانت قفزة نوعية في الاتصال.

أعرف أنكم لاحظتم أنني لم أعد أذكر مغامراتي النسائية قليلة القيمة. تركتُ الإفراط في الضجر ووقائع الحياة اليومية جانباً. لم يعد لدي وقت لها، أو ربما لأن رصيدي من الفجور تجاوز رصيدي المالي، وكان لا بدّ من وضع حدّ له.

امتلأ دماغي بدراساتي وأبحاثي فقط، وهدمتُ، بخفّة فئراننا السجينة في أقفاصها، نصف حياتي البيولوجية الأولى.
كنت أتقدّم بثبات في صياغة فكرة رسالة الماجستير. أناقشها مع قائد المركز، الذي كانت عيناه تلمعان أحياناً ببريق خاص وهو ينصت إليّ. بريق يشبه مزيجاً من التشجيع والدهشة، وكأنه يقول: «انظروا إلى اختياري الجيد لهذا الطالب غريب الأطوار». كنت أعتبر ذلك إعجاباً.
أبحاثي كانت تسير كما أردت لها أن تسير. الإطراء جاء من البروفيسور ومن الزملاء أيضاً.
فهل كنت سعيداً بكل هذه الهالة الإيجابية حولي؟ على عكس ما قد تتوقعون، أشعرني بالامتعاض. لأن الإطراء يستوجب رداً، وأنا لا أحب الردود. لا أمدح أحداً، ولا أريد مديحاً من أحد. مزاجي هو الذي يتحكّم بي، لا العكس.

نجاحي المدويّ في رسالة الماجستير جعلني أتفانى أكثر، وأخصّص جلّ وقتي لدراسة الدكتوراه. كان الموضوع، وما يزال، الخلايا: «ظهور شكل جديد غير معروف لخلايا الخلايا الميتة في الكائنات الحيّة».
تطوّرت أبحاثي بسرعة، وشاركتُ نتائجها مع زملاء في جامعات عالمية، بينما كانوا يزوّدونني هم أيضاً بمعلومات مدهشة. كانت تلك السنوات من التسعينات، حين استبدلنا أجهزة الفاكس والمكالمات الهاتفية بالبريد الإلكتروني والإنترنت.

اضطررتُ أحياناً للسفر بين القارات للمشاركة في المؤتمرات أو الاجتماعات، وأنا الذي لا يحبّذ التنقّل بين حيّ وآخر في العاصمة.
أما زملائي في المختبر، فقد حافظتُ على مسافة آمنة بيني وبينهم. لم أرغب أن تتجاوز علاقتنا حدود العمل. كنتُ على وشك أن أبدو رجلاً عادياً، لكنني لم أشارك يوماً حفلاتهم أو مناسباتهم الاجتماعية، ولا تلك الثرثرات التي تتخلّلها المكائد الصغيرة.
كنتُ على تواصل مهني مستمر مع البروفيسور، الذي عرض عليّ مساعدته في التدريس، فرفضت. قلت له بحزم: «لن أفلح في مهمة كبيرة كهذه».
كنتُ أتحدث مع السكرتيرة أحياناً خلال الاستراحات القصيرة. كانت تروق لي بسلوكها اللطيف، وبأنها لا تريد مني شيئاً. قالت مرة: «يكفيني بيكهام»، واتضح لاحقاً أن بيكهام هو كلبها من سلالة الغولدن ريتريفر.
ولأنني كنت واثقاً أنني سأعود إلى شقتي سالماً دون كدمات، لبّيت دعوتها للعشاء. قالت: «أنت بحاجة لطعام بيتي من تحضير امرأة».
كانت تلك الزيارة الأولى والأخيرة. بيكهام تصرّف كأنه رجل البيت الغيور، يلتصق بصاحبته ويلعق وجهها كلما اقتربت منه.
وبينما كنت أراقب المشهد، قلت لنفسي: «أيّ غباء دفعني إلى هنا؟». لم أكن واثقاً من نظافة الطعام رغم مذاقه الجيد.

