أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - أيمن زهري - لماذا يتراجع البشر عن الإنجاب؟















المزيد.....

لماذا يتراجع البشر عن الإنجاب؟


أيمن زهري
كاتب وأكاديمي مصري، خبير السكان ودراسات الهجرة


الحوار المتمدن-العدد: 8715 - 2026 / 5 / 24 - 16:48
المحور: العولمة وتطورات العالم المعاصر
    


الطفل الذي ظل عبر آلاف السنين رمزًا للاستمرار والقوة والأمان والعائلة والعمل والمستقبل، بدأ يتحول تدريجيًا في كثير من المجتمعات الحديثة إلى مشروع مكلف ومرهق ومصدر دائم للقلق الاقتصادي والنفسي، حتى أصبح السؤال الذي كان يبدو مستحيلًا قبل عقود سؤالًا مطروحًا بهدوء متزايد داخل المدن الكبرى والطبقات الوسطى والعليا: هل نحتاج فعلًا إلى الأطفال بالطريقة التي احتاجتهم بها المجتمعات القديمة؟

النظرية الاقتصادية في الخصوبة تحاول تفسير هذه الظاهرة بعيدًا عن اللغة الأخلاقية المعتادة، فهي تنطلق من افتراض بسيط يقول إن البشر، حتى في أكثر قراراتهم حميمية وعاطفية، يتصرفون داخل شروط اقتصادية واجتماعية محددة، لذلك فإن قرار الإنجاب لا ينفصل عن حسابات التكلفة والعائد والأمان والمستقبل، حتى لو لم يجلس الناس حاملين آلة حاسبة قبل اتخاذ قرار إنجاب طفل جديد.

في المجتمعات الزراعية التقليدية كان الطفل يمثل إضافة حقيقية لقوة الأسرة الاقتصادية، إذ يبدأ العمل مبكرًا، ويساعد في الزراعة أو الرعي أو الحرف اليدوية أو التجارة الصغيرة، ثم يتحول مع مرور الوقت إلى مصدر دخل محتمل، وإلى ضمان اجتماعي غير مكتوب يحمي الأبوين عند الشيخوخة، في زمن لم تكن فيه معاشات تقاعد أو تأمينات صحية أو مؤسسات رعاية اجتماعية بالمعنى الحديث، لذلك لم يكن الإنجاب المرتفع بين الفقراء أمرًا عبثيًا أو تعبيرًا عن "غياب الوعي" كما يحب بعض أبناء الطبقات الوسطى أن يتصوروا، بل كان استجابة عقلانية تمامًا لشروط الحياة نفسها.

غيّرت الدولة الحديثة هذه المعادلة بصورة جذرية، فالطفل لم يعد يعمل، بل أصبح ممنوعًا قانونيًا من العمل، والتعليم الذي كان محدودًا وقصيرًا أصبح طويلًا ومكلفًا، والأسرة التي كانت تكتفي بإطعام الطفل وكسوته بات مطلوبًا منها الآن أن توفر له تعليمًا جيدًا ودروسًا إضافية ورعاية صحية وتكنولوجيا "وباقة إنترنت" ونادي وأنشطة ترفيهية وربما غرفة مستقلة في منزل الأسرة الضيّق، أي أن الطفل تحول تدريجيًا من مساهم اقتصادي داخل الأسرة إلى مشروع استثماري طويل الأجل يستهلك المال والوقت والطاقة النفسية لعقود كاملة بدون أي ضمان حقيقي للعائد.

المفارقة التي قد تبدو صادمة أن المجتمعات الأكثر ثراءً وتعليمًا وتحضرًا أصبحت في الغالب الأقل إنجابًا، بينما تستمر معدلات الخصوبة المرتفعة نسبيًا بين الفئات الأفقر والأقل تعليمًا، ليس لأن الأطفال لم يعودوا مكلفين بالنسبة للفقراء فقط، بل لأن الفقر نفسه يعيد إنتاج الحاجة إلى الأسرة الكبيرة باعتبارها شكلًا من أشكال الأمان الاجتماعي في ظل ضعف شبكات الحماية الاجتماعية واتساع الاقتصاد غير الرسمي، لذلك لا يمكن فهم الإنجاب المرتفع بين الفقراء باعتباره مجرد "خطأ ثقافي" أو تمرد علي توجهات الدولة التي مازالت مستمرة في بلدان الجنوب، بل باعتباره انعكاسًا لبنية اقتصادية واجتماعية كاملة.

