أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - منير المجيد - رائحة فلسطين















المزيد.....

رائحة فلسطين


منير المجيد
(Monir Almajid)


الحوار المتمدن-العدد: 8733 - 2026 / 6 / 11 - 13:20
المحور: الادب والفن
    


توصفُ رواية «خرفيش» للروائي «محمود عيسى موسى» كرواية مكتوبة من داخل الذاكرة الفلسطينية نفسها، لا من خارجها، ولا تبحث عن الحكاية بقدر ما تبحث عن اللغة التي تحفظ الحكاية، وعن النبات حين يتحوّل إلى وثيقة، وعن الأرض حين تصبح جسداً، وعن المخيم حين يصبح مقبرة ليلكية، وعن العودة حين تتحوّل إلى رائحة.
هنا يدخل محمود عيسى موسى إلى الرواية من باب لا يشبه أبواب الروائيين الآخرين؛ باب النبات، الرائحة، اللون، الأسطورة، الذاكرة الشعبية، اللغة المحكيّة، الطقس، التراث، النكبة، الطفولة، المخيم، العودة، الجنون، التفاح، الخرفيش، الليلَك، الزريفة والتيفيفيحة.
هو عالم لغوي فريد لا علاقة له بعوالم المُبدعين الآخرين، ليصل كاتب هذه السطور إلى حقيقة أن لغة محمود هي وطنه البديل.

هذا العالم ليس جديداً عليه، بل هو امتداد طبيعي لروحه الروائية التي ظهرت في أعماله الاخرى: «حنتش بنتش» و«حبيبتي السلحفاة» و«أسطورة ليلو وحتن» و«مكاتيب النارنج» و«بيضة العقرب» و«الشمبر».
في هذه الأعمال، كما في «خرفيش»، لا يكتب الكاتب الرواية بوصفها بناءً هندسياً، بل بوصفها حقل نباتات في مزرعته الإفتراضية، كل نبتة فيه تحمل معنى، وكل شوكة تحمل ذاكرة، وكل رائحة تحمل وطناً.
في «مكاتيب النارنج» مثلاً، يصبح النبات مفتاحاً للذاكرة، وفي «أسطورة ليلو وحتن» تتداخل الحكاية الشعبية مع السرد الحديث، وفي «بيضة العقرب» يتحوّل الجسد إلى وثيقة، وفي «الشمبر» يصبح المكان نفسه كائناً لغوياً. هذه الأعمال ليست خلفية لـ«خرفيش»، بل هي جذورها التي نبتت منها هذه الرواية، كما ينبت الخرفيش بين القبور.

محمود يكتب كما لو أنه يزرع، لا كما لو أنه يدوّن. لغته نبتة تنمو، تتشعب، تتفرع، تتكاثر، وتعود كل سنة كما يعود الخرفيش بين القبور. هذا الأسلوب، الذي يزاوج بين المحكي والكتابي، بين الشعبي والرمزي، بين الأسطورة والوثيقة، هو ما يجعل عالمه الروائي مختلفاً عن عالم كتّاب فلسطينيين آخرين مثل غسان كنفاني أو سحر خليفة أو إبراهيم نصر الله.

في «خرفيش»، لا يبدأ الزمن من لحظة، بل من رائحة الخرفيش، رائحة التفاح، رائحة الأرض، رائحة المقبرة، رائحة المخيم، رائحة المطر، رائحة الجنون.
الزمن هنا ليس ترتيباً للأحداث، بل هو تتابع للروائح، وكل رائحة تفتح باباً إلى زمن آخر. لذلك تبدو البنية الزمنية في الرواية أشبه بدائرة، لا بخط مستقيم، دائرة تبدأ من المخيم وتعود إليه، تبدأ من إجزم وتعود إليها، تبدأ من التفاحة الأولى وتعود إلى التفاحة الأخيرة.
هذا الزمن الدائري يذكّرنا بما فعله إميل حبيبي في «المتشائل»، لكنه هنا أكثر شفاهية، أكثر بداهة، أكثر قرباً من الذاكرة الشعبية التي، بغضّ النظر إلى التواريخ، تحفظ الأغاني والأمثال والروائح.