لن أطيل عليكم كما أسلفت، لكن يجب أن أختصر نتائج ما سعيت إليه لسنوات.
لم يكن من السهل الحصول على جثة بشرية لإجراء اختباراتي. تطلّب الأمر مواجهة جبال من البيروقراطية.
وفي الوقت الذي صعد فيه ستيف جوبز إلى المسرح بتيشيرته السوداء، متألماً من السرطان، ليعلن ولادة «الهاتف الذكي» عام ٢٠٠٧، كنت أضع اللمسات الأخيرة على رسالة الدكتوراه.
الحدثان غيّرا العالم بطرق مختلفة: الأول فتح بوابات جديدة في الاتصالات، والثاني، بحثي، لم يلفت الانتباه إلا لدى المختصين، لكنه سيؤثر على بيولوجيتنا في المستقبل القريب. تذكّروا ما أقوله الآن.

هناك آلية تجعل بعض خلايا الجسم تستمر في نشاطها بعد الموت، وتكتسب قدرات لم تكن موجودة في الجسد الحي، بل وتتضاعف إن توفرت لها شروط معينة من التغذية والأكسجين والإشارات الكهربائية.
لاحظنا أن خلايا الجلد تعيد تنظيم نفسها تلقائياً إلى كائنات متعددة الخلايا. سمّيناها زينوبوتات.
وخلايا الرئة فعلت الشيء نفسه، لكنها كوّنت كائنات متحركة. سمّيناها أنتروبوتات.
وهكذا توصّلنا إلى مفهوم «الحالة البيولوجية الثالثة».
وربما لاحظتم أنني أستخدم صيغة الجمع: «أعطيناها»، «توصّلنا». ذلك لأن أبحاث الدكتوراه اعتمدت أيضاً على جهود زملاء في جامعات سياتل وواشنطن وكاليفورنيا وسيدني وطوكيو وأوساكا ولندن. ذكرت أسماءهم جميعاً، فرداً فرداً.
ونتيجة لما ذكرته قبل قليل، فأنا، وأعود إلى مقدمة حكايتي الآن، أكتب لكم بوضوح رجل حيّ، وليس بجثّة.

رفضتُ العروض التي انهالت عليّ بعد تقديم أطروحة الدكتوراه، والتي أشارت إليها حوليات علمية محلية وعالمية. عُرضت عليّ مناصب كأستاذ مساعد في جامعة سياتل ولندن كوليدج.
لم أشارك في حلقات بحث أو مقابلات تلفزيونية أو ندوات، رغم الإلحاح الذي وصلني عبر تسجيلات صوتية من سيدات بدا أنهنّ يردن انتزاع كلمة مني بأي ثمن. لم أردّ على أي منهنّ.
أنا متأكد أنهن شتمنني لاحقاً.

كنت أخطط لهروبي، للذهاب إلى العزلة التي تمنّيتها طيلة حياتي.
كنت أرى أنني ساهمت، ولو قليلاً، في وضع بحث الخلايا على السكة، وأترك الباقي لزملائي حول العالم.
هل يهمّني أن يذكروا اسمي؟ إطلاقاً. كل ما أردته هو أن يتركني الآخرون وشأني.
طرحت على نفسي سؤالاً بسيطاً: «ألم يحن الوقت؟».

لدي ما يكفي من المال لمئة سنة. لماذا أنتظر الشيخوخة وأمراضها؟ أردت حياة منعزلة، بعيدة عن ضجيج الناس والحافلات.
وفي عزلتي، كما سيتضح لاحقاً، سأتابع أبحاثي وحدي. هناك فجوات قليلة سأحاول سدّها.
من بينها أحجية تتعلق بمدى التواصل بين الزينوبوتات والأنتروبوتات لإحياء خلايا كاملة لكائن حي. هل يحتاج الأمر إلى دفقة كهربائية؟ وما الوسيلة لتحقيقها؟
كنت بحاجة إلى فهم القنوات المدمجة في أغشية الخلايا، تلك التي تعمل كدوائر كهربائية. أحتاج إلى موصل فحسب. الأمر يشبه وضع بطارية في راديو ترانزستور قديم: الجهاز سليم، لكنه بلا طاقة.
وللمضي في خطتي، كان عليّ أن أجد بيتاً منعزلاً بعيداً عن الكائنات الحية.
فاتصلت بالمهندس المعماري الذي اشترى شركة والدي.

