أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - أيمن زهري - وهم ربط التعليم بسوق العمل: حين يحاول المستقبل اللحاق بالماضي














المزيد.....

وهم ربط التعليم بسوق العمل: حين يحاول المستقبل اللحاق بالماضي


أيمن زهري
كاتب وأكاديمي مصري، خبير السكان ودراسات الهجرة


الحوار المتمدن-العدد: 8639 - 2026 / 3 / 7 - 18:16
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    


في النقاشات العامة حول إصلاح التعليم يتكرر كثيراً شعار يبدو بديهياً للوهلة الأولى: ضرورة ربط التعليم بسوق العمل. يتم تقديم هذا الطرح عادة باعتباره الحل الطبيعي لمشكلة البطالة وعدم مواءمة التخصصات التعليمية مع احتياجات الاقتصاد، غير أن هذا التصور، على ما يبدو منطقياً في ظاهره، يخفي وراءه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة العلاقة بين التعليم والاقتصاد، وبحدود قدرتنا على التنبؤ بالمستقبل.

من الناحية الديموغرافية يمكن التنبؤ بما يُعرف بـ العرض من العمل لفترات طويلة نسبياً في المستقبل، لأن الأمر يعتمد أساساً على إسقاطات السكان والتركيب العمري المتوقع، فبمجرد معرفة عدد المواليد في سنة معينة يصبح من الممكن تقدير عدد الداخلين إلى سوق العمل بعد عشرين أو خمسة وعشرين عاماً بدرجة معقولة من الدقة. لهذا السبب يستطيع الديمغرافيون – حتى في بداية مسيرتهم المهنية – إجراء تقديرات قريبة من الواقع لحجم القوى العاملة المستقبلية، لكن المشكلة الحقيقية لا تكمن في العرض من العمل، بل في الطلب على العمل.

فالطلب على العمل يعتمد على متغيرات أكثر تعقيداً وتقلباً: النمو الاقتصادي، هيكل الاستثمار، التحولات التكنولوجية، وطبيعة الاقتصاد العالمي، وهذه كلها عوامل يصعب التنبؤ بها بدقة حتى على المدى المتوسط، ناهيك عن المدى الطويل الذي يعمل فيه نظام التعليم. هنا تظهر المفارقة الأساسية: التعليم نظام طويل الأجل بطبيعته، بينما سوق العمل نظام سريع التغير.

لعل التاريخ القريب يقدم لنا أمثلة كثيرة على ذلك. فمن كان يستطيع قبل عشرين عاماً أن يتنبأ بالتحولات التي أحدثها الاقتصاد الرقمي؟ ومن كان يتوقع أن تظهر مهن كاملة لم تكن موجودة أصلاً مثل مطوري تطبيقات الهواتف الذكية أو محللي البيانات الضخمة أو خبراء الذكاء الاصطناعي؟ في المقابل، اختفت أو تراجعت مهن كانت تبدو مستقرة لعقود طويلة. هنا يظهر التناقض الكبير: نظام التعليم بطبيعته نظام بطيء وثقيل الحركة، بينما سوق العمل نظام سريع ومتغير، فالتعليم – خاصة التعليم الجامعي – عملية طويلة الأجل، فالطالب الذي يدخل الجامعة اليوم لن يدخل سوق العمل إلا بعد أربع أو خمس سنوات على الأقل، وفي بعض التخصصات بعد سبع أو ثماني سنوات. إذا أضفنا إلى ذلك الزمن اللازم لتخطيط البرامج التعليمية واعتمادها وتطويرها، فإننا نتحدث عن منظومة قد تستغرق عقداً كاملاً قبل أن تنتج دفعة جديدة من الخريجين، لكن سوق العمل قد يتغير بالكامل خلال هذه السنوات.

لهذا السبب تبدو فكرة التخطيط للتخصصات وفق احتياجات سوق العمل فكرة شديدة الإشكالية، فهي تفترض ضمنياً أن الدولة أو أي جهة تخطيطية قادرة على التنبؤ بدقة باحتياجات الاقتصاد بعد عشر أو عشرين عاماً، وهو افتراض لا تدعمه التجربة التاريخية، بل إن المبالغة في تطبيق هذا المنطق قد تقودنا إلى نتائج كارثية، فلو أخذنا فكرة ربط التعليم بسوق العمل بحرفيتها، فقد نجد أنفسنا مضطرين – نظرياً – إلى إغلاق كليات كاملة، فقد يقال إن سوق العمل لا يحتاج إلى هذا العدد من خريجي الحقوق أو الآداب أو العلوم أو الهندسة، وقد يمتد الأمر، في بعض التقديرات، إلى تخصصات مثل الصيدلة أو طب الأسنان، وقبل كل هؤلاء ربما تكون الضحية الأولى هي المعاهد، مثل معاهد الخدمة الاجتماعية ونظم المعلومات الإدارية وأكاديميات الدراسات المتخصصة، بل وربما كثير من الجامعات والمعاهد الخاصة.

التعليم الجامعي، يا سادة، ليس مجرد مصنع لإنتاج موظفين، بل هو أيضاً مؤسسة لصناعة المعرفة، وتكوين العقل النقدي وتطوير القدرات الفكرية. من المهم أيضاً الوعي بأن الاقتصاد نفسه، على المدى الطويل، يعتمد على هذا النوع من التعليم العام الواسع، لا على التدريب الضيق المرتبط بوظيفة بعينها. من هنا ربما يكون الحل الحقيقي مختلفاً تماماً عما يتم طرحه الآ، فبدلاً من محاولة مطابقة التعليم بسوق عمل لا يمكن التنبؤ به، قد يكون الأجدى هو التركيز على تعليم يطور المهارات الأساسية: التفكير النقدي والقدرة على التحليل ومهارات التواصل، والقدرة على التعلم المستمر.

