منير المجيد
(Monir Almajid)
الحوار المتمدن-العدد: 8755 - 2026 / 7 / 3 - 12:01
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
تقوم الدولة الدينية في العصر الحديث على افتراض جوهري يجعلها في مواجهة بنيوية مع مفهوم الدولة الحديثة، وهو أن الشرعية السياسية تُستمد من مصدر فوق بشري، وأن القانون امتداد لنص مقدّس لا لإرادة المواطنين.
هذا الأساس يجعل الدولة الدينية عاجزة عن التكيف مع التحولات الاجتماعية والعلمية والاقتصادية، لأن النصوص المقدسة بطبيعتها ثابتة، بينما الدولة الحديثة تقوم على قابلية القانون للتعديل المستمر. في هذا السياق، يتحول الخلاف السياسي إلى خلاف ديني، وتتحول المعارضة إلى عصيان، ويُعاد تعريف المجال العام بوصفه مساحة طاعة لا مساحة نقاش، مما يؤدي إلى احتكار الحقيقة وإقصاء التعدد داخل المجتمع.
هذا التوتر بين الثبات الديني والتحول الاجتماعي ليس جديداً، بل هو جزء من تاريخ طويل شهدته أوروبا قبل أن تصل إلى نموذج الدولة المدنية. ففي القرون الوسطى، كانت الكنيسة الكاثوليكية قوة سياسية واقتصادية هائلة، تملك الأراضي وتفرض الضرائب وتتحكم في التعليم، وتملك سلطة روحية على الملوك أنفسهم.
لكن الإصلاح البروتستانتي في القرن السادس عشر كسر احتكار الكنيسة للحقيقة، وفتح الباب أمام تعددية دينية أنهت فكرة السلطة الدينية الواحدة. ثم جاءت حروب الدين، خصوصاً حرب الثلاثين عاماً التي انتهت بصلح ڤيستفاليا عام ١٦٤٨، حيث بدأت سيادة الدولة القومية تتغلب على فكرة الإمبراطورية المسيحية الجامعة.
ومع عصر التنوير، ظهر مفكرون مثل فولتير وديدرو وكانط، الذين نقدوا سلطة الكنيسة ودعوا إلى العقل وحرية الفكر، وصولاً إلى الثورة الفرنسية التي صادرت أملاك الكنيسة وأعلنت حقوق الإنسان والمواطن، ورسخت لاحقاً مبدأ اللائكية الذي سمح للعلم والاقتصاد والفلسفة بأن يتطوروا في إطار قانون مدني. وقد رأى ماكس فيبر أن هذا التحول كان جزءاً من عملية «نزع السحر عن العالم»، أي الانتقال من تفسير الظواهر تفسيراً دينياً إلى تفسيرها تفسيراً علمياً، وهو شرط أساسي لتطور الاقتصاد الحديث والبيروقراطية.
هذا التاريخ الأوروبي يجد ما يشبهه في تجارب أخرى، حيث لعب الدين دوراً في تشكيل السلطة أو تبريرها. ففي أمريكا اللاتينية، رافقت البعثات التبشيرية التوسع الاستعماري الإسباني والبرتغالي، وكانت جزءاً من مشروع دمج السكان الأصليين في النظام الاستعماري عبر التنصير، مما أدى إلى تدمير واسع للثقافات الأصلية.
وفي أفريقيا، كان التبشير يُقدَّم بوصفه رسالة حضارية، لكنه عملياً مهّد الطريق لسيطرة سياسية واقتصادية، وأعاد تشكيل البنى الاجتماعية لصالح النخب المرتبطة بالمستعمر، وهو ما حلّله فرانز فانون بوصفه عملية لإعادة تشكيل الذات المستعمَرة وجعلها تقبل نموذج المستعمِر.
في البلاد العربية، ظهرت نماذج تجمع بين الدين والسلطة، مثل السعودية التي مزجت بين الملكية المطلقة والشرعية الدينية الوهابية، حيث لعب رجال الدين دوراً كبيراً في ضبط الفضاء الاجتماعي قبل أن تبدأ الدولة في السنوات الأخيرة بإعادة تشكيل هذا الدور عبر إصلاحات واسعة.
وفي السودان وموريتانيا، أدى تطبيق الشريعة في سياق دول ضعيفة اقتصادياً إلى توترات سياسية وانتهاكات لحقوق الإنسان، وإلى استخدام الدين لتبرير السلطة بدل إصلاحها.
أما الإسلام السياسي، فقد حاول إسقاط نموذج ديني قديم على دولة قومية حديثة ذات حدود وجيوش وبيروقراطيات.
