أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - أيمن زهري - اليوم العالمي للسكان ... في عالم ما بعد القنبلة السكانية














المزيد.....

اليوم العالمي للسكان ... في عالم ما بعد القنبلة السكانية


أيمن زهري
كاتب وأكاديمي مصري، خبير السكان ودراسات الهجرة


الحوار المتمدن-العدد: 8762 - 2026 / 7 / 10 - 13:43
المحور: العولمة وتطورات العالم المعاصر
    


عندما نشر بول إيرليش كتابه الشهير "القنبلة السكانية" The Population Bomb عام 1968، كان العالم يعيش هاجسًا سكانيًا مختلفًا تمامًا عما يعيشه اليوم، فقد ساد الاعتقاد آنذاك بأن النمو السكاني المتسارع سيؤدي حتمًا إلى نقص الغذاء واستنزاف الموارد الطبيعية واتساع رقعة الفقر وربما انهيار الحضارة الإنسانية نفسها. لم يكن الحديث يدور حول انخفاض الخصوبة أو شيخوخة/تعمُّر السكان أو نقص القوى العاملة، وإنما كان السؤال المسيطر هو: كيف يمكن للعالم أن يحد من الزيادة السكانية قبل أن تلتهم التنمية؟

بعد ما يقرب من ستة عقود، يبدو المشهد مختلفًا إلى حد يصعب معه تصديق أنه العالم نفسه، فما زالت بعض الدول، ولا سيما في أفريقيا، تشهد معدلات مرتفعة للنمو السكاني، لكن عددًا متزايدًا من الدول أصبح يواجه تحديًا من نوع آخر: انخفاضًا مستمرًا في الخصوبة وتراجعًا في أعداد المواليد وارتفاعًا في متوسط العمر(العمر الوسيط تحديداً) وتسارعًا في وتيرة الشيخوخة السكانية، حتى باتت الحكومات في بعض البلدان تبحث عن وسائل لتشجيع الإنجاب بعدما كانت تبذل جهودًا كبيرة للحد منه، وأصبحت تعتمد على الهجرة لتعويض النقص في القوى العاملة والحفاظ على دوران عجلة الاقتصاد.

لهذا يأتي اليوم العالمي للسكان هذا العام ليذكرنا بأن القضية السكانية لم تعد هي القضية التي عرفها العالم في النصف الثاني من القرن العشرين، فقد تغيرت الأسئلة وتبدلت الأولويات وأصبح من الضروري أن نعيد النظر في كثير من المسلمات التي ظلت لعقود تحكم التفكير السكاني. لم تعد المشكلة في عدد السكان وحده، بل في تركيبهم العمري وفي توزيعهم الجغرافي وفي قدرتهم على المشاركة في التنمية وفي التوازن بين الأجيال داخل المجتمع.

لعل أكثر التحولات عمقًا يتمثل في التراجع المستمر للخصوبة في معظم أنحاء العالم، فبحسب أحدث التقديرات الدولية، أصبحت غالبية سكان العالم يعيشون في دول انخفض فيها متوسط عدد الأطفال الذين تنجبهم المرأة إلى مستويات تقل عن مستوى الإحلال أو تقترب منه (بمعني مولودين لكن امرأة)، بينما لم تعد معدلات الإنجاب المرتفعة تقتصر إلا على عدد محدود من الدول، يتركز معظمها في أفريقيا جنوب الصحراء. أضف إلى ذلك أن انخفاض الخصوبة لم يعد ظاهرة تخص الدول الغنية وحدها، بل امتد إلى دول متوسطة ومنخفضة الدخل بما فيها العديد من دول المنطقة المتوسطية.

