|
|
«الصندوق» -رواية قصيرة
منير المجيد
(Monir Almajid)
الحوار المتمدن-العدد: 8647 - 2026 / 3 / 15 - 20:14
المحور:
الادب والفن
كان يمكنني أن أعيش حياتي كلها دون أن أكتب كلمة واحدة، ودون أن ألتفت إلى الوراء لأتأمل ما مرّ بي، لكن شيئاً ما في داخلي بدأ يلحّ عليّ. صمت السنوات لم يعد يحتمل المزيد.
لست صاحب إنجازات، ولا أملك تلك القصص التي يتفاخر بها الناس في المجالس، ومع ذلك وجدت نفسي أدوّن ما أظنه تفاصيل عابرة، تفاصيل قد تبدو لكم بلا قيمة، لكنها بالنسبة لي تشبه تلك الندوب الصغيرة التي لا يلاحظها أحد، بينما يشعر صاحبها بها كلما مرّت أصابعه فوقها. ربما أكتب لأني أخشى أن تختفي حياتي تماماً. وربما أكتب لأني، رغم كل ما أقوله عن عدم أهميتي، أريد أن أترك أثراً ولو ضئيلاً، أثراً لا يغيّر العالم، لكنه يثبت أني كنت هنا يوماً ما. كنت أظن أن الرضا الذي أتباهى به هو حقيقة ثابتة، لكن حين بدأت أسترجع حياتي، اكتشفت أنه كان أشبه بغطاء رقيق أضعه فوق أشياء لا أرغب في مواجهتها.
كنت أقول لنفسي إنني لا أريد شيئاً، وإنني مكتفٍ بما لدي، لكني الآن أدرك أن الإنسان لا يكفّ عن الرغبة، حتى لو أقنع نفسه بعكس ذلك. الرغبة ليست دائماً رغبة في المال أو المجد، بل قد تكون رغبة في الفهم، في الاعتراف، في أن يشعر المرء بأن وجوده لم يكن مجرد خطأ مطبعي في كتاب الحياة. ولأنني كنت أرى نفسي مجرد رقم، كنت أتعامل مع الأيام كأنها متشابهة، كأنها نسخ متكررة من يوم واحد طويل. لكن حين بدأت أكتب، لاحظت أن كل يوم كان يحمل شيئاً صغيراً يميّزه، كنظرة عابرة من شخص غريب، لحظة صمت بيني وبين نفسي، فكرة لمعت ثم اختفت، أو حتى شعور غامض لم أفهمه. هذه الأشياء الصغيرة التي كنت أعتبرها بلا معنى، بدأت تتجمع أمامي كقطع فسيفساء، وكلما وضعت قطعة في مكانها، اكتشفت أن حياتي لم تكن فارغة كما كنت أظن، بل كانت مليئة بما لم أكن أملك الشجاعة للاعتراف به.
ربما لن يتذكرني أحد بعد سنوات، وربما ستضيع حكايتي بين ملايين الحكايات التي لا يقرأها أحد، لكن هذا لا يزعجني كما كان يفعل سابقاً. لقد بدأت أرى أن القيمة لا تأتي من عدد الذين يتذكرونك، بل من قدرتك على النظر إلى حياتك دون خوف، على أن تقول: نعم، كنت إنساناً عادياً، لكني عشت بطريقتي، وشعرت بطريقتي، ومررت بالعالم كما يمرّ طيف خفيف، لا يترك أثراً عميقاً، لكنه يترك شيئاً يكفيه هو وحده.
وأنا أكتب الآن، لا أحاول أن أغيّر رأيكم بي، ولا أن أقنعكم بأن حياتي تستحق القراءة، بل أحاول فقط أن أفهم نفسي، أن أرى ما إذا كان هذا الرقم المتسلسل الذي كنت أظنه بلا معنى، يحمل في داخله شيئاً يستحق أن يُروى. وربما، حين أنتهي من حكايتي، أكتشف أن الإنسان لا يحتاج إلى أن يكون عظيماً ليكون جديراً بالحياة، بل يكفيه أن يكون صادقاً مع نفسه، ولو لمرة واحدة.
سأروي لكم بعض الخطوط العريضة عني، لا أعرف إن كانت عبارة «رؤوس أقلام» مناسبة هنا، لكنها تبدو الأقرب لما أريد قوله. سأترك لكم الحكم، رغم أنني، بصراحة، حكمت على نفسي مسبقاً في الأسطر السابقة. على أي حال، هذه بعض التفاصيل التي تشكّلني، أو ما تبقى مني.
كنت في طفولتي أعتقد أن والدي لا ينام أبداً. كان يستيقظ قبل الفجر بزمن يمكن قياسه ببرودة الهواء التي تتسلل عبر الممر الخشبي، وبصوت خطواته الثقيلة وهو يرتدي حذاء العمل. كنت أسمع حفيف سترته السميكة، ثم صوت الباب وهو يُفتح ببطء، وبعدها بدقائق ذلك الهدير الخافت لمحرك القارب في البعيد. كنت أشعر أنه يستيقظ مع البحر، أو ربما البحر هو الذي يستيقظ معه. لم أكن أعرف أيهما يتبع الآخر، لكن بدا لي دائماً أن بينهما اتفاقاً سرياً لا يخصّ أحداً سواه. بدأ كل شيء في هذا البيت عند طرف البلدة، البيت الملاصق تقريباً للميناء. هذا المكان يشبه ذاكرتي أكثر مما يشبه بيتي. أعيش فيه كما لو أن طفولتي لم تنتهِ قط، وكأن السنوات التي مرّت لم تكن سوى موجات تتكسر على الشاطئ ثم تعود إلى البحر دون أثر.