منذ حسن البنا وسيد قطب، ظهرت فكرة أن الإسلام دين ودولة، وأن الحل لأزمات العالم الإسلامي هو إقامة دولة إسلامية تطبق الشريعة. لكن هذا المشروع ظهر في عالم مختلف جذرياً عن عالم الخلافة التاريخية، مما جعله يصطدم بمتطلبات الدولة الحديثة.
وقد لاحظ مفكرون مثل عبد الكريم سروش ومحسن كديور أن تحويل الدين إلى أيديولوجيا دولة يفسده ويحوّله إلى أداة قمع، لأن الدولة تحتاج إلى المرونة بينما الدين يسعى إلى الثبات، وهو ما ظهر بوضوح في تجربة إيران بعد الثورة الإسلامية عام ١٩٧٩، حيث جعل مبدأ ولاية الفقيه المرشد الأعلى فوق كل مؤسسات الدولة، ومنح مجلس صيانة الدستور سلطة فلترة المرشحين وفقاً لمعايير دينية، مما جعل الانتخابات شكلاً من المشاركة المحدودة لا الديمقراطية الكاملة. وقد أدى هذا النموذج إلى توترات سياسية مستمرة وصراع بين جيل شاب حضري متصل بالعالم وبين سلطة دينية محافظة، كما ظهر في احتجاجات ٢٠٠٩ و٢٠١٩ إلى مهسا أميني عام ٢٠٢٢.
في أفغانستان، يقدم نموذج طالبان صورة أكثر حدة للدولة الدينية الحركية، حيث تُفرض الشريعة وفق تفسير متشدد، وتُغلق مدارس البنات، ويُقيّد عمل النساء، ويُفرض نمط اجتماعي صارم، مما ينعكس مباشرة على مؤشرات التنمية البشرية.
الاقتصاد هش، يعتمد على المساعدات والزراعة التقليدية، ويعاني من عزلة دولية، بينما الثقافة تُختزل في ما هو مقبول دينياً، وقد كان تدمير تماثيل بوذا في باميان مثالاً صارخاً على رفض التراث الإنساني غير الإسلامي.
أما اليهودية السياسية، فقد تحولت من حركة قومية علمانية قادها ثيودور هرتزل إلى مشروع يمزج بين القومية والدين، خصوصاً بعد حرب ١٩٦٧، حيث صعدت التيارات الدينية القومية التي ترى أن الأرض وعد إلهي.
إسرائيل ليست دولة دينية خالصة، لكنها تستخدم الدين في تعريف المواطنة وفي قوانين الأحوال الشخصية وفي الخطاب السياسي لبعض الأحزاب، وقد انتقد مفكرون مثل إيلان بابه وشلومو ساند هذا الطابع القومي الديني ورأوا أنه يخلق نظاماً غير ديمقراطي يمسّ الجميع، والفلسطينيين بالدرجة الأولى.
في هذا السياق العالمي، تظهر التجربة السورية بوصفها حالة خاصة، لأن سوريا تاريخياً فضاء للتعدد، من دمشق التي احتضنت المسيحيين واليهود والمسلمين، إلى حلب التي جمعت الأرمن واليونان والتركمان والعرب والعلويين والإسماعيليين والدروز، إلى الجزيرة السورية التي جمعت العرب والكرد والسريان والآشوريين.
هذا التعدد لم يكن دائماً متناغماً، لكنه كان دائماً قائماً، وكان يشكل توازناً تاريخياً يجعل سوريا دولة لا يمكن اختزالها في هوية واحدة دون أن يتصدع بنيانها. وعندما اندلعت الحرب السورية، لم يكن الصراع في بدايته صراعاً دينياً، بل صراعاً سياسياً واجتماعياً على السلطة والعدالة والحقوق. لكن مع تفكك الدولة المركزية، وظهور جماعات إسلامية مسلحة ملأت الفراغ، ظهرت مشاريع سياسية تسعى إلى إعادة تشكيل الدولة وفقاً لرؤية دينية محددة، مما أدى إلى تهديد مباشر للتعدد السوري، لأن أي مشروع أسلمة للدولة يعني إعادة تعريف المواطنة وفقاً لهوية دينية واحدة وإقصاء كل من لا ينتمي إليها.
هذا التهديد لم يكن نظرياً، بل تجسد في ممارسات على الأرض، من فرض أنماط لباس وسلوك، إلى التضييق على الكنائس، إلى تهجير الأقليات، إلى تحويل بعض المناطق إلى فضاءات تُعرّف فيها المواطنة وفقاً للانتماء الديني، وهذا مؤشّر صريح نحو، ليس الطائفية فحسب، بل الفاشية الدينية.
وقد حذّر مفكرون عرب مثل محمد أركون ونصر حامد أبو زيد من خطورة إسقاط نموذج ديني واحد على مجتمعات متعددة، لأن ذلك يؤدي إلى تفكك الدولة وصراعات أهلية طويلة.