لا يرتبط هذا الانخفاض بتغيرات بيولوجية بقدر ما يرتبط بتحولات اجتماعية واقتصادية وثقافية عميقة، ففي المجتمع الزراعي التقليدي كان الطفل يمثل قيمة اقتصادية للأسرة: يعمل في الأرض ويساعد في الإنتاج ويضمن رعاية والديه عند الكبر، أما في المجتمع الحديث فقد انقلبت المعادلة، إذ أصبح الطفل يحتاج إلى سنوات طويلة من الاستثمار في التعليم والصحة والرعاية قبل أن يدخل سوق العمل، وتحول من مساهم مباشر في اقتصاد الأسرة إلى مشروع طويل الأجل يتطلب موارد متزايدة. لا يعني ذلك أن قيمة الطفل قد تراجعت إنسانيًا، وإنما تغيرت وظيفته الاقتصادية والاجتماعية، وهو تحول يفسر جانبًا مهمًا من انخفاض الرغبة في الإنجاب في كثير من المجتمعات.

في المقابل، أصبح المستقبل الديموغرافي للعالم يرتبط بأفريقيا أكثر من أي وقت مضى، فالقارة التي تضم اليوم أكبر تجمع للشباب في العالم ستكون خلال العقود القادمة المصدر الرئيسي للنمو السكاني العالمي، بينما تتجه أوروبا وشرق آسيا وأجزاء واسعة من الأمريكتين إلى مجتمعات يزداد فيها كبار السن وتتقلص فيها أعداد الشباب. لذلك، فإن مستقبل الاقتصاد العالمي والهجرة الدولية وأسواق العمل، وحتى التوازنات الجيوسياسية، سيتأثر بدرجة كبيرة بما سيحدث للشباب الأفريقي خلال العقود المقبلة.

من خلال هذا المنظور، لابد من الوضع في الحسبان أن وجود أعداد كبيرة من الشباب لا يمثل ميزة تلقائية، كما أن انخفاض الخصوبة لا يمثل أزمة حتمية، فالعبرة ليست بعدد السكان، وإنما بقدرة المجتمعات على الاستثمار فيهم. إن الشباب المتعلم والسليم صحيًا والقادر على العمل والإبداع يمثل ثروة حقيقية، أما إذا غابت فرص التعليم والعمل والرعاية الصحية، فإن ما كان يمكن أن يتحول إلى عائد ديموغرافي قد يتحول إلى بطالة أو هجرة قسرية أو هجرة غير نظامية أو شعور متزايد بالإقصاء والإحباط.

لهذا لم تعد القضية السكانية في القرن الحادي والعشرين قضية أرقام، بل قضية إنسان، ولم يعد السؤال: كم أصبح عدد السكان؟ بل أصبح: كيف يعيش هؤلاء السكان؟ وما نوعية التعليم الذي يحصلون عليه؟ وما مستوى الرعاية الصحية التي يتلقونها؟ وهل يجد الشباب فرصة للعمل والإنتاج؟ وهل يتمتع كبار السن بالحماية والرعاية التي تحفظ كرامتهم؟ وهل تستطيع المجتمعات التكيف مع التحولات الديموغرافية المتسارعة دون أن تترك أحدًا على هامش التنمية؟

في اليوم العالمي للسكان، ربما يكون أهم ما تعلمناه من العقود الستة الماضية أن التنبؤات الديموغرافية ليست قدرًا محتومًا، وأن المجتمعات تتغير بوتيرة أسرع مما نتوقع. لقد انتهى زمن النظر إلى السكان باعتبارهم مجرد أرقام في جداول التعداد، وأصبح الإنسان، بحق، هو القضية السكانية الأولى. أما عالم ما بعد القنبلة السكانية، فهو ليس عالمًا خاليًا من التحديات، وإنما عالم يواجه تحديات مختلفة تتطلب تفكيرًا جديدًا وسياسات أكثر مرونة وإيمانًا راسخًا بأن أفضل سياسة سكانية ليست تلك التي تغير عدد السكان، بل تلك التي تطور قدراتهم وتحسن جودة حياتهم وتمكنهم من الإسهام في بناء مستقبل أكثر ازدهارًا وإنصافًا.