بدأنا بتفحّص البيوت المعروضة للبيع عبر المواقع العقارية، ثم انطلقنا، أو بالأحرى انطلق هو يقود وأنا أجلس في المقعد المجاور له، لعلّنا نجد عقاراً يطابق احتياجاتي. اعتمدت على خرائط غوغل للتأكد من بعد العقارات عن بعضها. قضينا عشرات الساعات نتنقّل بين الأرياف. وبمساعدته، الذي بدا ممتناً لعائلتي، وجدت عقاراً مثيراً.
البيت بمساحة تتجاوز خمسمائة متر مربع. الإسطبل بضعف المساحة. الأرض المحيطة دونمان.
كانت الأرض في الأصل اثني عشر دونماً، لكن الورثة باعوا معظمها. ما تبقى ظلّ مهجوراً لسنوات، مغطى بالنباتات والرطوبة. عُرض بثمن بخس، فاشتريته دون تردد. لم أكن بحاجة لإغماض عينيّ كي أرى ما سيصبح عليه بعد الترميم.
كان الناس يهربون من الأرياف إلى المدن، بينما كنت أفعل العكس.


دون شراسة، طبعت سنوات حياتي، وكنتُ بجدّية أرتّب لحياتي الثانية، تلك التي ستتّسم بهدوء لا يشبه صخب شبابي ولا اندفاع سنوات الدراسة.
بمعنى أدق، كنت أبني شرنقة حول نفسي، آملاً أن أحقق ما سعيت إليه دون غضب على ما مضى. فالسنوات الماضية لم تكن سوى تمهيد للسنوات القادمة.

تولّى المهندس، بالتعاون مع محامٍ مختص، إجراءات شراء العقار الريفي الذي سيكون ملاذي المستقبلي، إضافة إلى استصدار الوثائق من محكمة تسجيل العقارات.
أما أنا، فكانت وظيفتي أن أوقّع عشرات الأوراق دون مراجعتها. لم أكن قادراً على فهمها في كل الأحوال.
نشاطي الحقيقي كان في رسم شخبطات بأقلام مختلفة السماكات على خرائط غوغل الملوّنة التي طبعتُ منها العشرات. كنت أضع، عبر تلك الخربشات، تصوّري لما يجب أن يصبح عليه العقار لاحقاً.
تطلّب الأمر اجتماعات مطوّلة مع المهندس وفريقه الحرفي. أخذتُ بالعديد من ملاحظاتهم، وكنت ألمس إعجابهم باندفاعي الهادئ في البدء بأعمال الترميم بأسرع ما يمكن، أو إدراج مشروعي في جدول أعمالهم.
شارك المهندس ورؤساء الورشات في النقاشات، بما في ذلك مهندس تخطيط الحدائق والبساتين.

