أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - منير المجيد - «جيلٌ يعيش فوق خطّ الصدع»، عن الفيلم الياباني «النهاية السعيدة»















المزيد.....

«جيلٌ يعيش فوق خطّ الصدع»، عن الفيلم الياباني «النهاية السعيدة»


منير المجيد
(Monir Almajid)


الحوار المتمدن-العدد: 8761 - 2026 / 7 / 9 - 12:04
المحور: الادب والفن
    


الفيلم الياباني «النهاية السعيدة» (Happyend)، انتاج عام ٢٠٢٤، يبدو للوهلة الأولى كقصة مراهقين على أعتاب التخرج، لكنّه في الحقيقة يستخدم هذه العتبة الصغيرة ليطل منها على تاريخ كامل من الديستوبيا اليابانية، من الزلزال والدولة والهوية، إلى العنصرية. المستقبل الذي يرسمه المخرج «نيو سورا» (مواليد ١٩٩١) هو تكثيف لما هو قائم الآن في اليابان، مع رفع مستوى الصوت قليلاً كي نسمع ما يُقال همساً في الواقع اليومي.
تهديد الزلزال الكبير في الفيلم ليس مجرد خلفية كارثية؛ إنه البنية التحتية للسياسة. فهناك رئيس وزراء يستثمر الخوف من الكارثة ليشدّ قبضة الأمن، يوسّع المراقبة، ويدفع الأجانب وأصحاب الهويات المختلطة إلى الهامش بحجة حماية «الهوية اليابانية الطبيعية».
هنا يلتقي الخوف الطبيعي من الطبيعة مع خوف مصنّع من «الآخر»، لتولد حالة من القلق المستمر يعيش فيها الطلاب، حتى وهم يلهون بالموسيقى والمقالب.
وواقع الأمر أنّ اليابان، كغيرها من الدول الديمقراطية، مُصابة أيضاً برهاب الأجنبي والغريب، سواءً كان دينياً أو عرقياً، ما يجعل هذا الخوف جزءاً من بنية المجتمع لا مجرد تفصيل سياسي.

العلاقة بين «يوتا» و«كو» هي قلب الفيلم، لكنها أيضاً مرآة لانقسام أوسع في المجتمع الياباني المعاصر، مع كيفية النتعامل مع القمع حين يكون ناعماً، متدرجاً، ومغلفاً بخطاب الحماية والأمن؟
كو، الشاب ذو الخلفية الكورية في مجتمع ياباني، يشعر بثقل تاريخ مجزرة الكوريين بعد زلزال كانتو ١٩٢٣، وتاريخ خطاب الكراهية المعاصر ضد الكوريين في شوارع المدن اليابانية، وهو تاريخ يعترف به سورا صراحة في أحاديثه عن مصادر إلهام الفيلم. لهذا يصبح كو أكثر حساسية تجاه ما يبدو ليوتا مجرد تشديد بسيط في أنظمة المدرسة أو الدولة.
يوتا، من جهة أخرى، يمثل ذلك الجزء من المجتمع الذي يفضّل البقاء في منطقة الراحة (Comfort Zone) في الموسيقى والصداقة والمزاح، طالما أن الحياة اليومية ما زالت تعمل.
هذا التباين بين «الاستيقاظ السياسي» و«التشبث بالمتعة» يربط مباشرة بين سؤال الهوية الفردية وسؤال البنية السياسية التي تُختصر بمن أكون، ليس فقط في معنى المهنة أو الصداقة، بل في معنى موقفيّ من العنصرية والمراقبة والدولة حين تتحول إلى جهاز يراقب الجسد والوجه والحركة عبر الذكاء الاصطناعي.

نظام المراقبة الذي يُنصَبُ في المدرسة بعد المقلب ليس مجرد أداة درامية لتحريك الأحداث؛ إنه استعارة مكثفة لليابان التي تتجه أكثر فأكثر إلى حلول تقنية لمشكلات سياسية وأخلاقية. الكاميرات والذكاء الاصطناعي في الفيلم يراقبان الطلاب، لكنهما في الواقع يراقبان «الاختلاف» و«الانحراف» عن النموذج المطلوب للمواطن.
هذا يتقاطع مع واقع اليابان اليوم كبلد يعيش تحت ظل حكومات تميل إلى اليمين، مع تصاعد نزعات قومية، وفي الوقت نفسه يشهد زيادة في أعداد المهاجرين والأبناء ذوي الخلفيات المختلطة، الذين يكبرون في مدارس يابانية لكنهم يحملون وجوهاً وأسماء لا تنسجم تماماً مع الصورة النمطية للياباني الواحد المتجانس.
الفيلم يضخّم هذه التوترات قليلاً، لكنه لا يختلقها؛ هو يضعها في مستقبل قريب جداً، بحيث يشعر المشاهد أن المسافة بين الشاشة والواقع ليست أكثر من بضع سنوات أو قرار سياسي واحد.