لم يكن أبي كثير الكلام. كان يضع يده الكبيرة على رأسي أحياناً، بضغطة واحدة قصيرة، لكنها تحمل كل ما لا يعرف كيف يقوله. وفي المساء، حين يعود محمّلاً برائحة السمك والملح والديزل، يجلس إلى الطاولة الخشبية في المطبخ. تأخذ أمي معطفه وتضعه على الكرسي قرب المدفأة، ثم تملأ طبقه بطعام ثقيل. كان يأكل بصمت، ويرفع عينيه نحوي أحياناً، كأنه يتأكد أنني ما أزال هناك، أو ربما ليتأكد أن العالم لم يتغير كثيراً أثناء غيابه.
أتذكر أنني مرة، حين كنت في الثانية عشرة، سألته لماذا لا يأخذني معه إلى البحر، فتوقف عن المضغ، شرب جرعة ماء، ومسح فمه بظهر يده. قال بما معناه أن البحر ليس مكاناً للصغار، وحينما قلت له انني لست صغيراً، قال «لست كبيراً بما يكفي. البحر يأخذ من لا ينتبه». لم أفهم تماماً، لكنني شعرت أن في كلامه شيئاً يشبه الخوف. لم أكن معتاداً أن أرى الخوف في عينيه، لذلك حفظت تلك اللحظة في مكان عميق داخلي، كأنها حجر صغير وضعته في جيبي دون أن أعرف قيمته.
بعد سنوات، حين مات فجأة في نومه، دون أن يأخذه البحر، أدركت أنه كان يخاف من أشياء أخرى أيضاً، أشياء لا يمكنه أن يشرحها، وربما لم يكن يعرف كيف يواجهها إلا بالصمت. أمي كانت عالماً آخر. كانت تدور في البيت مثل كوكب صغير له مدار ثابت. المطبخ، الحديقة، غرفة التخزين. كانت يداها دائماً مشغولتين، لكن عينيها كانتا فارغتين بطريقة ما. كانتا تنظران إلى شيء لا يراه أحد غيرها.
كانت تحبني بصمت أيضاً، لكن صمتها كان دافئاً، يشبه رائحة الخبز الطازج. في الصيف، كانت تأخذني إلى الحديقة، تعلّمني كيف أزرع البذور، وكيف أميّز بين النبتة التي يجب أن تُترك لتنمو، وتلك التي يجب أن تُقتلع لأنها ستسرق الماء والحياة من غيرها. وحين قالت «الخضرة وحدها لا تكفي. يجب أن تعطي شيئاً في النهاية»، لم أفهمها حينذاك تماماً، كما لم أفهم عبارة أبي، لكن الجملة بقيت في رأسي مثل بذرة تنتظر وقتها لتشقّ التربة.
حين مات والدَي، بفارق سنوات قليلة، بقي البيت كما هو تقريباً. نفس الأثاث، نفس الستائر، نفس الطاولة الخشبية. فقط الأصوات تغيّرت. لم يعد هناك من يفتح الباب قبل الفجر، ولا من يحرّك الأواني في الصباح الباكر.
في إحدى ليالي الشتاء، حين كانت الرياح تضرب نوافذ البيت كما لو أنها تريد اقتلاعها، استيقظتُ على صوت لم أسمعه من قبل. لم يكن صوت البحر، ولا صوت الخشب وهو يرتعش من البرد. كان أشبه بطرقة خفيفة، منتظمة، تأتي من جهة الممر المؤدي إلى غرفة التخزين. لم أتحرك في البداية. بقيت مستلقياً، أستمع. ثلاث طرقات، ثم صمت طويل. بعدها ثلاث طرقات أخرى، بنفس الإيقاع، كأن شخصاً ما يرسل إشارة برقية.
نهضت من السرير، مشيت ببطء في الممر البارد. كان البيت مظلماً إلا من ضوء خافت يتسلل من نافذة المطبخ. حين وصلت إلى باب غرفة التخزين، توقفت. لم أسمع شيئاً. وضعت يدي على المقبض، وشعرت ببرودة غير مألوفة، كأن الباب كان يقف في العراء طوال الليل. فتحت الباب.
الغرفة كما هي. صناديق قديمة، أدوات صدئة، رائحة خشب رطب. لكن شيئاً واحداً لم يكن كما تركته. على الأرض، قرب الجدار، كان هناك صندوق صغير لم أره من قبل. صندوق خشبي، داكن اللون، بحجم كتاب تقريباً. لم يكن مغبراً مثل بقية الأشياء، بل بدا كأنه وُضع هناك قبل دقائق فقط. جلست على ركبتي وأنا أرتعد، لمسته. كان دافئاً بشكل غريب، كأن أحدهم كان يحمله بين يديه. لا أعرف لماذا، لكنني لم أفتحه. حملته معي إلى الغرفة، ووضعته على الطاولة قرب السرير. بقيت أنظر إليه طويلاً، وأنا أحاول أن أتذكر إن كان يخصّ أبي أو أمي. لكنني كنت متأكداً أنه لم يكن هنا من قبل.
في الصباح، حين استيقظت، كان الصندوق ما يزال في مكانه، لكن شيئاً آخر تغيّر. على سطحه، ظهرت خدوش رفيعة لم تكن موجودة في الليل. خدوش تشبه خطوطاً متوازية، كأن أحدهم حاول أن يكتب شيئاً ولم يكتمل. مررت إصبعي فوقها، وشعرت بوخز خفيف. كان الخشب يحتفظ بحرارة يد غريبة.
لم أخبر أحداً. ليس لأنني أخاف أن يظنوا أنني أتخيل، بل لأنني شعرت أن هذا الشيء يخصني وحدي، كما لو أن البيت نفسه قرر أن يسلّمني رسالة متأخرة.
