أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - منير المجيد - مشروع محمد عُضيمة الياباني















المزيد.....

مشروع محمد عُضيمة الياباني


منير المجيد
(Monir Almajid)


الحوار المتمدن-العدد: 8732 - 2026 / 6 / 10 - 14:05
المحور: الادب والفن
    


في الصفحات الأولى من كتاب «حكايات المعبد الياباني»، يضع «محمد عُضيمة» معياراً صارماً للكتابة عن السفر، على أن تكون الكتابة امتداداً للحواس، لا امتداداً للكتب.
يكتب لصديقه «لا علاقة لما يكتبونه بما شاهدوا أو سمعوا أو لمسوا… وكان يمكنهم كتابتها وهم في بيوتهم». هذه ليست مجرد نقد للمثقفين العرب، بل إعلان لمشروعه كله: أن المعرفة الحقيقية لا تأتي من النظريات، بل من الاحتكاك، من المشي، من الطعام، من الشارع، من رائحة التراب. ولهذا فإن اليابان عنده ليست «معجزة اقتصادية» ولا «خلية نحل»، بل عالم حيّ، عالم لا يُفهم إلا إذا عاشه المرء كما يعيش الياباني نفسه يومه.

في «غابة المرايا اليابانية»، يكتب في اختصار لجوهر مشروعه «اليابان لا تُرى، اليابان تُقرأ». فاليابان ليست مكاناً، بل نصّاً، نصّاً يحتاج إلى قارئ يعرف أن القراءة ليست فعلاً ذهنياً فقط، بل فعلاً جسدياً وروحياً. ولهذا فإن عُضيمة لا يكتفي بوصف اليابان، بل يقرأها كما يقرأ الشاعر قصيدة، وكما يقرأ المترجم نصاً صعباً يحتاج إلى صبر طويل.
اللغة هي مركز مشروعه. اليابانية ليست عنده لغة أجنبية، بل كائن حيّ، لها مزاجها، ولها أبوابها التي لا تُفتح بالقوة.
فيقول: «اللغة اليابانية لا تُتعلّم، بل تُسلمك نفسها حين تشاء». لأن الترجمة عنده ليست مهنة، بل علاقة. علاقة بين لغتين لا تلتقيان إلا في ذهن المترجم، وبين ثقافتين لا تتشابهان إلا حين يضعهما الكاتب في جملة واحدة. ولهذا فإن مشروعه الياباني هو في جوهره مشروع ترجمة، ليس ترجمة نصوص فقط، بل ترجمة عالم كامل إلى العربية، وترجمة الذات العربية إلى اليابانية، وترجمة الحيرة بينهما.

لكن الترجمة عنده ليست جسراً آمناً، بل مغامرة محفوفة بالخسارات.
في حكايات المعبد الياباني، يكتب بمرارة واضحة «ترجمة ثلاثين كتاباً خلال مائة سنة لا تعني شيئاً… وتبقى محصورة في إطار جامعي ضيق»، كاشفاً عن وعي عميق بمحدودية حضور الأدب العربي في اليابان، وبغياب مشروع ترجمة حقيقي، وبأن العرب أنفسهم لم يقدّموا أدبهم للعالم كما ينبغي. ولهذا فإن مشروعه الياباني ليس احتفاءً باليابان فقط، بل نقداً للثقافة العربية أيضاً، نقداً لابتعادها عن الحياة اليومية، عن الطعام، عن الجسد، عن التفاصيل التي تصنع الإنسان.
ويتابع نقده على هذا الشكل: لماذا لا نتحدث عن «صحن الحمص» كما نتحدث عن الفلسفة؟ لماذا نخجل من الحديث عن الطعام، بينما هو أساس الحياة؟ هذا السؤال ليس بسيطاً. إنه نقد لثقافة ترى نفسها من خلال الماضي، لا من خلال الحاضر.

أما اليابان، فيراها عُضيمة من زاوية لا يراها كثيرون، وهي زاوية الطبيعة. تحتلّ الساكُرا (موسم تفتّح زهور شجر الكرز) مساحة واسعة من السرد. ليس لأنه رمز ياباني فحسب، بل لأنه يكشف علاقة الياباني بالطبيعة، بالدين، بالزمن، وبفكرة الجمال العابر.
يقول «الطبيعة كتاب أيضاً ويحتاج إلى قراءة». بمعنى أن اليابان لا تُفهم من خلال التكنولوجيا، بل من خلال الشجرة، من خلال الزهرة، من خلال الطقس الروحي الذي يمارسه الياباني حين يجلس تحت شجرة كرز مزهرة. إنه يرى في اليابان ما لا يراه السائح: يرى الروح.