«خرفيش» رواية عن الذاكرة حين تصبح نباتاً. الخرفيش ليس رمزاً، بل هو وثيقة نباتية، بيولوجية، تاريخية، تنبت في المكان نفسه الذي دُفن فيه الأهل، وتعود كل سنة لتذكّر بأن الأرض لا تنسى.
هنا يشتغل النص على علاقة معقدة بين الوثيقة والخيال، بين التاريخ والأسطورة، بين المخيم والقرية، بين النكبة والعودة.
الوثيقة هي نبتة، والخيال هو استعادة. ولذلك تبدو الرواية كأنها مكتوبة من داخل ذاكرة جماعية، لا من داخل ذاكرة فردية، ذاكرة تعرف أن الحكاية لا تُروى مرة واحدة، بل تُروى كل سنة، كما ينبت الخرفيش كل سنة.

هذا الاشتغال على الذاكرة يجعل الرواية تلمس أعمالاً عربية أخرى اشتغلت على الذاكرة الجمعية مثل «زمن الخيول البيضاء» لإبراهيم نصر الله، أو «أعراس آمنة» لسحر خليفة، لكنها تختلف عنها لأنها لا تعتمد على البناء الروائي التقليدي، بل تعتمد على التراكم اللغوي والتكرار والإيقاع والاستدعاء والاستعارة الشعبية والأسطورة النباتية.
إنها رواية تُقرأ كما تُقرأ الأغنية الشعبية، لا كما تُقرأ الرواية الكلاسيكية.

في «خرفيش»، يصل هذا العالم إلى ذروته. فالرواية لا تتناول الخرفيش فقط كما يوحي عنوانها، بل عن تفاح المجانين، عن تفاحة الأونروا، عن تفاحة الجنة، عن تفاحة آدم، وعن تفاحة العودة.
هذا الاشتغال الرمزي يجعل الرواية قريبة من الأساطير العالمية، لكنه يظلّ مختلفاً لأنه ينطلق من أسطورة فلسطينية، ومن تفاحة الأونروا، ومن تفاحة المخيم ومن تفاحة العودة.
وهنا تتجلّى البنية الأسطورية الكاملة للرواية، حيث تتداخل الأسطورة الدينية مع الأسطورة الشعبية، ويتحوّل آدم إلى لاجئ، وتتحوّل التفاحة إلى خطيئة وطنية، ويتحوّل الهبوط من الجنة إلى هبوط من إجزم إلى المخيم. الأسطورة ليست زينة، بل هي بنية تفسيرية، طريقة لفهم العالم والنكبة والعودة.
الرواية تعيد كتابة الأسطورة الدينية من منظور فلسطين؛ هل كانت تفاحة آدم هي تفاحة المجن؟ هل كانت خطيئة آدم هي خطيئة اللاجئ الذي «فغم» تفاحة الأونروا؟ هل كان الهبوط من الجنة يشبه الهبوط من إجزم إلى المخيم؟ هل كان الطرد من الجنة يشبه الطرد من فلسطين؟ هذه الأسئلة لا تُطرح لتقديم إجابات، بل لتقديم مرآة يرى فيها القارئ كيف تتحوّل الأسطورة الدينية إلى أسطورة وطنية، وكيف يصبح آدم نفسه لاجئاً، وكيف تصبح التفاحة رمزاً للغواية والعودة معاً.

تتكرّر في الرواية موتيفات مركزية تشكّل بنيتها الرمزية: الخرفيش، التفاح، المقبرة، المخيم، الزريفة، التفيفيحة، الجذور، البذور، الرائحة، الركض، العودة.
هذه العناصر هي مفاتيح سردية، كل واحد منها يفتح باباً إلى طبقة من الذاكرة. الخرفيش موتيف للثبات، التفاح موتيف للغواية والخطيئة والعودة، المقبرة موتيف للذاكرة الجماعية، المخيم موتيف للزمن المعلّق، الركض موتيف للعودة المستحيلة.
هذه الموتيفات تتكرر كما تتكرر الأغنية الشعبية، لا لتعيد المعنى، بل لتعمّقه ولتجعله جزءاً من الإيقاع الداخلي للنص.