منذ ذلك اليوم، بدأت ألاحظ أموراً صغيرة لم أكن أراها من قبل. أصوات خافتة تأتي من الميناء ليلاً، رغم أن القوارب اختفت تقريباً. ظلال تتحرك على الجدار في وقت لا توجد فيه سيارة تمرّ في الشارع. ورائحة ملح قوية في الممر، رغم أن الرياح كانت تهبّ من جهة اليابسة. لم يكن الأمر مخيفاً. كان أشبه بإحساس بأن شيئاً ما يستيقظ ببطء، كما يستيقظ البحر في الفجر. شيء لا أعرف إن كان يبحث عني، أم ينتظر أن أبحث عنه.
ومع مرور الأيام، بدأت أشعر أن الصندوق ليس مجرد غرض ظهر فجأة، بل بداية لشيء أكبر. شيء يشبه تلك البذرة التي زرعتها أمي ذات صيف، وقالت إنها ستنبت حين يحين وقتها. فتح الصندوق لم يكن حدثاً درامياً كما قد يتوقع المرء. لم يكن هناك ضوء يندفع منه، ولا موسيقى غامضة، ولا حتى رائحة غريبة. كان الأمر أشبه بفتح دفتر قديم كنت أعرفه دون أن أتذكر متى رأيته آخر مرة. ومع ذلك، كان هناك شيء غير مريح في الطريقة التي انفتح بها الغطاء، كأنه لم يكن مغلقاً تماماً، أو كأنه كان ينتظر هذه اللحظة منذ زمن طويل.
في الداخل، لم أجد كنزاً ولا رسالة ولا شيئاً يمكن أن يثير الذعر. وجدت شيئَين فقط؛ حجر أملس صغير، بحجم بيضة حمامة، ولون يميل إلى الأزرق الداكن، وورقة مطوية بعناية. صفراء الأطراف، كأنها قضت سنوات طويلة في مكان رطب. كان الحجر دافئاً. دافئاً بشكل لا يتناسب مع برودة الغرفة. حملته في يدي، وشعرت بنبضة خفيفة، ليست نبضة حقيقية، بل شيئاً يشبهها. كان الحجر يتنفس بطريقة ما.
أما الورقة، ففتحتها بحذر. لم يكن فيها الكثير: جملة واحدة فقط، مكتوبة بخط يشبه خط أبي، لكنه ليس خطه تماماً. كان هناك شيء مألوف، وشيء غريب في الوقت نفسه، كما لو أن شخصاً ما حاول تقليد خطه لكنه لم ينجح تماماً. الجملة كانت قصيرة «عندما تسمع البحر في الليل، لا تردّ عليه». قرأت الجملة مراراً، ولم أفهم، كما لم أفهم العديد من الأمور سابقاً، الآن ولاحقاً. البحر؟ أنا أسمع البحر كل ليلة تقريباً. صوته جزء من البيت، من البلدة، من حياتي كلها. لكن الجملة لم تقل «لا تذهب إليه»، بل «لا تردّ عليه». شعرتُ أن البحر كائن يمكن أن يناديك، ويمكنك أنت أن تجيبه.
وضعت الورقة جانباً، وعدت إلى الحجر. كان دافئاً أكثر من قبل، حرارة يدي لم تعد تكفيه. قلبته بين أصابعي، ولاحظت شيئاً لم أره أول مرة؛ خطوط رفيعة جداً، تكاد لا تُرى، محفورة على سطحه. لم تكن خطوطاً عشوائية، بل نمطاً ما، ربما خريطة صغيرة، أو كتابة بلغة لا أعرفها. حاولت تتبعها بإصبعي، وشعرت بوخز خفيف، نفس الوخز الذي شعرت به حين لمست الخدوش على سطح الصندوق.
في تلك الليلة، حين أطفأت الأنوار واستلقيت على السرير، بقي الحجر على الطاولة قرب رأسي. لم أستطع إبعاده. كان وجوده يبعث على القلق، لكنه في الوقت نفسه يثير فضولاً لا يمكن مقاومته. وبينما كنت أغفو، سمعت شيئاً لم أسمعه من قبل. لم يكن صوت الأمواج المعتاد، ولا صفير الريح. كان صوتاً خافتاً، كأنه يأتي من تحت الأرض، أو من داخل الجدران، أو ربما من داخل رأسي. صوت يشبه الهمس، لكنه ليس همساً بشرياً. كان أقرب إلى حركة ماء داخل كهف ضيق. لم أفهم الكلمات، إن كانت هناك كلمات أصلاً، لكنني شعرت أن الصوت كان موجهاً إليّ. يناديني باسمي، أو باسم آخر يشبه اسمي. تذكرت الجملة على الورقة، وشعرت بقشعريرة تسري في ظهري. لم أردّ. بقيت صامتاً، أتنفس ببطء، وأنتظر أن يتوقف الصوت. وبعد دقائق طويلة، توقف فعلاً، كما لو أنه كان يختبرني.
في ذلك الصيف كنت قد أنهيت السنة الأخيرة من التعليم الإلزامي. ستة عشر عاماً ووحيد. لا عائلة ولا أقارب. الجيران وأصدقاء أبي وأمي كانوا يتناوبون على قرع بابي، يقدمون لي ما يستطيعون من مساعدة. السلطات المحلية لم تعاملني كقاصر، بل عقد موظفوها جلسات طويلة، يحاولون وضع خطة للتعامل معي إلى أن أبلغ الثامنة عشرة. هكذا هي قوانين البلد. لم أرغب في إتمام الدراسة، ولم تكن لدي خبرة كافية للإبحار أو صيد السمك الذي لم أكن أعرف عنه شيئاً. بعتُ القارب، ثم البرّاكة في الميناء التي كان أبي يضع فيها شباكه وأدواته، والتي كانت أيضاً ملعب طفولتي. المالكة الجديدة حوّلتها إلى دكانة لبيع الأشياء المستعملة؛ ثياب، أسطوانات، أواني مطبخ وأشياء اخرى دون قيمة. كنت أمرّ قربها أحياناً، وأشعر أن طفولتي تُباع قطعة قطعة دون أن يعترض أحد.
