أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - منير المجيد - اليابانية يوزوكي تستخدم الطعام كأداة تفكيك لا كزينة سردية















المزيد.....

اليابانية يوزوكي تستخدم الطعام كأداة تفكيك لا كزينة سردية


منير المجيد
(Monir Almajid)


الحوار المتمدن-العدد: 8749 - 2026 / 6 / 27 - 16:15
المحور: الادب والفن
    


بعيداً عن لاعبي كرة القدم وموجة الحرّ التي تشلّ الناس هذه الأيام، حبستُ نفسي في صالة منزلي وأسدلت الستائر بحثاً عن رطوبة متبقية في الظل، ووجدت خير جليس في رواية «زبدة» لليابانية «أساكو يوزوكي»، بترجمة الصديقة «ميته هولم».
وهولم هي التي نقلت أعمال «هاروكي موراكامي» إلى الدانماركية، وتعمل بإخلاص نادر للنص؛ تضع أمامها ترجمات اللغات التي تجيدها، الإنكليزية والفرنسية والألمانية، قبل أن تبدأ باليابانية، وإن استعصى عليها معنى اتصلت بزملاء سبقوها إلى ترجمة العمل، حتى أولئك الذين لا تعرف لغاتهم. حدّثتني يوماً أنها قضت ساعات مع المترجمة البولونية لتوضيح عبارة واحدة في رواية «كافكا على الشاطئ»، وأن موراكامي نفسه يفتح لها باب الاتصال المباشر حين تحتاج إلى ذلك.
ولأن أعمال يوزوكي لم تُترجم بعد إلى العربية، يبقى القارئ العربي معتمداً على ترجمات اللغات الاخرى، رغم انتشارها المتزايد بعد نجاح «زبدة».

أساكو يوزوكي تنتمي إلى ذلك الجيل من الكاتبات اليابانيات اللواتي يكتبن عن الحياة اليومية بحدة هادئة، وعن العلاقات الإنسانية من الداخل، دون أن يرفعن أصواتهن أو يستخدمن الرموز الثقيلة.
ولدت عام ١٩٨١، وبدأت مسيرتها بروايات قصيرة (نوڤيلا) لفتت الانتباه إلى قدرتها على التقاط التفاصيل الصغيرة التي تكشف جوانب الضعف في الإنسان.
من رواياتها المبكرة «نقطة الغليان» التي تناولت علاقة أم بابنتها من خلال توتر يومي بسيط. و«الفتاة التي لا تبتسم» صارت مسلسلاً عام ٢٠١٧ بإخراج شينجي كوماتسو، وركّز على الشخصية أكثر من الحبكة، محافظاً على الإيقاع الهادئ الذي يميّز يوزوكي. «الزوجة المفقودة» تحوّلت إلى فيلم عام ٢٠١٦ بإخراج كازويا شيرايشي، وقد حافظ على الجو النفسي للرواية وقدّم الاختفاء كفعل وجودي لا كغموض بوليسي.
وفي «الحديقة التي لا تنام» تذهب إلى علاقة ثلاث نساء يجمعهن بيت واحد، وتكشف كيف يمكن للعيش المشترك أن يخلق صداقات غير متوقعة.
هذه الأعمال، وغيرها، جعلت اسمها يظهر باستمرار في قوائم الجوائز، خصوصاً جائزة ناوكي التي رُشِّحت لها أكثر من مرة.
أما «زبدة» نفسها فلم تُقتبس بعد، رغم الحديث المتزايد في اليابان عن إمكانية تحويلها إلى عمل درامي بسبب موضوعها الاجتماعي القوي.

لكن «زبدة» هي العمل الذي نقلها من كاتبة معروفة في اليابان إلى صوت عالمي.
الرواية مبنية على قضية حقيقية لامرأة اتُّهمت بقتل رجال أغوتهم بالطعام، لكن يوزوكي لا تهتم بالجريمة بقدر ما تهتم بالمرأة نفسها: لماذا تأكل؟ لماذا تطبخ؟ ولماذا يربط المجتمع بين جسد المرأة وقيمتها؟ الرواية ليست عن الطعام، بل عن الجسد بوصفه ساحة صراع اجتماعي. بطلتها صحافية شابة تحاول فهم المتهمة، وفي كل زيارة للسجن تكتشف أن السؤال الحقيقي ليس: هل قتلت؟ بل: لماذا يكره المجتمع المرأة التي تأكل؟ ولماذا تُعامل الدهون كخطيئة؟ قوة الرواية أنها تكشف المجتمع من خلال حوار هادئ بين امرأتين، إحداهما سجينة رسمياً والأخرى سجينة بصورة مثالية لا تستطيع الوصول إليها.

يوزوكي تستخدم الطعام كأداة تفكيك، لا كزينة سردية. كل وصف للزبدة، للنكهة، للقوام، ليس وصفاً حسياً فقط، بل لغة بديلة تقول ما لا تستطيع الشخصيات قوله مباشرة. الطعام هنا مقاومة ضد مجتمع يربط بين النحافة والفضيلة، وبين الامتلاء والخطيئة. ومع تقدّم السرد يصبح الطعام أقل حضوراً مادياً وأكثر حضوراً رمزياً، حتى يتحول إلى صوت داخلي يقول للمرأة: أنت لست خطأ. الإيقاع البطيء والجمل القصيرة المشدودة ليسا ضعفاً، بل ضرورة، لأن الرواية تتعامل مع موضوع لا يمكن اقتحامه بعنف؛ هي رواية تحتاج إلى وقت كي تتخمر، تماماً كما تتخمر الزبدة نفسها.