من الناحية الجمالية، يشتغل الفيلم على تقاطع واضح بين سينما «المنحرفين الشبّان» الكلاسيكية وبين سينما آسيوية حديثة عن المراهقة تحت ضغط التاريخ، مثل أعمال التايواني إدوارد يانغ (١٩٤٩ - ٢٠٠٧)، أحد كبار السينمائيين في آسيا، التي يعترف سورا بتأثره بها. لكنّ ما يميّزه هو إدخال عنصر الزلزال بوصفه ذاكرة سياسية وليس مجرد كارثة طبيعية. سورا نفسه يربط بين ثلاثة زلازل؛ فوكوشيما ٢٠١١ التي كشفت تواطؤ الدولة مع الرأسمال النووي، زلزال كانتو ١٩٢٣ الذي تحوّل إلى ذريعة لمذبحة عنصرية ضد الكوريين، والزلزال المتخيَّل القادم الذي تستخدمه الحكومة في الفيلم لتبرير تشديد الأمن وطرد «غير اليابانيين». بهذا المعنى، ليس الفيلم عن «كارثة قادمة» بقدر ما هو عن كيفية استخدام الكارثة كأداة لإعادة تشكيل المجتمع وفقاً لهوية ضيقة، وعن كيف يشعر الشباب الذين يكبرون داخل هذا المشروع، بين الرغبة في اللعب والرغبة في المقاومة.

وإذا ربطنا جديّة الفيلم باليابان الآن، سنجد أنه يلتقط ثلاث حركات أساسية: استمرار القلق من الكوارث الطبيعية في بلد يعيش على حافة الزلازل؛ تصاعد خطاب الهوية القومية في ظل شيخوخة المجتمع وانخفاض عدد السكان والحاجة إلى العمالة الأجنبية؛ ودخول جيل جديد من الشباب إلى الفضاء العام، جيل يحمل ثقل فوكوشيما وثقل الإنترنت وثقل رؤية العنصرية في بث مباشر.
الفيلم يضع هؤلاء الشباب في قلب المعادلة، فهم ليسوا ضحايا سلبيين، بل فاعلون يتخذون القرارات وينظمون الاعتصامات ويختبرون حدود العصيان، وفي الوقت نفسه يحاولون أن يظلوا أصدقاء وعشاق موسيقى ومراهقين عاديين.
هذه المزاوجة بين السياسة واليومي تجعل جديّة الفيلم غير خطابية؛ فلا شعارات كبيرة، بل صداقات تتفكك ونظرات تتغير وأضواء نوادٍ ليلية تهتز فوق رؤوسهم كرمز لصداقة لم تعد ثابتة.

وفي هذا السياق، يصبح تاريخ زلزال كانتو ١٩٢٣ جزءاً من خلفية الفيلم لا مجرد معلومة تاريخية. فقد شهدت اليابان بعد ذلك الزلزال واحدة من أكبر عمليات العنف الجماعي في تاريخها الحديث، حين تحولت الشائعات إلى عمليات قتل واسعة شاركت فيها الشرطة والجيش ومجموعات مدنية، وأسفرت عن مقتل آلاف الكوريين وصينيين ويابانيين اشتُبه في أنهم «غير يابانيين».
الوثائق الحديثة أكدت أن الأرقام الرسمية كانت أقل من الواقع، وأن المجزرة تمّت بعلم السلطات. هذا الماضي ينعكس مباشرة في حساسية «كو» وفي الطريقة التي يقرأ بها أي تشديد أمني بوصفه امتداداً لاحتمال تكرار التاريخ.

وفي الوقت نفسه، تواجه اليابان اليوم توقعات علمية بحدوث «زلزال القرن» خلال العقود القريبة. تشير بيانات الرصد إلى مناطق عالية الخطورة، في شمال هُوكّايدو حيث تتراكم طاقة زلزالية قد تنتج هزّات هائلة، مع احتمال تسونامي كبير، ومنطقة نانكاي جنوب البلاد التي تتوقع الحكومة حدوث زلزال ضخم فيها بنسبة مرتفعة، ومنطقة طوكيو الداخلية التي لم تشهد زلزالاً كبيراً منذ عقود.
الخبراء يجمعون على أن هذه المناطق هي الأكثر عرضة لزلزال كبير قد يبلغ في بعض المناطق ٨.٨ درجات على مقياس ريختر، وهو ما يجعل الخوف من الكارثة جزءاً من المزاج العام. وأنا شخصياً سمعت وقرأت منذ عام ٢٠١١ (مباشرة بعد زلزال وتسونامي فوكوشيما) عن زلزال مُدمّر سيصيب جزيرة شيكوكو في جنوب غرب البلاد، وهي المنطقة التي أقيم فيها، ما يجعل هذا القلق جزءاً من التجربة اليومية لمن يعيش في اليابان.