ثم بدأت أعمل كمتدرّب في ورشة البلاط. صاحب الورشة، أحد أصدقاء والدي، عاملني بلطف كبير، وهو الذي دفع مصاريف مدرسة السواقة. بلغت الثامنة عشرة وفي جيبي شهادة سياقة، وعملٌ كسائق على شاحنة صغيرة لتوزيع البلاط في البلدات المجاورة. مرة واحدة فقط سلّمت طلبية إلى العاصمة، وكانت تلك أول مرة أراها. بدت لي كمدينة من عالم آخر، مليئة بأناس لا يعرفون شيئاً عن البحار أو حتّى عن بلدتي التي تتقلص مثل رئة مريضة.
مع السنوات بدأت البلدة تنكمش. اختفت تقريباً الأسماك في البحر، وقالوا إن السبب هو جشع مافيات أساطيل الصيد وقواربهم الكبيرة. الشبّان تركوا عائلاتهم وانتقلوا إلى المدن. البلدة كانت تتغير أيضاً، لكن في اتجاه آخر.
البنك أغلق، الجزار باع محله، المخبز صار مقهى صيفياً، المدرسة أغلقت. كنت أرى كل هذا ولا أعرف كيف أتعامل معه. كنت أشارك في مراسم التأبين في الكنيسة التي لم يطلها انكماش البلدة، أنظر إلى التوابيت، وأتذكر أصحابها. كانوا يختفون واحداً تلو الآخر، والبلدة تصبح أخفّ، لكن ليس بطريقة جيدة.
الآن، كل ذلك صار ذكريات معلّقة في الهواء. من بقي في البلدة أعرفهم جميعاً. أعرف من مات ومن مرض ومن انتقل إلى دار المسنين. جعلني هذا أبدو حزيناً أغلب الوقت. ليس حزناً حاداً، بل ذلك النوع الذي يشبه طبقة رقيقة من الغبار على الأشياء.
لم أحظَ بعلاقة مع أي فتاة، لعدة أسباب، أهمها أن البلدة خلت منهن، وآخرها أنني كنت خجولاً في مراهقتي وسنوات العشرين. كنت شاباً دون طموحات. تقلّبت في عدة أعمال لدى من بقي في البلدة؛ مخزن صغير، تنظيف ساحات المدرسة الابتدائية قبل اغلاقها، جزّ أعشاب العجائز وتقليم أشجارهم.
لم أحب أي عمل منها، ولم أكرهها. كانت مجرد طرق لتمضية الوقت، ولإبقاء البيت دافئاً في الشتاء. المستقبل بالنسبة لي كان دائماً يشبه الطقس. غائم، متقلب، وبلا وعود. ومع ذلك، كنت أشعر أحياناً، في لحظات نادرة، أن شيئاً ما ينتظرني في مكان ما. شيء صغير، غير واضح، لكنه يتحرك نحوي ببطء، كما لو أنه يعرف الطريق أفضل مني. كنت أعود من أعمالي الصغيرة المختلفة، أدخل البيت، وأشعر أنني أتأقلم مع غياب من عاشوا فيها.
ثم جاء ذلك اليوم الذي أعلنت فيه شركة ملاحة عن افتتاح خط بحري جديد، يربط جزيرتنا بالجزيرة الرئيسية، وجاءت آليات ضخمة وحفرت طريقاً واسعاً يربطنا بالعاصمة. ثم أعلنت شركة الملاحة عن فرص عمل. ذهبت إلى المقابلة بلا توقعات، وعدت بوظيفة مفتش مرور على العبّارة. كنت أقف عند المدخل، ألوّح للحافلات، أوجّه السائقين، أصرخ أحياناً، أبتسم أحياناً أخرى. وللمرة الأولى شعرت أنني جزء من شيء أكبر من البلدة. ومثل السحر، تغيّرتُ. صرتُ منفتحاً، وتعاملتُ مع الآخرين، والركّاب على وجه الخصوص، بأريحية وانفتاح. حتّى أنني تبادلت معهم بعض النكات أيضاً. وفي أحد الأيام، رأيتها. كانت تقف عند بوابة المشاة، تحمل دفتر ملاحظات، وتضع سماعة صغيرة في أذنها. شعرت أن الهواء حولي تغيّر قليلاً. في اليوم التالي رأيتها تضحك. وفي اليوم الثالث، حين التقت عيوننا، أومأت لي برأسها. رددت الإيماءة، وشعرت أن شيئاً صغيراً بدأ يتحرك داخلي.
تعرّفنا تدريجياً. أحاديث بسيطة، ثم أسئلة أطول. كانت تكبرني بست سنوات، وكانت حياتها مليئة بأماكن لم أزرها، وبأشخاص لم أعرفهم. حين بدأت تأتي إلى بيتي في عطلات نهاية الأسبوع، شعرت أن البيت اختلف. زالت البرودة وعاد إليه دفء لذيذ. كانت تفتح الخزائن حين تقوم باعداد الطعام، تبحث عن التوابل، تضحك حين لا تجد شيئاً سوى الملح والفلفل. «أنت تعيش كما كان يعيش والدك، أليس كذلك؟». «ربما» علّقت مُبستماً. «هل تحاول أن تصبح نسخة منه؟». «لا أحاول شيئاً. هكذا صارت الأمور». لم تعجبها الجملة الأخيرة. كانت تحاول أن تغيّر أشياء صغيرة. نوع الخبز، كمية الملح، طريقة الجلوس. كانت تريد أن تسحبني من ظل والدي، من المسار الذي لم أختره.
وحينما سألتني عن الصندوق الخشبي وحجارته على كوميدينة السرير، قلت انها لا شيء، مجرد صندوق احتفظت به منذ سنوات. لم تسأل عنه أكثر، بل استأذنتني بوضعه على أحد رفوف المكتبة.