أردت أن يُسوَّر العقار بأسلاك كهربائية لإبعاد الثعالب والأرانب والأيائل والظباء والسيكا والخنازير البرية وغيرها من الثدييات.
المنطقة الواقعة شمال الإسطبل ستُزرع بأشجار دائمة الخضرة لا تكترث بالشتاء ولا بالخريف: الصنوبر، التنوب، والسرو بنوعيه الموراي والليلاند.
هذه الغابة الصغيرة ستخفّف من قوة العواصف.
وعلى تخوم الغابة، سنحفر بحيرة. ستعرفون لاحقاً مدى أهميتها.
الإسطبل سيُقسّم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الشرقي سيكون كراجاً للآلات ووحدات التدفئة والتهوية. القسم الأوسط، الأكبر، سيكون بيت زراعة زجاجياً عملاقاً. القسم الغربي سيكون قنّ دواجن.
الإسطبل والبيت سيتّصلان بممرّ مسقوف، كي أتنقّل بينهما دون الحاجة للخروج إلى الهواء الطلق.
أما البيت، فسنهدم الدرج المتهالك المؤدي إلى الطابق العلوي. في الواقع، ستُزال فكرة الطابق العلوي بأكمله، وسيندمج مع الأرضي ليصبح البيت من الداخل على شكل مثلث واسع.
لطالما أحببت المساحات العالية.
من المدخل الرئيسي للبيت وحتى بوابة المزرعة سيمتد رصيف مُبلّط، تحفّه من الجانبين أشجار مثمرة: كرز، تفاح، وإجاص. أما بقية الأرض فستُغطى بحشيش «سميرنا» المعروف بقدرته على مقاومة الأعشاب الضارة.
وعلى بعد أمتار من البيت سيُبنى بيت كلب الحراسة. سأسمّيه «بيكهام»، تيمّناً بكلب سكرتيرتنا، وأيضاً لأنني لا أرغب في إضاعة وقتي في اختيار اسم آخر قد يكون أكثر تفاهة.
في الساعات المتبقية من اليوم، كنت أرمي نفسي على الأريكة، أتصفّح الأخبار العلمية المتعلقة بأبحاثي، أو أرسل رسائل إلكترونية لبعض الزملاء. الأقرب منهم كنت أحدثهم بالصوت والصورة.
وبمصادفة غريبة، وقعت على بحث حول استعمال بعض أنواع الفطر السام لعلاج حالات الاكتئاب.
فخطر لي سؤال: «هل يمكن اعتماد الفطر السام للتعمّق في شاغلي المزمن: الخلايا؟».

يا للحماس الذي ملأ أيامي خلال تنفيذ خطط إعادة البناء.
ورغم أنني أوليتُ المهندس وفريقه ثقتي الكاملة، كنت أجد نفسي، بين الحين والآخر، في سيارته المتجهة نحو العقار الريفي، كأنني أريد أن أطمئن على أن العالم يسير وفق تصوّري.
بدأت ورشة البناء بعمليات الهدم. مفارقة مثيرة للاهتمام: البنّاؤون يهدمون!
تعرّى البيت والإسطبل بدءاً من السقف، الذي غُطّي سريعاً برقائق بلاستيكية سوداء سميكة بعد تثبيت الدعامات الخشبية، تحسّباً من أمطار مفاجئة.
كانت الشاحنات تحمل أطناناً من القرميد والجدران المحطّمة إلى محطات التدوير، بينما شاحنات أخرى تجلب مواد البناء الجديدة، مغلّفة بإحكام، تحمل أسماء الشركات المنتجة.
سعدتُ على نحو خاص حين وصلت ألواح الطاقة الشمسية.
ورغم أنني لم أحبّ شكلها القاسي، أحببتُ فكرة فاعليتها. أردتُ للعقار أن يكون مكتفياً ذاتياً بالكامل.
لذلك غطّينا نصف سقف الإسطبل، وكل سقف الممرّ الواصل بين المبنيين، ونصف سقف البيت بالألواح. ستقوم وحدة الاستقبال داخل الإسطبل بتوزيع الطاقة على كل زاوية، بينما يُخزّن الفائض لفصل الشتاء حين تغيب الشمس خلف الغيوم الكثيفة.
أما قنّ الدواجن، فكان على وشك الاكتمال. ترددتُ بين الاكتفاء بالدجاج أو إضافة قسم للبط، واتفقنا في النهاية على البدء بالدجاج وتأجيل مشروع البط.

ثم جاءت البحيرة.
عملت جرّافة عملاقة على حفر فجوة واسعة، ونقلت التربة لتشكيل هضبة صغيرة على الجهة اليسرى، بين الغابة والبحيرة.
الأشجار الصغيرة كانت قد زُرعت بالفعل، وستكوّن الغابة لاحقاً.
ستُنقل الصخور إلى حواف البحيرة لتشكيل بيئة مناسبة لنوعين من الأسماك: السلمون المرقّط والبوري.
استبعدتُ الشبّوط لجشعه المعروف.
أما الهضبة، فستُزرع بكروم عنب سولاريس وليون ميلوت لإنتاج ما يكفيني من النبيذ الأبيض والأحمر. لم أفكر يوماً بإنتاج الوردي الذي لم أحبه قط.
لم يكن هدفي العبث بالطبيعة، بل تهذيبها وتطويعها جمالياً، مع ترك بقعة للنباتات البرية كي تنمو كما تشاء.
هذه البقعة ستكون سلّة غذاء لمستعمرة النحل التي سأؤسسها، على مسافة تسمح لنحلاتي برياضة الطيران.
اشتريت صندوقين خشبيين وملكتين للنحل، ودرست منشورات الجمعية الوطنية لتربية النحل.
فاجأني أن نسبة السكر الخام المسموح إضافتها للعسل في الشتاء محدودة للغاية، وهو أمر منطقي للحفاظ على جودة الإنتاج.

