أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - منير المجيد - من تيزُكا إلى ميازاكي: صارت طفولة اليابان فلسفة وطن















المزيد.....

من تيزُكا إلى ميازاكي: صارت طفولة اليابان فلسفة وطن


منير المجيد
(Monir Almajid)


الحوار المتمدن-العدد: 8765 - 2026 / 7 / 13 - 14:01
المحور: الادب والفن
    


كان ميجي ١٨٥٢ - ١٩١٢ (اسمه الشخصي موتسوهيتو) الإمبراطور الذي قاد اليابان في واحدة من أعظم تحوّلاتها التاريخية، إذ انتقلت البلاد في عهده من دولة إقطاعية مغلقة إلى قوة صناعية حديثة. فقد جاء إلى الحكم بعد سقوط الشوغونية، وفي لحظة كانت اليابان فيها تواجه ضغط الانفتاح على الغرب، فتبنّى مشروع التحديث الواسع الذي شمل إلغاء النظام الإقطاعي وأنشأ جيشاَ حديثاً، وأسّس نظاماً تعليماً جديداً، وأصدر دستور ميجي عام ١٨٨٩، إضافة إلى بناء حكومة مركزية قوية.
لكن هذه الأسطر ستُركّز على إصلاحات ميجي من خلال ظاهرة الأنيمي وعلاقته بثقافة «الكيوت»، أو ما يُسمّى باليابانية «كاوا-إي).
فمنذ بدايات القرن العشرين بدأت اليابان تدخل عالم الصورة المتحركة (الأنيمي) بوصفه فناً جديداً يعبّر عن تحولات مجتمع خرج من عزلة طويلة.
كانت المحاولات الأولى بسيطة ومحدودة، لكنها حملت بذوراً ستنمو لاحقاً لتصبح واحدة من أهم الصناعات الثقافية في العالم.
ومع ظهور المانغا في الثلاثينيات والأربعينيات، بدأت اليابان تبني لنفسها لغة سردية خاصة تعتمد على الخيال، والتبسيط البصري، والقدرة على تحويل اليومي إلى عالم رمزي واسع.
بعد الحرب العالمية الثانية، ومع الدمار الهائل الذي أصاب البلاد، ظهرت الحاجة إلى وسائط جديدة تعيد تشكيل الوعي الجمعي، وهنا جاء «أوسامو تيزُكا» (١٩٢٨ - ١٩٨٩) الذي أعاد تعريف القصص المصّورة (المانغا). ونقلها إلى الشاشة عبر تأسيس استديو Mushi وإطلاق مسلسل Astro Boy عام ١٩٦٣، وهو العمل الذي وضع الأسس الجمالية للأنيمي الحديث، من العيون الكبيرة إلى الاقتصاد في الحركة إلى التركيز على التعبير العاطفي، وهي عناصر ستصبح لاحقاً جزءاً من المزاج الجمالي الياباني ومن ثقافة الكاوا-إي التي ستتبلور في السبعينيات.

ثقافة الكاوا-إي (Kawaii)، هي إلى جانب كونها موضة لطيفة، تُعتبر تحوّلاً اجتماعياً عميقاً في اليابان التي خرجت من الحرب تبحث عن لغة جديدة تتجاوز العنف والذكورية العسكرية، وأصبحت مساحة للهرب من ضغط العمل ومن صرامة النظام الاجتماعي.
هي مساحة تسمح للبالغين بتبنّي ملامح طفولية دون أن يُدانوا، وتحولت إلى نظام جمالي كامل يمتد من المدارس إلى الموضة إلى الإعلانات إلى المانغا والأنيمي. ومع انتشار شخصيات مثل Hello Kitty ومسلسلات مثل Sailor Moon، بدأت الكاوا-إي تتجاوز حدود اليابان لتصبح جزءاً من الذائقة العالمية، خصوصاً في أوروبا وأمريكا حيث استُقبلت بوصفها جمالاً جذاباً يحمل براءةً ونعومةً غير مألوفة في الثقافة الغربية.
لمن يرغب في لمس علائم الكاوا-إي بمعناها الثقافي الكامل، وذلك المزيج من اللطافة المفرطة، الألوان السكرية، الأزياء الغريبة والمحلات الصغيرة التي تبدو كأنها خرجت من حلم طفولي، فليس هناك أي منطقة تتفوّق على هاراجوكو في طوكيو، وبالتحديد شارع تاكيشيتا في حي جينغوماي بشيبويا.
هذا هو المركز العصبي لهذه الظاهرة منذ الثمانينيات، المكان الذي تتكثّف فيه الموضة الشبابية والديكورات الوردية ومحلات الإكسسوارات الصغيرة والمقاهي ذات الحلويات المبالغ في تزيينها والمتاجر التي تُصمَّم عمداً لتبدو «لطيفة» أكثر مما تبدو عملية.
والطريف أن الظاهرة، بامتدادها خارج اليابان، تراها واضحة في المهرجانات الفصلية التي تُقام إحتفاءاً بمواسم الساكورا (تفتّح زهور الكرز) في مدن الغرب الرئيسية.