هذا الخطر يتكرر في دول متعددة الهويات، مثل لبنان والعراق والبوسنة والهند، حيث أدى السعي إلى فرض هوية دينية أو قومية واحدة إلى حروب أهلية أو توترات عميقة. وفي كل هذه التجارب، كان الحل الوحيد هو بناء دولة مدنية تحمي الجميع وتعيد تعريف المواطنة بوصفها انتماءً إلى الأرض والناس لا إلى هوية دينية واحدة.
في هذا الإطار، يمكن فهم صعود زعماء مثل ترامب ونتنياهو والجولاني بوصفه جزءاً من ظاهرة عالمية يستخدم فيها الزعماء الدين أو الهوية القومية بوصفها أداة سياسية.
ترامب قدّم نفسه للإنجيليين بوصفه حامياً للقيم المسيحية رغم أنه لم يكن متديناً، ونتنياهو تحالف مع التيارات الدينية القومية ليقدم نفسه بوصفه حامي الهوية اليهودية، والجولاني قدّم نفسه بوصفه حامياً للسنّة في سوريا رغم خلفيته الإرهابية.
هذه النماذج، رغم اختلاف سياقاتها، تشترك في استخدام الهوية الدينية بوصفها أداة تعبئة سياسية، وهو ما حلّله باحثون مثل روبرت جونز ومايكل غيرسون وشلومو ساند وإيلان بابه وفرانسوا بورغا وتشارلز ليستر وكاثرين ستيوارت وفرانسيس فوكوياما وزيغمونت باومان، الذين رأوا أن الشعبوية الدينية والقومية هي رد فعل على فقدان الثقة في المؤسسات وعلى الخوف من التغيرات الاجتماعية.
إن مستقبل سوريا يعتمد على قدرتها على بناء دولة مدنية تحمي الجميع، وتمنع أي مشروع أسلمة أو تطييف للسلطة، وتعيد تعريف المواطنة بوصفها انتماءً إلى الأرض والناس لا إلى هوية دينية واحدة. فالتجارب العالمية كلها تشير إلى أن الدولة الدينية في مجتمعات متعددة تنتج قمعاً أو حرباً أو عزلة، ولا تنتج تقدماً أو استقراراً، وأن فصل الدين عن الدولة ليس حرباً على الدين، بل شرطاً لحماية التعدد وضمان تطور العلم والاقتصاد والثقافة.
في نهاية هذا المسار، يمكن القول إن ما يجمع هذه النماذج من الزعماء، رغم اختلاف سياقاتهم الدينية والقومية والسياسية، هو اعتمادهم على آلية القوة بوصفها أداة لتحقيق مكاسب سياسية وشخصية، في بيئات تتراجع فيها ثقة الجمهور بالمؤسسات وتضعف فيها آليات الرقابة والمساءلة. هذا الاستخدام للقوة لا يظهر دائماً في صورة قمع مباشر (باستثناء الحالة السورية حيث تمارس السلطة وعلى نحو متوحش أسلمة البلد وسبي وسفك دماء الأقليات)، بل يتجلى في بناء شبكات نفوذ، وفي توظيف الهوية الدينية أو القومية لتبرير توسع السلطة، وفي خلق فضاءات رمادية تختلط فيها السياسة بالاقتصاد، وتُفتح فيها أبواب واسعة لاحتمالات الفساد أو إساءة استخدام الموقع العام، حتى لو لم تُعالج هذه الاتهامات في محاكم وطنية أو دولية بصورة نهائية.
إن القيمة التحليلية لهذه الملاحظة لا تقوم على إثبات التهمة، بل على فهم البنية التي تسمح بظهور مثل هذه الممارسات، وهي بنية تتكرر في كل نموذج تُستخدم فيه الهوية والخوف والقوة لتثبيت السلطة، سواء في الديمقراطيات المتوترة (أمريكا الترامبية) أو في الدول الدينية أو في المناطق الخارجة من الحرب. بهذا المعنى، يصبح الفساد، أو احتمال الفساد، جزءاً من آلية اشتغال هذه النماذج، لا بوصفه حكماً قضائياً، بل بوصفه نتيجة طبيعية لسلطة تُبنى على التعبئة لا على المؤسسات، وعلى الولاء لا على القانون، وعلى القوة لا على الشرعية المدنية. وهكذا تُغلق الدائرة التي تربط بين الدولة الدينية، والشعبوية القومية، وصعود الزعماء المتطرفين، وتضع سوريا أمام خيار تاريخي لا يتعلق فقط بشكل الدولة المُهدّدة بالتفكك، بل بطبيعة السلطة نفسها، ومن يملكها، ولأي غاية تُستخدم.
#منير_المجيد (هاشتاغ)
Monir_Almajid#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