لم أقضِ وقتي كله في مراقبة العمال الذين كانوا يتعرّقون ويحتسون البيرة في الاستراحات.
انتسبتُ إلى مجموعة من كبار السن المهتمين بجمع الفطر في الخريف. كنا نجوب الغابات بسلال مغطاة بمنشفة وسكاكين صغيرة.
لم أكن مهتماً بالفطر الصالح للأكل مثلهم، بل بالأنواع السامّة.
اضطررتُ لشرح السبب حين لاحظوا أن سلّتي ممتلئة بأنواع لا يقتربون منها.
كان هدفي التعرف على الأنواع الأكثر خطورة، لا تبادل الابتسامات مع السيدات المتقدّمات في العمر.
في شقتي، أجريتُ تجارب على فئران صغيرة حصلت عليها من السكرتيرة، في مختبر منزلي بسيط.
كنت أبحث في كيفية تأثير بعض المركّبات الطبيعية، ومنها الفطر السام، على نشاط الدماغ، دون الدخول في تفاصيل خطرة أو قابلة للتطبيق خارج سياق البحث العلمي.
كان هدفي فهم الآليات الكهربائية في الدماغ، وكيف يمكن لبعض المحفّزات أن تغيّر من نمط الإشارات العصبية.
لكنني كنت بحاجة إلى نموذج أكبر من الفئران، نموذج بشري.
فكرة ستقودني لاحقاً إلى ما أسميته «الحالة البيولوجية الثالثة».

قبل الانتقال إلى المزرعة، كان عليّ إنهاء آخر التفاصيل في العاصمة.
اشتريت هاتفاً ذكياً جديداً، وطلبت من شركة الهاتف جعله سرياً، وأنشأت بريداً إلكترونياً جديداً خصصته للتطبيقات الرسمية: البطاقة الصحية، البنك، الدفع الإلكتروني، والرسائل الحكومية، فالبلاد كانت على وشك التخلي تماماً عن الرسائل الورقية.
أرسلت رسالة نصية للسكرتيرة من هاتفي القديم، أخبرتها فيها أنني سجّلت شقتي باسمها، وأنها و«بيكهام» سيجدان فيها متسعاً مريحاً، وأنها ستوفّر إيجار شقتها الحالية.
كذبتُ بشأن سفر طويل سيبعدني عن البلاد لسنوات.
اتصلتْ مرات عديدة، ثم أرسلتْ عشرات الرسائل المليئة بالشكر والامتنان، ورغبتها في لقائي قبل السفر.
بدا هاتفي وكأنه أصيب بالإسهال من كثرة رسائلها. وسوف أجعلها غنيّة للغاية، حينما اوصي لها أيضاً بكل ممتلكاتي فيما بعد.

بمساعدة مدرّب محترف من شركة متخصصة في تدريب كلاب الشرطة والحراسة، تعلّمتُ و«بيكهام» كيفية التعامل معاً.
قال المدرّب: «الأهم أن تفرض عليه هيمنتك».
وبسهولة، صار الكلب تابعاً لي في ساحة التدريب، ثم انتقل معي إلى المزرعة.
الغريب أنه بدا سعيداً، كأنه يعرف مسبقاً نوع الحياة التي تنتظره.