لكن مشروعه ليس احتفاءً باليابان فقط. إنه أيضاً نقد للثقافة اليابانية نفسها. نقد لطريقتها في تقليد الغرب، لنظرتها إلى العرب، لسطحية الاستعراب الياباني، ولعجز اليابانيين عن رؤية العربي خارج الصور الجاهزة.
يكتب «الياباني لا يرى العربي، بل يرى صورة الأوروبي عن العربي». هنا يكشف وعياً حاداً بطبقات الاستشراق، وبأن اليابان ليست بريئة من الصور النمطية، بل تستعيرها من الغرب وتعيد إنتاجها.
وهنا يصبح من الضروري وضع مشروع عُضيمة في سياق عربي أوسع، سياق كتّاب آخرين حاولوا الكتابة عن اليابان، لكن من زوايا مختلفة تماماً.
يجدر هنا ذكر «نوبوأكي نوتوهارا»، الياباني الذي كتب عن العرب، والذي يظهر في كتاب عُضيمة كشخصية حقيقية، كأستاذ ياباني يصرّ على الحديث عن الساكُرا، بينما يحاول عُضيمة أن يجرّه إلى «الثقافة» كما يفهمها العرب. المفارقة هنا أن نوتوهارا، في كتابه الشهير «العرب: وجهة نظر يابانية»، قدّم العرب من خلال الحياة اليومية، بينما يأتي كثير من العرب ليقدّموا اليابان من خلال النظريات.
نوتوهارا يكتب من الداخل، من الشارع، من الريف، من التجربة.
أما عُضيمة، فيكتب من الداخل أيضاً، لكن من داخل اللغة، من داخل الترجمة، من داخل الحساسية الشعرية.
الاثنان يلتقيان في نقطة واحدة، وهي أن الحقيقة لا تُرى من بعيد.
هناك أيضاً كتّاب عرب كتبوا عن اليابان من موقع الانبهار، مثل بعض الرحّالة الذين رأوا في اليابان نموذجاً جاهزاً للنهضة، أو مرآة لما «يجب أن نكونه». هؤلاء كتبوا عن اليابان كيوتوبيا، كبلد بلا عيوب، كمعجزة.
لكن عُضيمة يقف على النقيض تماماً، فهو مشروع تفكيك، لا مشروع تمجيد.
إنه يرى اليابان كما هي، جميلة وقاسية، منظمة وهشّة، روحية ومادية، متقدمة ومنغلقة.
لا يضعها فوق pedestal (رفعها إلى منصّة التقديس في هذا السياق)، ولا يضعها تحت microscope، بل يضعها أمامه كإنسان، كعالم، ككتاب.
وهناك كتّاب آخرون كتبوا عن اليابان من موقع المقارنة السياسية، مثل من حاولوا تفسير النهضة اليابانية من خلال نظريات جاهزة. هؤلاء كتبوا عن اليابان كما لو أنها نسخة أخرى من أوروبا، أو كما لو أنها درس جاهز يمكن نقله إلى العالم العربي.
لكن عُضيمة يرفض هذا المنطق تماماً ويقول «لا أفهم لماذا نقيس نهضتنا التي لم تحصل أبداً بالنهضة اليابانية…»، كاشفاً عن أن ما يكتبه ليس بحثاً عن وصفة، بل بحث عن فهم.
أما من كتبوا عن اليابان من موقع السياحة الثقافية، فقدّموا صوراً سطحية، أو انطباعات سريعة، أو كليشيهات جاهزة، فإن مشروع عُضيمة يقف بعيداً عنهم جميعاً.
إنه لا يكتب عن اليابان كزائر، بل كساكن.
لا يكتب عنها كموضوع، بل كعلاقة.
لا يكتب عنها كآخر، بل كمرآة يرى فيها نفسه.

في النهاية، مشروع محمد عُضيمة الياباني ليس مشروعاً عن اليابان فقط، بل مشروع عن الإنسان حين يواجه ثقافة لا تشبهه، وعن كيف يمكن للغربة أن تصبح مرآة، وللمرآة أن تصبح درساً، وللدرس أن يصبح كتابة.
إنه مشروع شاعر ومترجم في آن واحد، شاعر يرى العالم من خلال اللغة، ومترجم يرى اللغة من خلال العالم.
مشروع يذكّر القارئ بأن الهوية ليست شيئاً ثابتاً، بل حركة مستمرة بين لغتين، بين صورتين، بين عالمين.
وأن الحقيقة لا تُرى في مرآة واحدة، بل في غابة كاملة من المرايا، وفي معبد كامل من الحكايات.



#منير_المجيد (هاشتاغ)       Monir_Almajid#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إيران والتهديد الأمريكي
- «الصندوق» -رواية قصيرة
- الصابئة والمندائيون
- إلى أهلي الكرد
- حياتي البيولوجية الثالثة
- المثليّة في عالم الحيوان
- بولص
- مزكين
- هندي؟
- سَعَت خشْ
- سُلّان الزنا
- آخر يوم في 2021
- لا حياء فيها
- الفصل العاشر من رواية «كوبنهاون»
- الفصل الأول من رواية كوبنهاون
- لارس والآودي
- الحجّ على الطريقة اليابانية
- محافظة يهودية في روسيا
- الحورية على شكل حشرة
- رأي سابق في المقتلة السورية


المزيد.....




- سلب فلسطين.. كيف نظّم القانون الإسرائيلي تجريد شعب من أملاكه ...
- رحيل الفنانة السوفيتية الكبيرة ليودميلا تشورسينا بعد صراع مع ...
- ثقافة الشارع وأزياء -الآرت- تُثري منافسات جائزة كاردو الدولي ...
- -ما الحاجة إلى عالم بدون روسيا-.. روائية مصرية تشيد بزيارتها ...
- مهرجان الفيلم الروسي يُقام في المغرب لأول مرة بتشكيلة سينمائ ...
- افتتاح مهرجان موسكو للجاز بعرض أدبي موسيقي يخلد إرث الموسيقا ...
- وفاة الفنان المصري عبد العزيز مخيون
- معهد بطرس الأكبر يحدد أهداف مؤتمره الدولي التاسع عشر
- غاليري تريتياكوف يفتتح معرضا لأيقوناته النادرة في ذكراه الـ1 ...
- على طريقة فيلم -Catch Me If You Can-.. طيار سابق بطيران كندا ...


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - منير المجيد - مشروع محمد عُضيمة الياباني