وحين اتفقنا أن تنتقل إليّ، اشترطت أن نقوم بتغيير عفش البيت، حتّى سرير النوم. وهكذا صار لي حبيبة لأول مرّة في حياتي وموبيليا جديدة ولوحات مُعلّقة على الحائط، وأنا في سنّ السابعة والأربعين. ولأول مرّة شاركتني إمرأة الفراش. لكن بدأت خلافاتنا أيضاً. حسناً، لم تكن كبيرة. هي كانت تريدني أن أهتم أكثر بصحتي. أن أتوقف عن تناول الوجبات الدسمة، كما كان أبي يفعل، وقبلها جدّي، أن أتحرّك أكثر، أن أشاركها المشاوير حول البلدة وعلى الشاطئ. لم استطع الإستجابة لذلك، ولم تتوافق أساليب العيش كثيراً، لذلك كان طعامنا مختلفاً. وخلافنا لم يتجاوز هذا الشكل.
صديقتي كانت متزوجة سابقاً، وهذا وحده كان يمنحها تلك الهالة الخفيفة من الانتباه الحذر، كأنها تعرف أكثر مما تقول، وتخفي أقل مما يبدو. لها ابنة تعيش على جزيرة أخرى، جزيرة مكسوّة بالضباب في الصباح، وبالضوء الذهبي في المساء. هي مكان لا ينتمي تماماً إلى اليابسة ولا إلى البحر. الابنة متزوجة، وحياتها ميسورة، ولها ابنة أيضاً، حفيدة صديقتي، فتاة صغيرة بشعرٍ طويل يتطاير دائماً. كنّا نزورهم أحياناً، حينما يسمح جدولهم بذلك. كان الأمر يشبه محاولة الإمساك بسمكة في جدول سريع. كل شيء يجري، وكل شيء مؤقت. نادرٌ أن جاءوا هم لزيارتنا. ربما كانت المسافة، وربما كان البحر بيننا أثقل مما يبدو على الخرائط. وحين بلغت حفيدة صديقتي العاشرة، حدث شيء غير متوقع. جاءت وحدها لزيارتنا. عبرت البحر وحدها، كأنها تقوم بطقس عبورٍ خاص بها. وجودها في البيت أضاف طبقة جديدة من الصوت والضوء. كانت تستيقظ قبلنا، وتجلس في المطبخ تقلّب صفحات كتاب مصوّر، أو تحدّق في هاتفها الجديد. البيت تغيّر معها، صار أكثر شباباً، وأكثر قابلية للدهشة. لكن حين ضغطتْ على والدها ليشتري لها حصاناً، توقفت تماماً عن زيارتنا. أخذ الحصان، بمجرد أن دخل حياتها، مكاننا. لم نغضب. فقط شعرنا أن الباب الذي فُتح فجأة قد أُغلق بالهدوء نفسه.
ثم حدث ما غيّرني، كما غيرتني أموٌ اخرى في السنوات القليلة السابقة. مات أحد السائقين على العبّارة. كان رجلاً في منتصف العمر، بوجهٍ تعرفه دون أن تتذكر اسمه. سقط فجأة، بلا صرخة، بلا حركة زائدة. شيء ما أطفأه من الداخل. حاولنا إنعاشه، لكن عينيه كانتا تنظران إلى مكان بعيد، مكان لا يمكن لأيٍّ منا الوصول إليه. كان البحر ساكناً في ذلك اليوم، ساكناً بشكلٍ غير مريح. تلك الليلة لم أنم. ظللت أسمع صوت أبي في رأسي: «البحر يأخذ من لا ينتبه». لكن الرجل لم يأخذه البحر. أخذه قلبه. وهذا ما أخافني أكثر. البحر يمكن التفاوض معه؛ تنتبه، فتنجو. أما القلب فلا يفاوض أحداً. شعرت أن جسدي يشبه جسده أكثر مما يشبه جسد أبي. شعرت أنني أقف على حافة شيء لا أعرفه، وأن حياتي، مثل العبّارة، يمكن أن تتوقف في منتصف الطريق دون سبب واضح. ومنذ تلك الليلة، صار كل صباح يبدو أثقل قليلاً، وكل مساء أعمق مما ينبغي.
بعد أن بلغت صديقتي سنّ التقاعد، بدأت الخلافات بيننا تزداد كما تكبر الشقوق الدقيقة في جدارٍ قديم؛ لا تراها أول الأمر، ثم فجأة تدرك أنها كانت هناك منذ زمن. كانت تحب السفر والرحلات، تحب المطارات التي تشبه مدناً، والقطارات التي تنطلق كأنها تهرب من نفسها. أما أنا، فكنتُ على النقيض تماماً. لم أغادر حدود البلاد قطّ، ولم أركب طائرة في حياتي. العاصمة نفسها زرتها مرة واحدة فقط، قبل تسعٍ وثلاثين عاماً، وما زلت أتذكر رائحة ضجيجها أكثر مما أتذكر معالم المدينة. كانت تريدني أن أرافقها إلى مدنٍ بعيدة، لا أعرف شكل سمائها. كنتُ أقول لها إنني لا أستطيع التواصل مع الناس هناك، لا لغة مشتركة بيني وبينهم. كانت تبتسم وتقول إنها ستتكفل بكل شيء، كأن الأمر لا يتطلب سوى جملة مطمئنة. لكن المشكلة لم تكن في اللغة. المشكلة كانت في فكرة أن أكون غريباً تماماً، جسداً يمشي في مكان لا يعرفه أحد، ولا يعرف هو نفسه كيف يتصرف فيه.
كنت أخشى المشي في شوارع المدن التي لم أرها إلا على شاشة التلفاز. تلك الشوارع الواسعة التي تبدو بلا نهاية، والمقاهي التي يجلس فيها الناس بثقة لا أفهمها. كنت أرتعب من فكرة تناول أطعمة لا أعرفها، أطعمة لها أسماء عجيبة، أو روائح لا تشبه شيئاً في ذاكرتي. كنت أخشى أن أكون هناك، ببساطة.
