أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أيمن زهري - ماذا تبقى للأكاديمي أو الكاتب أو المؤلف أو المفكر في عصر الذكاء الاصطناعي؟














المزيد.....

ماذا تبقى للأكاديمي أو الكاتب أو المؤلف أو المفكر في عصر الذكاء الاصطناعي؟


أيمن زهري
كاتب وأكاديمي مصري، خبير السكان ودراسات الهجرة


الحوار المتمدن-العدد: 8697 - 2026 / 5 / 4 - 15:54
المحور: قضايا ثقافية
    


لم يعد السؤال اليوم ما إذا كان الذكاء الاصطناعي قد دخل المجال المعرفي، بل كيف أعاد تشكيله على نحو جذري، بحيث لم تعد الكتابة، بوصفها فعلًا تقنيًا، ميزة إنسانية خالصة، ولم يعد إنتاج النصوص في حد ذاته معيارًا يُعتد به للحكم على القيمة الفكرية. من هنا يصبح الإقرار بوجود الذكاء الاصطناعي واستخدامه والاستفادة منه إلى أقصى مدى نقطة انطلاق لا خلاف عليها، تمامًا كما حدث من قبل مع الآلة الحاسبة التي انتقلنا معها من الخوف على “ذاكرة الحساب” إلى توظيفها لتوسيع القدرة على التفكير.

تبدو التحولات أكثر عمقًا حين نضعها في سياق أوسع يتسم بتسارع الإيقاع العام للحياة وهيمنة أنماط الاستهلاك السريع للمحتوى، حيث لم تعد القراءة، في كثير من الحالات، فعلًا تأمليًا ممتدًا، بل أصبحت أقرب إلى التقاط سريع للمعنى أو شبه المعنى في صورة ملخصات وأوراق سياسات ومقتطفات، وتغريدات. لذلك يمكن أن نلاحظ تراجع مركزية الأسلوب بوصفه معيارًا أوليًا للانتشار، وأصبح الوصول السريع إلى “الخلاصة” هو الهدف الأكثر شيوعًا، غير أن هذا التحول لا ينبغي أن يُفهم على أنه إلغاء لقيمة الأسلوب بقدر ما هو إعادة ترتيب للأولويات بين ما يُقرأ بسرعة وما يبقى على المدى الطويل؛ إذ يظل الأسلوب الجيد شرطًا للدوام حتى لو لم يعد شرطًا كافيًا للانتشار.

داخل هذا المشهد، يغدو اختزال دور الأكاديمي أو المفكر في مجرد “إنتاج الأفكار” طرحًا جذابًا، لكنه يحتاج إلى قدر من التدقيق، صحيح أن إنتاج الأفكار يظل في قلب العملية المعرفية، وأن الذكاء الاصطناع، حتى الآن لا ينتج أفكارًا بالمعنى العميق بقدر ما يعيد تركيب ما هو قائم، إلا أن الفعل الفكري لم يكن يومًا مجرد ومضة إبداعية معزولة، بل كان دائمًا عملية مركبة تشمل التحقق والتأصيل وبناء الحُجّة وربط الجزئي بالكلي ووضع الفكرة في سياقها التاريخي والاجتماعي. بهذا المعنى، فإن ما يتبقى للأكاديمي لا يقتصر على ابتكار الفكرة، بل يمتد إلى رعايتها واختبارها وصياغتها والدفاع عنها داخل منظومة معرفية أوسع.

تتجلى هنا أدوار ربما أصبحت أكثر إلحاحًا مما كانت عليه في أي وقت مضى، إذ لم تعد المشكلة في نقص المعلومات، بل في فائضها، وهو ما يجعل من الأكاديمي حارسًا للمعرفة بقدر ما هو منتج لها، مسؤولًا عن الفرز والنقد وكشف الزائف من الرصين في بحر متلاطم من النصوص المتشابهة ظاهريًا والمختلفة جوهريًا. تتعاظم كذلك قيمة القدرة على تأطير الأسئلة، لأن من يحدد ما ينبغي السؤال عنه يسبق، بالضرورة، من يجيب، في عالم باتت فيه الإجابات متاحة أكثر من أي وقت مضى. ثم تأتي مهمة التأويل، أي قراءة النصوص والبيانات في سياقاتها، وهي مساحة لا تزال إنسانية بامتياز لأن الفهم لا ينفصل عن الخبرة ولا عن الوعي التاريخي ولا عن الحس النقدي.

