أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - منير المجيد - المونديال: كرة الفقراء التي صارت بورصة الأغنياء














المزيد.....

المونديال: كرة الفقراء التي صارت بورصة الأغنياء


منير المجيد
(Monir Almajid)


الحوار المتمدن-العدد: 8751 - 2026 / 6 / 29 - 16:47
المحور: كتابات ساخرة
    


سئمتُ من المونديال، وهذا لا يعني أنني لم أعد أهتم، بل إنني أتابع المباريات أكثر ممّا ينبغي، خصوصاً بعدما صار حفيدي لاعباً محترفاً، وصارت اللغة الوحيدة التي نتفاهم بها هي لغة كرة القدم. لكنني، رغم ذلك، سئمت المونديال.
أعرف أنّ بعض الأصدقاء سيستنكرون، وسيقولون إنني أصبحتُ مثل أولئك الشيوخ الذين يشتكون من كل شيء، لكن مهلاً، لدي أسبابي، وهي أسباب وجيهة، أو هكذا أقنع نفسي على الأقل.

أحد الأسباب أنّ نصف سكّان الكرة الأرضية صاروا خبراء في التحليل الكروي، وفلاسفة في التكتيك، ومؤرّخين يروون لك معركة «ماراكانا»- المباراة الأشهر في تاريخ المونديالات بين البرازيل والاوروغواي عام ١٩٥٠.
النساء أيضاً دخلن اللعبة بقوّة، وصِرن يملأن المدرّجات.
أمّا الرجال، علاوة التبرّج بأزياء غريبة، ووجوه ملوّنة، وطاقيّات تبدو كأنّها هربت من سيرك، فحدّث ولا حرج: شتائم، شعارات، عنصرية، حرائق صغيرة وتكسير مقاعد.
اليابانيون، كالعادة، لا علاقة لهم بأيّ من هؤلاء. ينتظرون نهاية المباراة، يلتقطون قمامة الآخرين، يضعونها في أكياس، ويرمونها في الأماكن المخصّصة، وكأنّهم يُحاولون تأديب هذا الكوكب، وتلقينه درساً سلوكياً مُتحضّراً.
أمّا المعلّقون العرب، فأنا أتجنّبهم كما يتجنّب المرء إعلاناً طويلاً عن دواء للمغص. يزعجونني بتعليقاتهم السخيفة، خصوصاً حين ينادي أحدهم الآخر بـ«كابتن»، وكأنّهما في سفينة تعبر مضيق هرمز.

هذا كلّه قبل أن أضع نظّاراتي السوداء التي أرتديها كل أربع سنوات، نظّارات التشاؤم المونديالية. اللاعبون أنفسهم يسبّبون لي المتاعب. تشاتم، تباصق، تسريحات شعر تُشبه قمم الديكة، تمثيل رديء، خداع، غشّ، سقوط على الأرض كأنّهم تلقّوا ضربة من مصارع روماني، ثم يقفزون راكضين كجراء صغيرة حين لا تنطلي الحيلة على الحكم. بعضهم، للحقّ، يتأذّى فعلاً، ويخرج بأنف مكسور أو ضلع مهشّم، لكن معظمهم مجرّد صبية زعران، بلطجية بقمصان ملوّنة.

كنّا نستمتع في القامشلي في الستينات، حين كان فريق عامودا يأتي تلك المسافة البالغة سبعة وعشرين كيلومتراً وتسعين متراً للقاء نادي السريان، بلا تسريحات، بلا تمثيل، بلا قذارات.
العاموديون كانوا يتنافسون على من يركل الكرة أعلى، لا على تسجيل الأهداف، ويرفعون رؤوسهم نحو الشمس ليروا إن كانت الكرة ستخترق الغلاف الجوّي. بعضهم كان يخرج سيكارة أثناء المباراة ويطلب من الحكم «ولعة»، ويعرض عليه واحدة، بكل بساطة.
تلك المباريات كانت بديعة، نقية، بلا ضجيج، بلا عقود بملايين الدولارات.

كرة الفقراء صارت بورصة للأغنياء، وصار اللاعب «الكبير» صاحب طائرة الجيت الخاصة، يأنف الركض خلف الكرة، وينتظر الآخرين كي يضعوها بين قدميه ليمنحها رفسته المقدّسة. هؤلاء صاروا أشهر من نجوم هوليوود، صورهم على جدران المراهقين، في الوقت الذي تلاحقهم السلطات لتهرّبهم من دفع الضرائب.