في تلك الفترة التي اشتد فيها خلافنا، انكمشت على نفسي كما بلدتي، أو كما تنكمش قوقعة عند أول لمسة. صرتُ أقضي وقتي أمام التلفزيون، أتابع برامج لا تهمني، أو أقرأ صحيفة المنطقة وأحلّ الكلمات المتقاطعة ببطء متعمّد، كأنني أريد أن أمدّد الزمن. أحياناً أذهب لتناول القهوة مع الأصدقاء الذين يعملون في إدارة الميناء. كانوا يتحدثون عن الطقس، وعن أخبار لا تغيّر شيئاً في العالم، لكنها تمنحك شعوراً بأنك ما زلت جزءاً منه.
نسيت أن أخبركم أن الميناء لم يعد ميناء صيد منذ سنوات. فقد وظيفته القديمة، وتحوّل إلى مكان لرسو قوارب الأغنياء القادمين من المدن الكبيرة، أو حتى من دولٍ مجاورة. قوارب لامعة، نظيفة أكثر مما ينبغي، لا تحمل رائحة السمك ولا صراخ البحّارة. ميناء بلا ملح، بلا ضجيج. كأنه نسخة محسّنة من نفسه، لكنها بلا روح. كنت أجلس هناك أحياناً، أراقب تلك القوارب وهي تتمايل بخفّة وتطير فوقها النوارس الزاعقة دون هدف، وأفكر أن حياتي تشبه الميناء؛ كانت لها وظيفة واضحة، ثم تغيّرت بهدوء، دون أن يسألها أحد إن كانت تريد ذلك.
حين اقتربت من سنّ التقاعد، كنتُ مغطّى بأمراض كثيرة، كأن جسدي قرّر فجأة أن يطالبني بكل الفواتير المؤجّلة دفعة واحدة. قلب، ضغط، تصلّب شرايين. أسماء ثقيلة تتدحرج في رأسي كلما جلست على حافة السرير صباحاً. الطبيب يضيف دواءً جديداً بعد كل زيارة، ووصايا تشبه التأنيب، كأنني مشروع ترميم قديم لا ينتهي، وكل حبة دواء هي مسمار آخر في جدار غير مرئي.
لكن المشكلة الحقيقية لم تكن في جسدي، بل في تلك الأجهزة التي صارت تتحكم في حياتي. ارتكبتُ خطأً فادحاً حين اشتريت آيفون كما الآخرين. ظننتُه هاتفاً، قطعة صغيرة من التكنولوجيا تساعدني على الاتصال، فإذا به يتحول إلى بوابة واسعة لا أعرف كيف أغلقها. أصدقائي حاولوا أن يشرحوا لي، لكنهم يتحدثون بسرعة، وكأنهم أبناء جيل آخر، جيل وُلد وفي يده شاشة مضيئة. في البداية استخدمته كهاتف عادي. مكالمات، رسائل قصيرة. ثم بدأت السلطات، ببطء يشبه خبثاً مدروساً، تسحب منّا الأشياء التي نعرفها. الرسائل الورقية اختفت. فواتير الماء والكهرباء صارت تظهر في شاشة الهاتف، كأنها كائنات صغيرة تخرج من جوفه. الدفع يجب أن يتم عبر البنك، والبنك نفسه يعيش داخل الهاتف. حتى الطبيب لم يعد يستقبلني إلا عبر تطبيق غريب يطلب كلمة سرّ لا أتذكرها أبداً دون مساعدة من صديقتي. كنتُ أشعر أحياناً أن الهاتف يراقبني، ليس بمعنى المراقبة الأمنية، بل كأنه كائن حيّ يختبر صبري، يختبر قدرتي على فهم لغته. كلما ضغطت زرّاً، شعرت أنه يبتسم بسخرية خفيفة.
عندها قالت صديقتي، وعلى نحو لم أكن مستعداً له «لن أنام معك بعد الآن». ظننت أنها متعبة، أو ربما تمرّ بيوم سيّئ. لكنّها كررت الجملة نفسها، بنفس الهدوء الذي يسبق العاصفة. ثم قالت «لا أستطيع أن أشاركك الفراش بينما أنت تقتل نفسك ببطء». أشارت بيدها إلى محيط بطني، ذلك الانتفاخ الذي كنت أراه يكبر كما لو أن جسدي يضيف طبقة جديدة من الصمت كل يوم.
جلستُ على حافة السرير، أنظر إلى يديّ كأنهما ليستا لي. شعرت أنني أقف في منتصف طريق بين أبي وأمي، طريق بلا علامات، بلا اتجاه واضح. لا أعرف كيف أعود، ولا أعرف كيف أتقدم. منذ ذلك اليوم، صرت أنام وحدي. المسافة بين الغرفتين قصيرة، لكنها بدت لي أحياناً كأنها بحر كامل، بحر لا يمكن عبوره إلا إذا كنتَ شخصاً آخر.
كنت أحكي لصديقي في الميناء «لا تريد أن تنام معي». قال «ربما هي خائفة». سألته «من ماذا؟». قال «من أن تستيقظ يوماً فلا تجدك». قلت «هذا سيحدث على أي حال». هزّ رأسه «نعم، لكن هناك فرق بين أن يحدث وأنت تحاول أن تعيش، وأن يحدث وأنت تستسلم». كلمة تستسلم بقيت تدور في رأسي كصداع خفيف.
في أوقات الفراغ، بدأت أعتني بالحديقة. وسّعت المساحة المزروعة، وزرعت أشجار فاكهة جديدة. كنت أعمل ببطء، كأنني أتعلم لغة جديدة. ثم صرت أعرض إنتاج الحديقة على بسطة صغيرة أمام البيت. سيّاح البلدة، القادمون إلى بيوتهم الصيفية، كانوا زبائني. يشترون ما يريدون ويضعون النقود في حصّالة صغيرة. معظمهم يدفع، والقليل منهم يسرق. لم أكن أراقب أحداً. كنت أترك الأشياء تمضي كما تريد، كأنني لم أعد مسؤولاً عن العالم إلا بقدر ما تنمو البذور في الأرض.