لكن التحول الأكبر في الأنيمي لم يكن في الكاوا-إي وحده، بل في تأسيس ستوديو جيبلي عام ١٩٨٥ بقيادة هاياو ميازاكي (١٩٤١) وإيساو تاكاهاتا (١٩٣٥ - ٢٠١٨)، بعد النجاح الكبير لفيلم «ناوسيكا، أميرة وادي الرياح» عام ١٩٨٤.
جيبلي تطوّر إلى مشروع ثقافي يهدف إلى تحرير الأنيمي من قيود السوق ومن القوالب التلفزيونية، وتحويله إلى فن سينمائي كامل قادر على بناء عوالم متخيلة ذات عمق فلسفي وجمالي. وكلاهما، ميازاكي وتاكاهاتا عاشا طفولتهما خلال الحرب، فحملا حساسية خاصة تجاه العالم تجمع بين الخوف من الدمار والحنين إلى الطبيعة والقلق من الحداثة الصناعية.
هذه الحساسية ظهرت في كل أعمال جيبلي تقريباً، من قلعة في السماء إلى جاري توتورو إلى الأميرة مونونوكي إلى الروح الحائرة، حيث تتداخل الطبيعة مع الخيال، والطفولة مع الحكمة، والقلق مع الحلم، في عالم بصري غني ومتشابك.
كنتُ حتى عام ٢٠١٢ قد شاهدت كل أفلام ميازاكي وذهلت في كل مرة، خاصة حين كنت أفكر أن كل هذا رُسم يدوياً واستغرق فريق العمل سنتين أو أكثر لإتمامه. لذا خططت لزيارة الاستديو في منطقة كوجاناي غرب طوكيو، ولم تسمح لي البطاقة الصحفية التي أحملها فرصة لدخول الاستديو المغلق تماماً في وجه الناس، لينتهي بي المطاف إلى زيارة متحفهم في حديقة إينوكاشيرا، على مقربة من الاستديو.
عام ٢٠١٣ اتخذ ميازاكي قراراً بالاعتزال إثر إنتاج فيلم الريح تعلو قائلاً إنه لم يعد قادراً على العمل بنفس القوة وسوف يترك المجال للجيل الجديد في الاستديو. والمعروف أنه عدل عن قراره بعد سنتين لأنه لم يحتمل فكرة التوقف عن العمل وبدأ على الفور العمل على مشروع جديد.

جيبلي قدّم نموذجاً جديداً للأنيمي يعتمد على الرسم اليدوي الدقيق، وعلى العوالم المتخيلة ذات المنطق الداخلي القوي، وعلى الشخصيات التي تنمو عبر التفاصيل الصغيرة لا عبر الخطابة. في توتورو، مثلاً، تتحول الطفولة إلى مساحة تجمع بين البراءة والقلق، وفي الأميرة مونونوكي يتحول الصراع بين الإنسان والطبيعة إلى سؤال أخلاقي مفتوح لا ينحاز إلى طرف واحد، وفي الروح الحائرة تتحول رحلة طفلة صغيرة إلى تأملٍ وجودي في الذاكرة والهوية والطفولة. هذه الأعمال بمجملها كانت رؤى فلسفية تُقدّم عبر لغة بصرية شاعرية، وهو ما جعل جيبلي بوابة اليابان إلى العالم.