المشكلة أن الإنسان الحديث لم يفقد فقط الحاجة الاقتصادية إلى الأطفال، بل فقد تدريجيًا أيضًا الإحساس باليقين تجاه المستقبل، فالحياة أصبحت أكثر تكلفة والعمل أكثر هشاشة والعلاقات الإنسانية أكثر تعقيدًا، والزواج نفسه لم يعد مستقرًا كما كان، بينما ارتفعت التوقعات المتعلقة بما ينبغي توفيره للطفل إلى مستويات هائلة تجعل كثيرًا من الشباب يشعرون بأن الإنجاب مسؤولية تفوق قدرتهم الاقتصادية والنفسية معًا. الإنسان الحديث لا يقول صراحة إنه لم يعد يريد الأطفال، لكنه يتصرف يوميًا على هذا الأساس، يعمل لساعات أطول ويؤجل الزواج ويؤجل الإنجاب، ثم يكتشف بعد سنوات أن العمر مرّ وأن فكرة الأبوة نفسها أصبحت عبئًا نفسيًا لا رغبة طبيعية، وكأن الحضارة الحديثة نجحت للمرة الأولى في التاريخ في جعل استمرار الحياة نفسها أمرًا قابلًا للتأجيل وربما للاستغناء، لذلك لم يعد غريبًا أن تتراجع الخصوبة في دول حققت مستويات مرتفعة من التنمية الاقتصادية مثل اليابان وكوريا الجنوبية وألمانيا وإيطاليا، بل حتى الصين التي أمضت سنوات طويلة تحاول تقليل الإنجاب أصبحت اليوم تحاول إقناع مواطنيها بإنجاب مزيد من الأطفال، دون نجاح كبير.

في بلدان الجنوب يبدو المشهد أكثر تعقيدًا، لأن المجتمعات لم تنتقل بالكامل إلى نموذج الدولة الحديثة القادرة على توفير الحماية الاجتماعية الشاملة، ولم تبقَ أيضًا مجتمعات زراعية تقليدية كما كانت، لذلك يعيش كثير من الناس داخل منطقة رمادية تجمع بين ارتفاع تكاليف الحياة الحديثة واستمرار أنماط التفكير القديمة، فنجد أسرًا فقيرة تنجب عددًا كبيرًا من الأطفال رغم صعوبة الظروف الاقتصادية، بينما تتجه قطاعات واسعة من الطبقة الوسطى إلى تقليل الإنجاب أو تأجيله خوفًا من الانحدار الاجتماعي أو العجز عن توفير مستوى الحياة الذي تعتبره لائقًا. ظهرت علي استحياء بعض النزعات التي ترفض الإنجاب تماما فيما يعرف بظاهرة "اللاإنجابية" التي كتبت عنها من قبل.

الخطير في هذه التحولات أن القضية لم تعد مجرد قضية "عدد سكان،" بل أصبحت مرتبطة بتحول أعمق في معنى الأسرة نفسها، فالعالم الحديث، دون أن يعلن ذلك صراحة، يبدو وكأنه يعيد تعريف قيمة الإنسان خارج إطار العائلة التقليدية، ويحول الفرد تدريجيًا إلى وحدة اقتصادية مستقلة تسعى إلى تحقيق ذاتها الفردية قبل أي شيء آخر، لذلك لم يعد يُنظر للطفل دائمًا باعتباره امتدادًا طبيعيًا للحياة، بل باعتباره قرارًا ثقيل التكلفة يحتاج إلى تبرير اقتصادي ونفسي واجتماعي مسبق.

ربما لم يصبح الأطفال غير ضروريين بالكامل، لكن المؤكد أن العالم الذي كان يعتبرهم ضرورة بديهية لم يعد موجودًا بالصورة نفسها، وهذه الحقيقة تحديدًا هي ما يجعل انخفاض الخصوبة في العالم المعاصر ظاهرة أعمق بكثير من مجرد أرقام ديموغرافية أو سياسات سكانية، لأنها تكشف عن تغير جذري في علاقة الإنسان بالمستقبل وبفكرة الاستمرار نفسها وبالمعنى الذي يمنحه لحياته داخل عالم يزداد فردانية وقلقًا ووحدة يوماً بعد يوم. ربما لا تكون أزمة العالم المعاصر أنه أصبح أقل قدرة على إنجاب الأطفال، بل أنه أصبح أقل اقتناعًا بجدوى المستقبل نفسه.