وحين تقاعدت رسمياً، وجدت نفسي أمام وقت فارغ، وقت يشبه غرفة واسعة بلا أثاث. عدت إلى الحديقة وكرّست لها كل ما يحتمله جسدي المُنهك. بنيت بيتاً زجاجياً للبندورة، وزرعت في الفناء الخيار والبطاطا والأعشاب وعدّة أنواع من التوت. كنت أشعر براحة غريبة وأنا أضع البذور في التراب، كأن أمي تقف خلفي، تراقبني بصمتها القديم.
وفي أحد الأيام، بينما كنت أرتّب صناديق التوت الصغيرة، توقفت سيارة قديمة أمام البيت. لم تكن من سيارات البلدة، ولا من سيارات السيّاح. محركها المخفي كان يصدر صوتاً مُزمجراً كتيماً. شعرتُ وكأنه يتنفس بصعوبة. نزل منها رجل مسنّ، طويل قليلاً، يرتدي معطفاً رمادياً رغم أن الجو لم يكن بارداً. مشى نحوي بخطوات بطيئة، لكن ثابتة، كأن الأرض تعرفه جيداً. وقف أمامي، نظر إلى وجهي نظرة طويلة، ثم قال بصوت بدا مألوفاً على نحو غريب «أنت ابن الصيّاد. كان والدك شجاعاً».
لم أسأله من يكون. لم يخطر ببالي ذلك. شعرت فقط بأن الهواء تغيّر حولنا، كأن شيئاً ما انفتح بين الماضي والحاضر. كان في صوته شيء يشبه الريح التي تهبّ قبل الفجر، شيء لا يمكن تفسيره. نظرت إلى السيارة القديمة، فبدت لي كأنها جاءت من زمن آخر، وربما من مكان آخر أيضاً. وقفت هناك، أحاول أن أقول شيئاً، لكن الكلمات لم تخرج. الرجل اكتفى بأن يضع يده على كتفي، لمسة خفيفة، لكنها أثقل من أي شيء شعرت به منذ سنوات. ثم عاد إلى سيارته، وأدار المحرك، وغادر ببطء، تاركاً خلفه رائحة خفيفة تشبه رائحة البحر في أيام الشتاء. وقفت طويلاً في مكاني، أحاول أن أفهم ما حدث. لم أجد تفسيراً. لكنني شعرت، للمرة الأولى منذ زمن، أن شيئاً ما في داخلي بدأ يتحرك. تلك الزيارة كانت بذرة جديدة زُرعت دون أن أدري.
في تلك الليلة، قلت لصديقتي «أفكر أن أزور العاصمة معك». رفعت رأسها ببطء، وقالت وعلى وجهها دهشة «العاصمة؟» قلت «نعم. لنذهب». سألتني: «لماذا الآن؟». قلت: «لست متأكداً، لا أعرف ببساطة». في الأيام التي سبقت الرحلة، لاحظت أنني آكل أقل، وأمشي أكثر. وفي إحدى الليالي، وقفت أمام باب غرفتها. وضعت يدي على المقبض، ثم تركتها. لم أكن مستعداً بعد، لكن فكرة العبور لم تعد مستحيلة.
في صباح الرحلة، كان الهواء بارداً وصافياً. حملتُ حقيبة صغيرة، ووقفنا في موقف الباص. شعرت أن البيت يراقبني من خلال نوافذه، من خلال الحديقة، من خلال البيت الزجاجي. حين صعدنا الباص، جلستُ قرب النافذة. بدأت البلدة تتراجع. الميناء، الكنيسة، المخبز القديم، المقهى الصيفي، البيوت التي أعرفها. ثم البيوت الصيفية الجديدة، اللامعة، التي لا يعيش فيها أحد في الشتاء. شعرت أنني لست أنا من يُترك هذه المرة. أنا الذي أتركُ. خطوة صغيرة خارج المسار الذي لم أختره. أعتقد، دون أن أكون متأكداً، أنني لمحت ذلك الرجل المسنّ واقفاً قرب سيارته القديمة ونظر نحوي.
وضعت صديقتي يدها على يدي. «خائف؟». قلت: «نعم. لكن ربما هذه المرة لا بأس أن أكون خائفاً». ابتسمت وقالت: «هذا كل ما كنت أريده منك». أسندت رأسي إلى النافذة. شعرت باهتزاز الحافلة، وبنبض قلبي الذي ما يزال يعمل. تذكرت أبي، أمي، السائق الذي سقط، الفراش الفارغ، البسطة أمام البيت والبلدة التي لا تنكمش فحسب، بل تزول. ثم خطر لي: ربما لا يتذكر أحد هذه الرحلة بعد سنوات. لكنها بالنسبة لي كانت بذرة جديدة في أرض لم ألمسها من قبل.
بعد يومين في العاصمة، وبينما كنّا نتمشى في مركز المدينة، اقتربنا من أحد الجسور الكثيرة التي تربط أقنية مياه البحر. تلك الأقنية التي بناها ملوك من العصور الغابرة لتجميل المدينة، وربما استعملوا بعضها كخطوط دفاع ضد هجمات خصومهم من الممالك الاخرى.
كان الجسر ممتداً فوق القناة مثل خطٍ رفيع يفصل بين عالمين: عالم الناس الذين يهرولون نحو مواعيدهم، وعالمي أنا، المرهق، الذي يمشي ببطء. كان الهواء أثقل من المعتاد. فجأة، هبّت نسمة غريبة وصارت السماء رمادية، منخفضة، والريح حملت رائحة ماء بارد يشبه رائحة معدن قديم. كنتُ أتنفّس بصعوبة، وأحاول أن أوازن بين خطواتي وخطوات صديقتي التي كانت مشغولة بمراقبة الناس، وبين حقيبة الأدوية التي أثقلتها في جيبي. الهاتف في يدي كان يرنّ بإشعارات لا أفهمها، رسائل من البنك، من البلدية، من تطبيقات لا أعرف كيف وصلت إلى الشاشة. شعرت للحظة أن الهاتف يجرّني إلى عالمه، بينما جسدي يجرّني إلى الأرض.
