أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الهجرة , العنصرية , حقوق اللاجئين ,و الجاليات المهاجرة - أيمن زهري - كوادر تحت الطلب: الهجرة في زمن العجز الديمغرافي العالمي














المزيد.....

كوادر تحت الطلب: الهجرة في زمن العجز الديمغرافي العالمي


أيمن زهري
كاتب وأكاديمي مصري، خبير السكان ودراسات الهجرة


الحوار المتمدن-العدد: 8584 - 2026 / 1 / 11 - 20:18
المحور: الهجرة , العنصرية , حقوق اللاجئين ,و الجاليات المهاجرة
    


لم تعد الهجرة في عالم اليوم مجرد انتقال جغرافي للأفراد بحثًا عن عمل أو دخل أفضل، بل أصبحت تعبيرًا مباشرًا عن تحولات ديموغرافية واقتصادية عميقة تعيد تشكيل خريطة القوة العالمية. فالدول لم تعد تتنافس فقط على جذب الاستثمارات أو السيطرة على الموارد الطبيعية، وإنما دخلت – بصمت وهدوء – في سباق محموم على استقطاب العقول والمهارات والكفاءات القادرة على الإنتاج والابتكار وضمان الاستمرارية. في قلب هذا المشهد، تقف أوروبا نموذجًا كاشفًا لما يمكن أن نطلق عليه العجز الديمغرافي الهيكلي، حيث تتقاطع الشيخوخة السكانية مع انخفاض الخصوبة وتراجع حجم قوة العمل، لتخلق فجوة متزايدة لا يمكن سدّها بالوسائل التقليدية.

هذا العجز الديمغرافي الأوروبي لم يعد مسألة مستقبلية أو افتراضية، بل واقعًا يوميًا ينعكس على أسواق العمل، ونظم الرعاية الصحية، والتعليم، والخدمات الاجتماعية. فمحاولات رفع معدلات الإنجاب، رغم أهميتها الرمزية والسياسية، تظل بطيئة الأثر ومحدودة النتائج، ولا تستطيع وحدها تلبية احتياجات اقتصادات تحتاج إلى عمالة ماهرة هنا والآن، ومن ثمّ، تحولت الهجرة – خاصة هجرة الكفاءات – من خيار سياسي قابل للأخذ والرد إلى ضرورة بنيوية لاستمرار النمو والحفاظ على مستويات المعيشة.

في السياق ذاته، يشهد العالم تحوّلًا نوعيًا في طبيعة سوق العمل، حيث لم يعد الحديث عن فائض في الأيدي العاملة الماهرة دقيقًا، بل على العكس، دخلنا مرحلة يمكن وصفها بندرة الكفاءات، فالتوسع في الاقتصاد الرقمي، والتقدم السريع في مجالات الذكاء الاصطناعي، والتحول نحو الاقتصاد الأخضر، أعادوا تعريف المهارات المطلوبة، ورفعوا قيمة فئات محددة من الخبرات التي يصعب إنتاجها بسرعة أو تعويضها بسهولة، وهكذا، أصبح الإنسان الماهر هو المورد الأندر، وأصبح الاستثمار فيه – أو استقطابه – جزءًا من الاستراتيجيات القومية للدول.

في هذا العالم الذي يعاني من ندرة الكفاءات، تجد دولاً كثيرة في الجنوب نفسها في موقع المصدِّر الصامت لرأس المال البشري، فالكفاءات التي جرى الاستثمار في تعليمها وتدريبها، غالبًا على نفقة الدولة والمجتمع، تغادر في لحظة ما لتعمل وتنتج وتبدع في أماكن أخرى. هذه الخسارة لا تظهر دائمًا في الإحصاءات الرسمية، لكنها تتراكم ببطء في صورة ضعف مؤسسي، وتراجع في نوعية الخدمات، وانخفاض في القدرة على الابتكار والتجديد.

مع ذلك، من الخطأ اختزال هذه الظاهرة في بعدها الاقتصادي فقط. فالهجرة، خاصة هجرة الكفاءات، هي في جوهرها انعكاس لبيئة أوسع تتعلق بفرص التقدّم، والاعتراف المهني، والعدالة، والأفق المستقبلي. كثير من الكفاءات لا تغادر بسبب الفقر أو البطالة، بل لأنها لا ترى مسارًا واضحًا للنمو، أو تشعر بأن جهدها لا يُقابل بالتقدير المناسب، أو بأن الزمن المهني متجمد مهما بلغت الكفاءة أو الاجتهاد. هنا، تصبح الهجرة ليس هروبًا من الوطن، بل بحثًا عن معنى مهني وحياتي أكثر اتساعًا.

من المهم التأكيد، في هذا السياق، على أن الهجرة قرار فردي بالأساس، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها فعلًا عدائيًا أو نقصًا في الانتماء، الإنسان لا يهاجر بالضرورة لأنه يرفض وطنه، بل لأنه يسعى إلى تحسين شروط حياته وحياة أسرته، وأي خطاب يقوم على التخوين أو التجريم لا يؤدي إلا إلى تعميق القطيعة النفسية بين الكفاءات وأوطانها، ويدفعها إلى الرحيل بلا نية للعودة أو حتى التواصل.