#أيمن_زهري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العمل عن بُعد… والبُعد عن العمل
- خرافة التفكير النقدي: لماذا لا نحب الأسئلة الصعبة؟
- المشكلة السكانية في مصر: مواليد أقل وزحام أكبر
- ماذا خسر المصريون بخروج الجاليات الأجنبية بعد ثورة يوليو 195 ...
- اللاإنجابية في مصر: قرار فردي أم انعكاس لتحولات اجتماعية أعم ...
- قراءة أولية في تقرير الهجرة العالمي 2026
- ماذا تبقى للأكاديمي أو الكاتب أو المؤلف أو المفكر في عصر الذ ...
- وهم ربط التعليم بسوق العمل: حين يحاول المستقبل اللحاق بالماض ...
- هل يمكن إجلاء أربعين مليون أجنبي من دول الخليج إذا اتسعت الح ...
- تحويلات المصريين بالخارج 2025: قراءة في الارتفاع التاريخي ود ...
- الهجرة: الدواء المر للجمهورية الفرنسية
- قصة الهجانة السودانيين في عين شمس
- كوادر تحت الطلب: الهجرة في زمن العجز الديمغرافي العالمي
- الخروج الآمن من منظومة السيطرة الإقليمية: الإمارات، قِبلة ال ...
- اليوم الدولي للمهاجرين: احتفال سنوي وأسئلة مؤجّلة
- الجمعة السوداء … نسخة مصرية لقيطة
- العمل المرن والأزمنة السائلة
- قنبر بونابرتة وهويّة المحروسة
- المصريون القدماء: روحانية أسيء فهمها
- لماذا يكره المصريون الجولاني


المزيد.....




- شاهد.. غارات ليلية إسرائيلية على جنوب لبنان تدفع سكان صور لإ ...
- باكستان: هجوم انتحاري قرب محطة قطارات يخلّف عشرات الضحايا.. ...
- مضيق هرمز والنووي.. ماذا تقول واشنطن وطهران عن اتفاق مرتقب ل ...
- غارات متواصلة على جنوب لبنان.. وحزب الله يستهدف القوات الإسر ...
- لماذا يمارس ترامب ضغوطاً على كوبا، وكيف سينتهي الأمر؟
- صواريخ نووية روسية -في قاع البحر- تثير رعب الغرب
- هل بات الاتفاق الأمريكي الإيراني وشيكا؟
- في حكم -تاريخي-.. محكمة النقض تؤكد مسؤولية بلجيكا عن جرائم ب ...
- كيف ستتحرك إسرائيل بالجبهات خلال فترة الاتفاق الأمريكي الإير ...
- توقيع أربعة كتب جديدة لمركز الجزيرة للدراسات في معرض الدوحة ...


المزيد.....

- ألمانيا..الحياة والمجهول / ملهم الملائكة
- كتاب : العولمة وآثارها على الوضع الدولي والعربي / غازي الصوراني
- نبذ العدمية: هل نكون مخطئين حقًا: العدمية المستنيرة أم الطبي ... / زهير الخويلدي
- Express To Impress عبر لتؤثر / محمد عبد الكريم يوسف
- التدريب الاستراتيجي مفاهيم وآفاق / محمد عبد الكريم يوسف
- Incoterms 2000 القواعد التجارية الدولية / محمد عبد الكريم يوسف
- النتائج الايتيقية والجمالية لما بعد الحداثة أو نزيف الخطاب ف ... / زهير الخويلدي
- قضايا جيوستراتيجية / مرزوق الحلالي
- ثلاثة صيغ للنظرية الجديدة ( مخطوطات ) ....تنتظر دار النشر ال ... / حسين عجيب
- الكتاب السادس _ المخطوط الكامل ( جاهز للنشر ) / حسين عجيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - أيمن زهري - لماذا يتراجع البشر عن الإنجاب؟