تأثير جيبلي على السينما الأمريكية كان واسعاً وعميقاً. فقد بدأت استديوهات مثل Pixar وDisney تعترف بتأثير ميازاكي المباشر على أعمالها، وصرّح مخرجون ومنتجون بأن أفلام جيبلي أثرت في طريقة بناء العوالم والشخصيات وفي التعامل مع الطبيعة والطفولة والخيال الداخلي.
يمكن رؤية هذا التأثير في أعمال مثل Up وWall-E وInside Out، التي تحمل حساسية عاطفية قريبة من حساسية ميازاكي، واهتماماً بالتفاصيل الصغيرة وبالعوالم الداخلية للشخصيات.
كما أثّر جيبلي في الطريقة التي تتعامل بها ديزني مع الأنيمي، إذ بدأت الشركة منذ التسعينيات بإعادة النظر في أسلوبها البصري، متأثرة بالبساطة اليابانية وبالقدرة على خلق عوالم شاعرية من خلال التفاصيل.
إنجازات ميازاكي سنلاحظها عبر سيل من الجوائز العالمية، منها الأوسكار (مرتان بالإضافة إلى جائزة فخرية)، الدب الذهبي من برلين، البافتا، جوائز آني، وجوائز الأكاديمية اليابانية، وهي مجتمعةً تشكّل مساراً نقدياً لا يحظى به أي مخرج رسوم متحركة آخر في العالم.

ومع انتشار الأنيمي عالمياً عبر مسلسلات مثل Dragon Ball وOne Piece وNaruto، بدأت اليابان تُقرأ بوصفها قوة ثقافية عالمية، وصار الأنيمي لغة يتواصل بها ملايين الشباب حول العالم لتجمع بين الطفولة والحكمة والحلم والقلق، بين البساطة والعمق. ومع الزمن صار تأثير جيبلي يتجاوز السينما إلى الثقافة الشعبية، وصارت الكاوا-إي جزءاً من الذائقة العالمية، وصارت اليابان تُقرأ من خلال شخصيات مرسومة تحمل من الحقيقة أكثر مما تحمل كثير من الصور الواقعية.
السؤال الذي تكرّر لديّ في السنوات الأخيرة، وبعد علاقة قويّة ربطتني ببلاد الشمس، كان حول إمكان وجود خيط يجمع بين ثقافة الكاوا-إي والطابع الخاص الذي يُميّز إنتاج الأشرطة اليابانية الإباحية.
هذا ما سوف أُحاول البحث فيه في موضوع قادم.



#منير_المجيد (هاشتاغ)       Monir_Almajid#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- «جيلٌ يعيش فوق خطّ الصدع»، عن الفيلم الياباني «النهاية السعي ...
- «القلق الياباني الجميل»، من القصيدة إلى السينما
- الولايات المتحدة بين التاريخ والتحوّلات المعاصرة.
- قراءة في الشعبوية الدينية من أمريكا إلى الشام
- حين غنّت تونس بيرة وشمپانيا
- المونديال: كرة الفقراء التي صارت بورصة الأغنياء
- اليابانية يوزوكي تستخدم الطعام كأداة تفكيك لا كزينة سردية
- قراءة مُتأخرة «للرواية الأخيرة» لماركيز
- عبد الناصر في القامشلي
- خليل صويلح يشعل وهج الرواية السورية
- رائحة فلسطين
- مشروع محمد عُضيمة الياباني
- إيران والتهديد الأمريكي
- «الصندوق» -رواية قصيرة
- الصابئة والمندائيون
- إلى أهلي الكرد
- حياتي البيولوجية الثالثة
- المثليّة في عالم الحيوان
- بولص
- مزكين


المزيد.....




- مصر.. اكتشاف مقبرة من العصر الرعامسي في الضفة الغربية للأقصر ...
- خبر ثقافى كتاب جديد للدكتور ياسر الجمال
- استطلاع روسي يكشف موقف الجمهور من استخدام الذكاء الاصطناعي ف ...
- بعد التشكيك في أصوله.. متحف روسي يدافع عن الكوكوشنيك كرمز لل ...
- إرث التراث والحداثة.. ما تركه الأمير الوالد للثقافة العربية ...
- وزير السياحة يعلن دخول مصر قائمة الكبار عالميا
- بعد عقود من الإغلاق.. البيت السويسري في قصر كوسكوفو يفتح أبو ...
- EUObserver: قمة أنقرة تحولت إلى مسرحية هزلية تبادل فيها قادة ...
- تعددت الروايات -من المونديال للموت-.. أول تعليق لوالد اللاعب ...
- جدل واسع حول تصريحات الممثلة جوري بكر بشأن زواج ذوي الهمم


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - منير المجيد - من تيزُكا إلى ميازاكي: صارت طفولة اليابان فلسفة وطن