يضاف إلى ذلك دور أكثر عمقًا، يتعلق بإنتاج المعنى ذاته في زمن يتعرض فيه المعنى للتآكل بفعل السرعة والتكرار، فإذا كانت الآلة قادرة على توليد نصوص متماسكة لغويًا، فإنها لا تزال بعيدة عن توليد “قيمة” بالمعنى الذي يجعل نصًا ما جديرًا بأن يُقرأ أو فكرة ما جديرة بأن تُناقش. هنا لا يعود التحدي هو الكتابة، بل الكتابة التي تستحق البقاء؛ لا يعود التحدي هو الفكرة، بل الفكرة التي تُحدث فرقًا في الفهم.

هكذا، لا يبدو أن الذكاء الاصطناعي قد انتزع من الأكاديمي دوره بقدر ما أعاد تعريفه ناقلًا إياه من مستوى الإنتاج الكمي للنصوص إلى مستوى أعلى من المسؤولية المعرفية.، ففي عالم تتسارع فيه الكتابة وتتباطأ فيه القراءة، تصبح الندرة الحقيقية ليست في النصوص بل في الأفكار التي تستحق أن تُكتب وفي العقول القادرة على أن تمنحها معناها وسياقها وسبب وجودها.



#أيمن_زهري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- وهم ربط التعليم بسوق العمل: حين يحاول المستقبل اللحاق بالماض ...
- هل يمكن إجلاء أربعين مليون أجنبي من دول الخليج إذا اتسعت الح ...
- تحويلات المصريين بالخارج 2025: قراءة في الارتفاع التاريخي ود ...
- الهجرة: الدواء المر للجمهورية الفرنسية
- قصة الهجانة السودانيين في عين شمس
- كوادر تحت الطلب: الهجرة في زمن العجز الديمغرافي العالمي
- الخروج الآمن من منظومة السيطرة الإقليمية: الإمارات، قِبلة ال ...
- اليوم الدولي للمهاجرين: احتفال سنوي وأسئلة مؤجّلة
- الجمعة السوداء … نسخة مصرية لقيطة
- العمل المرن والأزمنة السائلة
- قنبر بونابرتة وهويّة المحروسة
- المصريون القدماء: روحانية أسيء فهمها
- لماذا يكره المصريون الجولاني
- اللاجئون في العالم: بوادر تراجع بعد عقد من الارتفاع المستمر
- البناء على زخم افتتاح المتحف المصري الكبير: إعادة بعث الهوية ...
- افتتاح المتحف المصري الكبير: لحظة فرح وطنية في زمن الأزمات
- العالم العصري والنزعة الفردانية
- بين النبوءة والواقع: قراءة نقدية لأحداث نهاية الزمان
- متى ينقرض البشر؟
- الهجرة النظامية: هل توقف الهجرة غير النظامية؟


المزيد.....




- -بحث مجالات التعاون والمستجدات الإقليمية-.. تفاصيل اتصال جدي ...
- -وداعا للسفن السريعة-.. ترمب يثير الجدل بصور هجومية ضد إيران ...
- 112 دولة تدعم مشروع قرار أمريكي خليجي في مجلس الأمن بشأن مضي ...
- الشيخ محمد بن زايد يتلقى اتصالا هاتفيا من ترامب
- رئيس دولة الإمارات يتلقى اتصالا هاتفيا من ولي عهد السعودية
- بولس: لا حل عسكريا للأزمة في السودان
- تقييم إسرائيلي: خياران أمام ترامب للتعامل مع إيران
- ترامب -لا يفكر في الوضع المالي للأمريكيين خلال حرب إيران-.. ...
- -خيانة عظمى-.. ترامب يهاجم وسائل الإعلام الأمريكية التي تفيد ...
- بتهمة -تمجيد الإرهاب-.. فرنسا تلاحق ناشطاً على خلفية تظاهرات ...


المزيد.....

- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أيمن زهري - ماذا تبقى للأكاديمي أو الكاتب أو المؤلف أو المفكر في عصر الذكاء الاصطناعي؟