التحدي الحقيقي لا يكمن إذن في كيفية منع الهجرة أو تقييدها، بل في كيفية إعادة صياغة العلاقة بين الدولة وكفاءاتها، فالمنع لا يصنع انتماءً، والقيود لا تخلق ولاءً، أما الحوافز العادلة والبيئة الداعمة فتفعل. إن التحول المطلوب هو من منطق السيطرة إلى منطق الجذب، ومن إدارة الهجرة بوصفها خطرًا إلى إدارة الكفاءات بوصفها ثروة وطنية. يتطلب ذلك سياسات جادة لتحسين بيئة العمل، وربط الأجر والإمكانات بالكفاءة لا بالأقدمية وحدها، وفتح مسارات حقيقية للترقي، وتشجيع البحث والابتكار، وإعادة الاعتبار للكرامة المهنية بوصفها عنصرًا أساسيًا في الاستقرار.

الاحتفاظ بالكفاءات في هذا السياق لم يعد ترفًا أو شعارًا وطنيًا عاطفيًا، بل أصبح مسألة أمن تنموي طويل الأمد، فالدولة التي تفشل في ذلك، تجد نفسها تموّل تعليم أبنائها ليبنوا اقتصادات الآخرين، بينما تظل هي عالقة في دائرة إعادة إنتاج الأزمات نفسها، أما الدولة التي تنجح، فهي التي تفهم أن الاستثمار الحقيقي ليس في البنية التحتية وحدها، بل في الإنسان القادر على تشغيلها وتطويرها وإعطائها معنى.



#أيمن_زهري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الخروج الآمن من منظومة السيطرة الإقليمية: الإمارات، قِبلة ال ...
- اليوم الدولي للمهاجرين: احتفال سنوي وأسئلة مؤجّلة
- الجمعة السوداء … نسخة مصرية لقيطة
- العمل المرن والأزمنة السائلة
- قنبر بونابرتة وهويّة المحروسة
- المصريون القدماء: روحانية أسيء فهمها
- لماذا يكره المصريون الجولاني
- اللاجئون في العالم: بوادر تراجع بعد عقد من الارتفاع المستمر
- البناء على زخم افتتاح المتحف المصري الكبير: إعادة بعث الهوية ...
- افتتاح المتحف المصري الكبير: لحظة فرح وطنية في زمن الأزمات
- العالم العصري والنزعة الفردانية
- بين النبوءة والواقع: قراءة نقدية لأحداث نهاية الزمان
- متى ينقرض البشر؟
- الهجرة النظامية: هل توقف الهجرة غير النظامية؟
- جيل ألفا: جيل المستقبل الذي سيحمل عبء شيخوخة العالم
- بين الماضي والحاضر: هل يصلح حاضر المجتمعات بما صلح به ماضيها ...
- الذكاء الاصطناعي: أداة قديمة في ثوب جديد
- فقه الفضاء وفقه الفقراء: صراع الأولويات في الفكر الإسلامي ال ...
- التجليات الإجرائية للنص القرآني في المجال العام المصري
- التجليات الإجرائية للنص القرآني في المجال العام المصري


المزيد.....




- ترامب يقوم بـ-إشارة بذيئة- لشخص خلال جولة بمصنع فورد.. كيف ع ...
- هل تصبح الفضة استثمار محدودي الدخل في 2026؟
- في الذكرى الـ15 لثورة تونس: القضاء يؤيد سجن زعيم حركة النهضة ...
- أخبار اليوم: قرب الإعلان عن أسماء لجنة إدارة غزة في المرحلة ...
- هل التهديد الصيني لغرينلاند حقيقي أم مجرد ادعاء من ترامب؟
- ما هي -غوست بيرينغ- التي تسرق حساب الضحية على واتساب؟
- عام 2025 ثالث أكثر الأعوام حرارة على ?الإطلاق
- رياح شديدة تضرب قطاع غزة وتهدم المنازل والخيام على ساكنيها
- النيجر تلغي تراخيص شركات نقل وسائقين رفضوا نقل الوقود إلى ما ...
- السلطات الأميركية تبرم -تسوية- مع منظمة صهيونية متطرفة


المزيد.....

- الاقتصاد السياسي لمكافحة الهجرة / حميد كشكولي
- العلاقة البنيوية بين الرأسمالية والهجرة الدولية / هاشم نعمة
- من -المؤامرة اليهودية- إلى -المؤامرة الصهيونية / مرزوق الحلالي
- الحملة العنصرية ضد الأفارقة جنوب الصحراويين في تونس:خلفياتها ... / علي الجلولي
- السكان والسياسات الطبقية نظرية الهيمنة لغرامشي.. اقتراب من ق ... / رشيد غويلب
- المخاطر الجدية لقطعان اليمين المتطرف والنازية الجديدة في أور ... / كاظم حبيب
- الهجرة والثقافة والهوية: حالة مصر / أيمن زهري
- المرأة المسلمة في بلاد اللجوء؛ بين ثقافتي الشرق والغرب؟ / هوازن خداج
- حتما ستشرق الشمس / عيد الماجد
- تقدير أعداد المصريين في الخارج في تعداد 2017 / الجمعية المصرية لدراسات الهجرة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الهجرة , العنصرية , حقوق اللاجئين ,و الجاليات المهاجرة - أيمن زهري - كوادر تحت الطلب: الهجرة في زمن العجز الديمغرافي العالمي