أما نيو سورا نفسه، فخلفيته الشخصية والثقافية تفسّر الكثير من خياراته. فهو ابن الموسيقي الياباني الشهير ريويتشي ساكاموتو، ووالدته يابانية أيضاً، أي أن أصوله يابانية بالكامل، لكنه وُلد في نيويورك ونشأ بين الولايات المتحدة واليابان، ما جعله يحمل هوية هجينة من حيث التجربة لا من حيث الأصل. هذا ما يفسّر حساسيته تجاه قضايا الهويات المختلطة والعنصرية والاندماج، وهي عناصر واضحة في فيلمه، كما يفسّر ميله إلى أسلوب بصري أقرب إلى السينما الأميركية المستقلة عن هوليوود، مع اهتمام سياسي واجتماعي يشبه تيارات السينما اليابانية الجديدة.
وكما هو واضح، فهو لا يحمل اسم عائلة والده، بل اسم عائلة والدته، لسبب بسيط وهو انه لا يريد أن يُعرّف بصفته «ابن ساكوموتو»، مما يمنحه استقلالية فنيّة تُناسب عمله فقط.

بهذا كله، يقف الفيلم عند نقطة التقاء بين صوت جديد في السينما اليابانية وامتداد لموجة تكسر القوالب القديمة. فهو يشارك هذه الموجة في تفكيك صورة اليابان المتجانسة، لكنه يضيف إليها نبرة خاصة في استخدام الزلزال كخيط تاريخي، وفي التركيز على المراقبة بالذكاء الاصطناعي داخل المدرسة، وفي الربط بين متعة الدي جي (منسّق الأغاني) والاحتجاج السياسي.
سورا لا يقدّم «فيلم أطروحة»، بل يترك الكثير في منطقة الالتباس؛ لا حلول واضحة، لا انتصار نظيف، بل نهاية «سعيدة» بالاسم فقط، لأن السعادة هنا مشروطة بانكسار بعض الصداقات وسقوط بعض الأوهام عن اليابان الآمنة المتجانسة.

وفي ما ينتظر اليابان، يلمّح الفيلم إلى أن السؤال لن يكون فقط «هل سيقع الزلزال؟» بل «ماذا سنفعل حين يقع، أو حين يُستخدم وقوعه لتبرير مزيد من الإقصاء والمراقبة؟».
يقترح الفيلم أن الجواب لن يأتي من الدولة، بل من جيل يختبر الآن لغته السياسية، ويعيد تعريف الفرح نفسه؛ هل هو هروب أم مقاومة؟ في هذا المعنى، يصبح الفيلم تمريناً على النظر إلى المستقبل كمرآة للحاضر.
إذا استطعنا أن نرى في هذا المستقبل القريب ما نخشاه اليوم، ربما نستطيع أن نغيّر شيئاً قبل أن يتحول الخوف إلى سياسة رسمية، والعنصرية إلى قانون، والمراقبة إلى طبيعة ثانية للحياة اليومية.
هنا، يصبح الفيلم صوتاً جديداً بالفعل، لأنه لا يكتفي بوصف اليابان كما هي، بل يجرّب أن يتخيّل اليابان كما يمكن أن تصبح إذا تُركت هذه المسارات من دون مقاومة، واضعاً المراهقين في الصف الأول من هذه المقاومة، لا في الصف الأخير.



#منير_المجيد (هاشتاغ)       Monir_Almajid#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- «القلق الياباني الجميل»، من القصيدة إلى السينما
- الولايات المتحدة بين التاريخ والتحوّلات المعاصرة.
- قراءة في الشعبوية الدينية من أمريكا إلى الشام
- حين غنّت تونس بيرة وشمپانيا
- المونديال: كرة الفقراء التي صارت بورصة الأغنياء
- اليابانية يوزوكي تستخدم الطعام كأداة تفكيك لا كزينة سردية
- قراءة مُتأخرة «للرواية الأخيرة» لماركيز
- عبد الناصر في القامشلي
- خليل صويلح يشعل وهج الرواية السورية
- رائحة فلسطين
- مشروع محمد عُضيمة الياباني
- إيران والتهديد الأمريكي
- «الصندوق» -رواية قصيرة
- الصابئة والمندائيون
- إلى أهلي الكرد
- حياتي البيولوجية الثالثة
- المثليّة في عالم الحيوان
- بولص
- مزكين
- هندي؟


المزيد.....




- مريدون في ريو يحتفلون بيوم زي بلينترا بالموسيقى والرقص والدع ...
- موسكو ترمم منزل ومرسم الفنان فالنتين سيروف التاريخي في شارع ...
- Strategic Culture: كييف تجاوزت -نقطة اللاعودة- في استنزاف م ...
- فضل شاكر يعلق على قرار إخلاء سبيله: كتبت لي سطور جديدة في ال ...
- افتتاح مهرجان بطرسبورغ للجاز بعرض موسيقي في الحديقة الصيفية ...
- موسكو.. متحف -بوشكين- يستضيف معرضا عن الفن البوذي الروسي
- مهرجان -اقرأ - استرخ- للكتاب في روسيا يسجّل أرقاما قياسية تا ...
- بعد تغيير اسمه ثلاث مرات.. الانتهاء من تصوير مسلسل -العاصي- ...
- اربيل تستذكر الفنان قرني جميل في معرض تشكيلي بمشاركة 25 فنان ...
- صدر حديثا ؛ صندوق جدتي السري. إشراف سهيل عيساوي.


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - منير المجيد - «جيلٌ يعيش فوق خطّ الصدع»، عن الفيلم الياباني «النهاية السعيدة»