لدي خضاري وفاكهتي، التي أجنيها فقط، فثمة بستاني يأتي بتوقيت فصلي يعرفه جيداً، ويسعى إلى تلبية ما أمليه عليه.
أسماكي صارت تتراقص وتطفو على سطح البحيرة، خاصة حينما أرمي لهم بالطعام، وفقاً لإرشادات المزارع.
لم أعد أحتاج إلى شيء.
لا إلى الناس، ولا إلى المدن، ولا إلى الشوارع التي تتقيّأ ضجيجها كل صباح.
لم أعد أحتاج إلى العالم، ولا إلى أن يفهمني أحد، ولا إلى أن يبرّر أحدٌ وجوده أمامي.
كل ما تبقّى لي هو هذا الصمت الذي يهبط على المزرعة كل مساء، كأنه غبارٌ ذهبيّ يتساقط من جناح طائرٍ لا يُرى.
في الليالي الأخيرة، كنت أجلس على العتبة الحجرية أمام البيت، أراقب البحيرة.
لم تكن بحيرة كبيرة، لكنها كانت كافية لتعكس القمر كاملاً، كأنها مرآة مُستعارة من زمن آخر.
بيكهام كان يتمدّد إلى جانبي، يرفع رأسه بين حين وآخر، كأنه يتأكد أنني ما زلت هنا، ما زلت أتنفّس، ما زلت أُصدر تلك الإشارات الخفيّة التي تربطه بي. وقبل أن أنام، علّمته أن يذهب نحو موقع حراسته القريب. أقول له «تصبح على خير»، فيهزّ ذنبه ويصدر صوتاً يشبه مواء القطط. وقبل أن يختفي يلتفت ويرمقني بنظرة لا أعرف تفسيراً لها.
كنت أسمع أصوات الليل، صرير الحشرات، حفيف الأشجار، خفقات أجنحة طائرٍ يمرّ فوق السطح، صوت الماء حين يلمسه نسيم خفيف.
كل شيء كان واضحاً، حادّاً، كأن العالم قرّر أخيراً أن يتحدّث إليّ بلغة أفهمها.
لم أعد أتابع الأخبار.
لم أعد أريد أن أعرف من قتل من، ومن احتلّ ماذا، ومن صرخ في وجه من.
السياسة العالمية، بكل ما فيها من صراخ ودماء، لم تعد تعنيني.
هي، في جوهرها، ليست سوى رائحة أمعاء تلك القتيلة التي قرأت عنها صدفة.
رائحة لا تستحق أن تُحفظ في الذاكرة.
كنت أعيش أيامي الأخيرة كما لو أنني أرتّب غرفة قبل مغادرتها.
أصنع الجبنة، أدخّن السمك، أخبز الفوكاشا، أعدّ المخللات، أراقب كروم العنب وهي تتدلّى بثقلها، أسمع دجاجاتي وهي تتشاجر على الحبوب.
أشياء صغيرة، لكنها كانت تمنحني شعوراً غريباً بالاكتمال.
كأنني، للمرة الأولى، أعيش حياة لا تحتاج إلى تفسير.
وفي المساء، حين يهبط الظلام على الغابة الصغيرة، كنت أشعر أنني أقترب من شيء ما.
شيء يشبه الحقيقة، أو يشبه النهاية، أو يشبه بداية لا أعرف شكلها.
كنت أقترب من نفسي، أو من ما تبقّى منها.
أحياناً، كنت أرى ظلاً يمرّ قرب السياج.
رجلٌ يتمشّى مع كلبه.
بيكهام كان يجنّ، يركض نحو السياج، يعوي، يهدّد، كأنه يحمي شيئاً أكبر من البيت، أكبر من المزرعة، أكبر مني.
كنت أوبّخه، فيتراجع خافضاً ذيله، كأنه يعتذر عن إخلاصه المبالغ فيه.
وفي إحدى الليالي، حين كان الضباب يزحف من البحيرة نحو الحقول، أدركت أنني وصلت.
وصلت إلى النقطة التي لا يعود بعدها شيء كما كان.
النقطة التي يتوقّف فيها الجسد عن أن يكون سجناً، ويتحوّل إلى مادة قابلة لإعادة التشكيل.
النقطة التي تتوقف فيها الحياة الأولى، وتبدأ الحياة الثالثة.
لم يكن هناك خوف، ولا بطولة، ولا رغبة في الخلود.
كان هناك فقط يقين هادئ، يشبه يقين ورقة شجر تسقط في الخريف دون أن تسأل لماذا.
ذهبت باكراً لبكهام، ووضعت له ماءً وطعاماً يكفيه لعدّة أيام. كان يراقبني بعينيه اللامعتين. لم يكن يعرف ما سيحدث، لكنه كان يعرف أن شيئاً ما يتغيّر.
الكلاب تفهم ما لا يفهمه البشر.
كتبت للسكرتيرة رسالة، وأوراق ثبوتية تجعلها وريثتي للمرّة الثانية. وتركت إعلاناً طبعته بالأحرف الكبيرة على باب غرفة نومي، أُحّذرها أن لا تدخل ، بل أن تطلب الشرطة بسبب وجود جثة.
وقبل أن أُعلق الظرف الكبير على الباب، أرسلت لها بريداً الكترونياً، فيه تعليمات مفصّلة عن شيفرة فتح الباب الرئيسي للمزرعة.
دخلت البيت.
أغلقت الباب خلفي.
ثمّ اتجهت إلى سريري، وتركت شاشة كومبيوتري قريبة مني. تناولت السائل الذي أعددته باتقان في الأشهر الأخيرة، وكاحتياط تناولت حبوباً منومّة درءاً لآلام أُفضّل تجنبها. ستسمعون الكثير عن السائل الذي أعددته في الأبحاث التي ستُنشر، بالاتفاق مع زملائي في الجامعات المُختصّة.
أغمضت عينيّ.
سمعت نبضي، ثم سمعت شيئاً آخر، شيئاً يشبه نبضاً لا ينتمي إلى جسدي.
نبض الخلايا التي رفضت الموت.
الخلايا التي صنعتُ لها طريقاً جديداً.
الخلايا التي ستأخذني إلى ما بعد الجسد.
قلت لنفسي، بصوت لم يسمعه أحد: «لقد حان الوقت».
ثم تركتُ العالم خلفي، كما يترك الغصنُ الشجرةَ حين يسقط، دون ندم، ودون أن يلتفت.
كنتُ في الحياة الأولى، ثم الثانية، وهاهي الثالثة على وشك أن تنطفأ بعد أسبوع، تماماً كشمعة ذابت حتى رمقها الأخير.