ميزة هذا العام أنّ الفقراء الأفارقة يبلون بلاءً حسناً، ولم يخسروا منذ الأدوار الأولى، وكأنّهم يذكّرون العالم بأنّ كرة القدم بدأت في الأزقّة الترابية، لا في ملاعب تُشبه حدائق القصور. أمّا الفرق العربية، فقد «تبهدلت» كما يقول الشامتون، وسقطت سقوطاً مُريعاً، كالعادة، رغم التطبيل المالي وشراء اللاعبين الأجانب وإلباسهم الجنسيات.
الفريق الوحيد الذي أفلح حتّى الآن هو المغربي، ولهم أقول: الله يبارك فجهودكم، رفّعتو شوية من الراس ديال هاد الناس اللي كيسمّيو راسهم عرب.

ولا داعي لذكر ما يحيط بالساحرة المستديرة من فساد وإحتيال وسرقات، فالفيفا صارت أشبه بإمبراطورية تجارية، لا علاقة لها بكرة القدم سوى أنّها تستعملها كواجهة. رئيس الفيفا نفسه صار يمنح «جوائز سلام» لوضيع لم يحصل عليها من أوسلو، وكأنّه يوزّع شهادات تقدير في مدرسة ابتدائية.

عام ٢٠١٨ قرّرت أن أذهب إلى روسيا، كي أتخلّص من حمّى المونديال. تصرّف غريب، أعرف ذلك.
كنت أرفض السفر إلى البلدان التي يجب أن «أستجدي» تأشيرتها، لكن الروس قدّموا تسهيلات عجيبة: اشترِ بطاقة لمباراة واحدة، وسافر دون فيزا، فقط أبرز البطاقة في المطار، وسيقولون لك: Добро пожаловать в Россию, рады вам. وهذا ما جرى، تابعت مباراة واحدة بين إسبانيا وروسيا، ووقعت في حبّ موسكو.



#منير_المجيد (هاشتاغ)       Monir_Almajid#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اليابانية يوزوكي تستخدم الطعام كأداة تفكيك لا كزينة سردية
- قراءة مُتأخرة «للرواية الأخيرة» لماركيز
- عبد الناصر في القامشلي
- خليل صويلح يشعل وهج الرواية السورية
- رائحة فلسطين
- مشروع محمد عُضيمة الياباني
- إيران والتهديد الأمريكي
- «الصندوق» -رواية قصيرة
- الصابئة والمندائيون
- إلى أهلي الكرد
- حياتي البيولوجية الثالثة
- المثليّة في عالم الحيوان
- بولص
- مزكين
- هندي؟
- سَعَت خشْ
- سُلّان الزنا
- آخر يوم في 2021
- لا حياء فيها
- الفصل العاشر من رواية «كوبنهاون»


المزيد.....




- الثقافة الروسية تجمع دول -بريكس- تحت مظلة حضارية واحدة
- غريب آبادي: الجولة الأولى من المحادثات الفنية في إطار مجموعا ...
- غريب آبادي: المشاورات بشأن الجولة الأولى من المحادثات الفنية ...
- بمرسوم من بوتين.. -متحف المحيط العالمي- ينال أرفع تصنيف ثقاف ...
- دافع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان ...رحيل الفنان الجزائري ع ...
- رويترز: الفرق الفنية الإيرانية والأمريكية ستجتمع في الدوحة خ ...
- برنامج -بطاقة بوشكين- الثقافي يسجل بيع أكثر من 113 مليون تذك ...
- فنان مصري مشهور يفقد بصره ويغيب عن الساحة الفنية
- علماء آثار من بطرسبورغ يرقمنون معالم أفريقيا والعالم الإسلام ...
- فيلم مايكل جاكسون يصبح فيلم السيرة الذاتية الأعلى إيرادا على ...


المزيد.....

- مقامات وقف السرسرية / د. خالد زغريت
- مدينة فاضلة بالطرة رذيلة بالنقش / د. خالد زغريت
- في الطريق إلى الهفا / د. خالد زغريت
- وحطوا رأس الوطن بالخرج / د. خالد زغريت
- قلق أممي من الباطرش الحموي / د. خالد زغريت
- الضحك من لحى الزمان / د. خالد زغريت
- لو كانت الكرافات حمراء / د. خالد زغريت
- سهرة على كأس متة مع المهاتما غاندي وعنزته / د. خالد زغريت
- رسائل سياسية على قياس قبقاب ستي خدوج / د. خالد زغريت
- صديقي الذي صار عنزة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - منير المجيد - المونديال: كرة الفقراء التي صارت بورصة الأغنياء