وعند منتصف الجسر، رأيته. الرجل المسنّ مُرتدياً نفس المعطف الرمادي. كان واقفاً عند السور الحديدي، ينظر إلى الماء كما لو أنه يقرأ شيئاً مكتوباً على سطحه. لم يكن غريباً في مظهره، بل في حضوره. كان الهواء حوله أكثر هدوءاً من بقية المكان. حين اقتربت، التفتَ إليّ ببطء، وكأنه كان ينتظرني منذ زمن. قال بصوت منخفض، بلا مقدّمات «الصندوق الذي وضعته صديقتك على الرف، لم يأتِ من هنا».
شعرت ببرودة خفيفة تسري في أطرافي، ليست برودة الطقس، بل شيء آخر، شيء يشبه أن يلمسك ظلّ لا تعرف مصدره. تابع الرجل وهو يحدّق في وجهي كأنه يرى طبقة خلف جلدي «قد يكون رسالة من والدك». ضحكت ضحكة قصيرة، أقرب إلى سعال. قلت له إن والدي مات منذ سنوات. هزّ رأسه ببطء، كمن يصحّح معلومة بسيطة « لقد عاد من حيث أتى». ثم أضاف وسط جمودي «هل سمعت عن كوكب الألماس؟».
كانت السيارات تمرّ خلفنا، أصواتها عالية، لكن كلماته بدت كأنها تعبر من مكان آخر، لا علاقة له بالمدينة. شعرت للحظة أن الجسر نفسه يهتزّ، ليس من حركة المرور، بل من شيء داخلي، شيء يشبه انزلاق الواقع قليلاً إلى اليسار.
سألته من يكون، لكنه لم يجب. اكتفى بأن أشار إلى النهر، وقال «الأشياء التي نظنها انتهت، لا تنتهي. هي فقط تغيّر شكلها». ثم مشى مبتعداً، بخطوات ثابتة، حتى اختفى بين الناس. لم يلتفت. لم يترك أثراً. لم يكن موجوداً إلا في اللحظة التي احتجته فيها ليقول تلك الجملة الغريبة. اقتربت صديقتي، التي كانت قد ابتعدت قليلاً، كي تدعني أتحاور مع الرجل، وقالت «من هذا الرجل؟».
وقفت على الجسر دقائق طويلة، أراقب الماء. كان يتحرك ببطء، لكنني أقسم أنني رأيت لمعاناً غريباً تحت السطح، لمعاناً يشبه انعكاس حجر كريم، أو ربما كان مجرد ضوء شمس خجول.
حين عدنا إلى البيت، ذهبت مباشرة إلى المكتبة. كان الصندوق على الرفّ الأعلى، مغطى بطبقة خفيفة من الغبار. أنزلته ببطء. كان أثقل مما أتذكر. جلستُ على الأرض، والصندوق بين ركبتيّ. جاءت صديقتي وجلست بقربي. سألتني «هل أنت بخير؟». قلت: «نعم، أظن أنني بخير». نظرتُ إلى النافذة. الحديقة كانت تنتظر. والبيت الزجاجي. والبحر. والطريق الذي لا أعرفه. ولأول مرة، شعرت أنني مستعد لأن أمشي فيه.
#منير_المجيد (هاشتاغ)
Monir_Almajid#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الصابئة والمندائيون
-
إلى أهلي الكرد
-
حياتي البيولوجية الثالثة
-
المثليّة في عالم الحيوان
-
بولص
-
مزكين
-
هندي؟
-
سَعَت خشْ
-
سُلّان الزنا
-
آخر يوم في 2021
-
لا حياء فيها
-
الفصل العاشر من رواية «كوبنهاون»
-
الفصل الأول من رواية كوبنهاون
-
لارس والآودي
-
الحجّ على الطريقة اليابانية
-
محافظة يهودية في روسيا
-
الحورية على شكل حشرة
-
رأي سابق في المقتلة السورية
-
الزطّ (الغجر)
-
الشيطان والحمار
المزيد.....
-
على خشبة مارليبون: صراع الحرية والتقاليد في المسرح اليهودي
-
جهاتٌ في خريطة
-
-جمهورية الكلب- من السرد العربي إلى القارئ العالمي
-
الممثلة أناهيد فياض وزوجها يتبرعان بقرنيتي نجلهما الراحل
-
الثقافة سلاحاً.. فلسطين تقاوم بالقلم والذاكرة
-
26 رمضان.. 3 أحداث حولت الخلافة من مصر لإسطنبول
-
مايلز كاتون يتحدث لشبكة CNN عن كواليس دوره في فيلم -Sinners-
...
-
صناع أفلام إيرانيون يتوجهون إلى حفل الأوسكار بينما تعصف الحر
...
-
???????مرفأ البحرين واحتمالات المضيق
-
سطوع سريع وأدب لا يدوم: إشكالية النجومية الوهمية في زمن الكت
...
المزيد.....
-
فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال
...
/ أقبال المؤمن
-
الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير
/ أقبال المؤمن
-
إمام العشاق
/ كمال التاغوتي
-
كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين
/ ياسر جابر الجمَّال
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو
...
/ السيد حافظ
-
أحافير شاب يحتضر
/ المستنير الحازمي
-
جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات
/ حسين جداونه
-
نزيف أُسَري
/ عبد الباقي يوسف
-
مرايا المعاني
/ د. خالد زغريت
المزيد.....
|