البنية الصوتية للنص هي من أهم مفاتيحه. فالرواية مكتوبة بإيقاع، لا بجمل؛ بإيقاع يشبه الهسهسة والزقزقة والعتابا والدلعونا وزريف الطول.
الصوت في الرواية محرّك سردي، صوت المخيم، صوت المقبرة، صوت الريح، صوت الأطفال، صوت الأمهات، صوت الأغاني الشعبية، صوت الذاكرة. الجملة عند محمود عيسى موسى نَفَسٌ طويل، متتابع، يذكّر بإيقاع الحكاية الشفاهية والجدّات وأمّ عيسى والمخيم.
هذا الإيقاع يجعل الرواية تُقرأ كما تُقرأ الأغنية، ويجعل اللغة نفسها تتحوّل إلى موسيقى ليلكية، موسيقى تنبت كما ينبت الخرفيش بين القبور.

وفي قلب هذا كله، تقف شخصية الراوي، وهي شخصية مركّبة، متشظّية، تتحرك بين الطفل والرجل، بين المخيم والقرية، بين الأسطورة والواقع، بين التفاحة الأولى والتفاحة الأخيرة.
الراوي ليس راوياً عليماً، بل راوٍ مأخوذ، مصدوم مُصاب بالحنين يكتب ليشفى، ويستعيد ليعود. شخصيته جماعية، شخصية المخيم كله، اللاجئين كلهم، والذاكرة الفلسطينية نفسها.
إنه طفل المخيم الذي لم يكبر تماماً، ورجل المخيم الذي لم ينسَ تماماً، وكاتب المخيم الذي لم يتصالح تماماً. إنه شخصية تبحث عن العودة، لكنها تعرف أن العودة ليست جغرافيا، بل لغة، ليست حدوداً، بل رائحة، ليست طريقاً، بل نبتة.

وهكذا تتشكّل «خرفيش» بوصفها رواية عن العودة، لكن العودة ليست حدثاً سياسياً، بل هي عودة نباتية وروحية ولغوية وعودة إلى الرائحة الأولى، إلى التفاحة الأولى، إلى الخرفيش الأول. العودة ليست عبور النهر، بل عبور الذاكرة. ليست عبور الحدود، بل عبور اللغة. ليست عبور الجغرافيا، بل عبور الحلم.
إنّها وثيقة نباتية للنكبة لا تُكتب بالحبر، بل تُكتب بالخرفيش، بالتفاح، بالليلَك، بالزريفة، بالتيفيفيحة، بالذاكرة التي لا تموت، وباللغة التي لا تشبه لغة أحد.



#منير_المجيد (هاشتاغ)       Monir_Almajid#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مشروع محمد عُضيمة الياباني
- إيران والتهديد الأمريكي
- «الصندوق» -رواية قصيرة
- الصابئة والمندائيون
- إلى أهلي الكرد
- حياتي البيولوجية الثالثة
- المثليّة في عالم الحيوان
- بولص
- مزكين
- هندي؟
- سَعَت خشْ
- سُلّان الزنا
- آخر يوم في 2021
- لا حياء فيها
- الفصل العاشر من رواية «كوبنهاون»
- الفصل الأول من رواية كوبنهاون
- لارس والآودي
- الحجّ على الطريقة اليابانية
- محافظة يهودية في روسيا
- الحورية على شكل حشرة


المزيد.....




- راقصة مصرية تكشف لـRT تفاصيل خطيرة عن اتهامها لـ-نخنوخ- وفنا ...
- بوتين يوجه بتحديث أكاديمية موسكو للرقص
- جائزة -جالاك- 2026: كيف يعيد الأدب صياغة الهوية البريطانية م ...
- قراتشاي-تشيركيسيا تُخطط لإنشاء متاحف لثقافة وتاريخ شعوبها
- طقوس الليل السرية.. ألعاب استحضار الأرواح بين أطفال الاتحاد ...
- مونديال 2026.. مزيج الكرة والموسيقى برعاية الفيفا
- رحيل عبد العزيز مخيون.. عاشق الموسيقى الذي تنقل بين طه السما ...
- كاظم الساهر: نمت في المقاهي والحدائق لأحقق هذا النجاحوعملت م ...
- فيلم الرعب -هوس- يطيح بـ-فهرنهايت 11/9? ويصبح الصفقة الأعلى ...
- نتنياهو يوجه رسالة مترجمة للعربية إلى الشعب اللبناني (فيديو) ...


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - منير المجيد - رائحة فلسطين