#أيمن_زهري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الدوائر السبعة للهوية المصرية: محاولة لإعادة التفكير في سؤال ...
- لماذا لا يحب المصريون السيارات الكهربائية؟
- اليوم العالمي للاجئين: كيف نمنع إنتاج اللاجئين؟
- مأزق الندرة السكانية في الخليج: هل حان وقت توسيع الجماعة الو ...
- من أسواق الرقيق إلى فيلم أسد: صفحة منسية من التاريخ الاجتماع ...
- هل انتهى زمن الإعلام الجماهيري؟
- لماذا يزيد عدد سكان العالم رغم تراجع الخصوبة؟
- هل انتهى العقد الاجتماعي؟
- لماذا يتراجع البشر عن الإنجاب؟
- العمل عن بُعد… والبُعد عن العمل
- خرافة التفكير النقدي: لماذا لا نحب الأسئلة الصعبة؟
- المشكلة السكانية في مصر: مواليد أقل وزحام أكبر
- ماذا خسر المصريون بخروج الجاليات الأجنبية بعد ثورة يوليو 195 ...
- اللاإنجابية في مصر: قرار فردي أم انعكاس لتحولات اجتماعية أعم ...
- قراءة أولية في تقرير الهجرة العالمي 2026
- ماذا تبقى للأكاديمي أو الكاتب أو المؤلف أو المفكر في عصر الذ ...
- وهم ربط التعليم بسوق العمل: حين يحاول المستقبل اللحاق بالماض ...
- هل يمكن إجلاء أربعين مليون أجنبي من دول الخليج إذا اتسعت الح ...
- تحويلات المصريين بالخارج 2025: قراءة في الارتفاع التاريخي ود ...
- الهجرة: الدواء المر للجمهورية الفرنسية


المزيد.....




- رسميًا.. مطار دولي في فلوريدا يحمل اسم دونالد ترامب
- -الأكثر تدميرًا حتى الآن-.. حرائق غابات تلتهم مناطق واسعة في ...
- -محمد- يتصدّر.. تعرف إلى أكثر أسماء المواليد شيوعًا في إنجلت ...
- كيف يبدو سوق تأمين السفن لعبور مضيق هرمز؟.. محللون يوضحون
- رجل غامض بجنازة خامنئي رُصد من بُعد وسط مقاطع فيديو تزعم أنه ...
- كييف تنتقد احتمال تخفيف حزمة عقوبات أوروبية جديدة ضد روسيا
- ميدفيدتشوك يصف كالاس بـ-الدجاجة الغبية-
- بسبب مسيّرات حزب الله.. شركة إسرائيلية تجمع 36 مليون دولار ل ...
- حريق غابات في إسبانيا قرب ألميرية يقتل 11 شخصا ويتسبب في إجل ...
- توجيه اتهامات إلى 8 أشخاص في مخطط لاغتيال ترامب ونتنياهو وما ...


المزيد.....

- تحلل اللاهوت الليبرالي: صعود وسقوط الهيمنة الاقتصادية الأمري ... / مجدى عبد الهادى
- ألمانيا..الحياة والمجهول / ملهم الملائكة
- كتاب : العولمة وآثارها على الوضع الدولي والعربي / غازي الصوراني
- نبذ العدمية: هل نكون مخطئين حقًا: العدمية المستنيرة أم الطبي ... / زهير الخويلدي
- Express To Impress عبر لتؤثر / محمد عبد الكريم يوسف
- التدريب الاستراتيجي مفاهيم وآفاق / محمد عبد الكريم يوسف
- Incoterms 2000 القواعد التجارية الدولية / محمد عبد الكريم يوسف
- النتائج الايتيقية والجمالية لما بعد الحداثة أو نزيف الخطاب ف ... / زهير الخويلدي
- قضايا جيوستراتيجية / مرزوق الحلالي
- ثلاثة صيغ للنظرية الجديدة ( مخطوطات ) ....تنتظر دار النشر ال ... / حسين عجيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - أيمن زهري - اليوم العالمي للسكان ... في عالم ما بعد القنبلة السكانية