#منير_المجيد (هاشتاغ)       Monir_Almajid#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المثليّة في عالم الحيوان
- بولص
- مزكين
- هندي؟
- سَعَت خشْ
- سُلّان الزنا
- آخر يوم في 2021
- لا حياء فيها
- الفصل العاشر من رواية «كوبنهاون»
- الفصل الأول من رواية كوبنهاون
- لارس والآودي
- الحجّ على الطريقة اليابانية
- محافظة يهودية في روسيا
- الحورية على شكل حشرة
- رأي سابق في المقتلة السورية
- الزطّ (الغجر)
- الشيطان والحمار
- الزيزان
- النمل
- العتائق ونشأة الحياة


المزيد.....




- 14 رمضان.. من الرايات السود في دمشق إلى خيول نابليون في الأز ...
- حكاية مسجد.. قصة الأمر النبوي في -جامع صنعاء الكبير- باليمن ...
- حرب إيران.. اتهامات لترمب بتجاوز القانون واعتراف البنتاغون ي ...
- فهد الكندري.. صوت من السماء يزين ليالي رمضان بالكويت
- كيف صورت السينما والدراما الإيرانية أمريكا وإسرائيل؟ 7 أعمال ...
- -ألوان من قلب غزة-.. أن ترسم كي لا تنكسر
- -أمير الغناء العربي- يصارع الوعكة الأشد.. نزيف مفاجئ يدخل ها ...
- لغة الفن العابرة للحواجز والحدود من غزة إلى لندن عبر لوحات م ...
- حكاية مسجد.. -مقام الأربعين- على جبل قاسيون في دمشق
- 13 رمضان.. من عهدة الفاروق بالقدس إلى دماء -مراد الأول- بالب ...


المزيد.....

- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - منير المجيد - حياتي البيولوجية الثالثة