عندما نقارن يوزوكي بموجة الكتّاب الشبان في اليابان، نلاحظ أنها تقف في منطقة وسطى. هناك كتّاب مثل «ريو موراتا» أو «ميزوكي تسوجيمورا» يكتبون عن العلاقات الإنسانية أيضاً، لكنهم يميلون إلى البناء الدرامي الأقوى أو إلى إدخال عناصر الغموض. وهناك كتّاب آخرون مثل «سايكا موريساوا» يكتبون عن الشباب والمدينة والقلق المعاصر. أما يوزوكي فتركّز على الداخل أكثر من الخارج، وعلى التفاصيل أكثر من الأحداث، وعلى الجسد أكثر من المكان. هي قريبة من موجة «الأدب اليومي» التي ظهرت بعد ٢٠١٠، لكنها أكثر هدوءاً وأقل رغبة في الصدمة. ما يميزها عن الآخرين هو أنها لا تبحث عن موضوع كبير، بل عن لحظة صغيرة تكشف شيئاً كبيراً. وفي «زبدة» تحديداً، استطاعت أن تجعل الطعام، وهو شيء بسيط جداً، مفتاحاً لفهم علاقة المجتمع بالمرأة.

وحين نقرأ «زبدة» ببطء، نكتشف أنها رواية عن الشهية بوصفها اعترافاً وجودياً، وعن العار بوصفه قيداً اجتماعياً. المتهمة لا تدافع عن نفسها، بل عن حقها في أن تكون موجودة دون أن تُختزل في وزنها. والصحافية تكتشف أنها هي أيضاً سجينة صورة مثالية. وهكذا تتحول العلاقة بينهما إلى اعتراف متبادل، لا إلى تحقيق.

وهنا يظهر الخيط الخفي الذي يربط «زبدة» بهاروكي موراكامي. ليس تشابهاً في الأسلوب أو البناء، بل في الانشغال بالوحدة وبالجسد وبالطقوس اليومية. موراكامي يكتب عن شخصيات تعيش في عزلة هادئة، تطبخ، تستمع إلى الموسيقى، تركض، وتبحث عن معنى في التفاصيل الصغيرة. يوزوكي تفعل شيئاً مشابهاً، لكن من زاوية نسوية واضحة. كلاهما يستخدم الطقس اليومي كنافذة على الداخل: موراكامي يجعل الطبخ أو الجري أو الجاز طريقة لفهم الذات، ويوزوكي تجعل إعداد الطعام طريقة لفهم القهر الاجتماعي.
الفرق أن موراكامي يهرب من الواقع إلى العجائبي، بينما تغوص يوزوكي في الواقع حتى نهايته؛ هو يجعل الجسد خلفية، وهي تجعله مركز الرواية؛ هو يرى الوحدة قدراً، وهي تراها نتيجة مجتمع يفرض على المرأة صورة واحدة.
ومع ذلك، يجمعهما شيء واحد: كلاهما يكتب عن الإنسان الذي يحاول أن يجد مكانه في عالم لا يراه كما هو.

- حازت رواية زبدة على جائزة الكتاب البريطاني لعام ٢٠٢٥، قسم الروايات الجديدة، بعد صدورها بالإنجليزية، ولاقت نجاحاً نقدياً وتجارياً كبيراً في بريطانيا.
حازت أيضاً على جائزة «وترستونز» لكتاب العام، وهي جائزة تُمنح للعمل الأكثر تأثيراً وانتشاراً خلال العام.



#منير_المجيد (هاشتاغ)       Monir_Almajid#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة مُتأخرة «للرواية الأخيرة» لماركيز
- عبد الناصر في القامشلي
- خليل صويلح يشعل وهج الرواية السورية
- رائحة فلسطين
- مشروع محمد عُضيمة الياباني
- إيران والتهديد الأمريكي
- «الصندوق» -رواية قصيرة
- الصابئة والمندائيون
- إلى أهلي الكرد
- حياتي البيولوجية الثالثة
- المثليّة في عالم الحيوان
- بولص
- مزكين
- هندي؟
- سَعَت خشْ
- سُلّان الزنا
- آخر يوم في 2021
- لا حياء فيها
- الفصل العاشر من رواية «كوبنهاون»
- الفصل الأول من رواية كوبنهاون


المزيد.....




- وفد من المثقفين والمؤسسات الدينية والشخصيات السياسية والثقاف ...
- الحكم على الممثلة الفرنسية إيزابيل أدجاني بالسجن وغرامة مالي ...
- علاقة مثلية بين طالبة وعميدة جامعة متزوجة تتحول إلى مسرحية أ ...
- الاستقالة.. ثقافة لا هزيمة
- بيرو.. دليل على فشل الإسبان في محو ثقافة الأندلس
- قبل عرض فيلم -شمشون ودليلة-.. مي عمر تبارك لزملائها رغم المن ...
- سوريا.. تأجيل حفل الفنان الأردني الأخرس في دمشق حدادا على ضح ...
- -صقر وكناريا-.. فيلم يكسب بالكوميديا قبل الإثارة
- مجلس الشعب الأول في سوريا الجديدة.. خريطة التمثيل وقائمة الم ...
- تضاعف مبيعات ملحمة -الأوديسة- لهوميروس عالميا بالتزامن مع قر ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - منير المجيد - اليابانية يوزوكي تستخدم الطعام كأداة تفكيك لا كزينة سردية