هذه هي المهارات التي تسمح للفرد بالتكيف مع سوق عمل متغير، أما المهارات المهنية المتخصصة، تلك التي تتغير بسرعة مع تغير التكنولوجيا، فيمكن اكتسابها من خلال برامج تدريب مرنة وقصيرة الأجل تستجيب مباشرة لاحتياجات السوق. بمعنى آخر، قد يكون من الأفضل أن يقوم التعليم بدور تأسيسي طويل الأجل، بينما يقوم التدريب بدور تكيفي سريع. هذا الفصل بين الدورين يسمح للنظام التعليمي بأن يؤدي وظيفته الأساسية في بناء الإنسان، دون أن يصبح أسيراً لتقلبات سوق العمل، كما يسمح للاقتصاد بالحصول على المهارات التي يحتاجها في الوقت المناسب.

إن المشكلة إذن ليست في التعليم ولا في سوق العمل، بل في محاولة إخضاع أحدهما لمنطق الآخر بالكامل، فالتعليم يعمل في زمن طويل، بينما يعمل الاقتصاد في زمن قصير، وعندما نحاول إجبار الزمنين على التطابق، فإن النتيجة غالباً ما تكون نظاماً تعليمياً مرتبكاً وسوق عمل مرتبك أيضاً. لهذا ربما يكون الوقت قد حان لإعادة التفكير في الشعار نفسه: ليس المطلوب ربط التعليم بسوق العمل، بل بناء تعليم قوي يسمح للناس بالتكيف مع أي سوق عمل في الحاضر والمستقبل.



#أيمن_زهري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هل يمكن إجلاء أربعين مليون أجنبي من دول الخليج إذا اتسعت الح ...
- تحويلات المصريين بالخارج 2025: قراءة في الارتفاع التاريخي ود ...
- الهجرة: الدواء المر للجمهورية الفرنسية
- قصة الهجانة السودانيين في عين شمس
- كوادر تحت الطلب: الهجرة في زمن العجز الديمغرافي العالمي
- الخروج الآمن من منظومة السيطرة الإقليمية: الإمارات، قِبلة ال ...
- اليوم الدولي للمهاجرين: احتفال سنوي وأسئلة مؤجّلة
- الجمعة السوداء … نسخة مصرية لقيطة
- العمل المرن والأزمنة السائلة
- قنبر بونابرتة وهويّة المحروسة
- المصريون القدماء: روحانية أسيء فهمها
- لماذا يكره المصريون الجولاني
- اللاجئون في العالم: بوادر تراجع بعد عقد من الارتفاع المستمر
- البناء على زخم افتتاح المتحف المصري الكبير: إعادة بعث الهوية ...
- افتتاح المتحف المصري الكبير: لحظة فرح وطنية في زمن الأزمات
- العالم العصري والنزعة الفردانية
- بين النبوءة والواقع: قراءة نقدية لأحداث نهاية الزمان
- متى ينقرض البشر؟
- الهجرة النظامية: هل توقف الهجرة غير النظامية؟
- جيل ألفا: جيل المستقبل الذي سيحمل عبء شيخوخة العالم


المزيد.....




- إيران تضع شرطًا لعبور السفن في مضيق هرمز بـ-حرية-
- بوتين يعرض إعادة تزويد أوروبا بالطاقة ويحذر من انهيار الإمدا ...
- عقب إعلان حزب الله استهدافها.. فيديو يوثق دمار محطة اتصالات ...
- هل يعلن ترمب نصرا مبكرا في الحرب على إيران؟
- خبير عسكري: أمريكا لم تحقق أهدافها من الحرب والمرشد الجديد س ...
- رغم تهديداته المتواصلة.. هذا ما تخشاه إسرائيل من ترمب
- قوات -دلتا- تتأهب.. كيف سيكون شكل الهجوم البري الأمريكي ضد إ ...
- بن غفير يفتح الباب لتسليح 300 ألف إسرائيلي إضافي بالقدس وألم ...
- بعد قتلها آمال شمالي.. إسرائيل ترفع شهداء الصحافة في غزة إلى ...
- لهيب الأسعار وسلاح المقاطعة: صفاقس أعطت الإشارة


المزيد.....

- أساليب التعليم والتربية الحديثة / حسن صالح الشنكالي
- اللغة والطبقة والانتماء الاجتماعي: رؤية نقديَّة في طروحات با ... / علي أسعد وطفة
- خطوات البحث العلمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- إصلاح وتطوير وزارة التربية خطوة للارتقاء بمستوى التعليم في ا ... / سوسن شاكر مجيد
- بصدد مسألة مراحل النمو الذهني للطفل / مالك ابوعليا
- التوثيق فى البحث العلمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الصعوبات النمطية التعليمية في استيعاب المواد التاريخية والمو ... / مالك ابوعليا
- وسائل دراسة وتشكيل العلاقات الشخصية بين الطلاب / مالك ابوعليا
- مفهوم النشاط التعليمي لأطفال المدارس / مالك ابوعليا
- خصائص المنهجية التقليدية في تشكيل مفهوم الطفل حول العدد / مالك ابوعليا


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - أيمن زهري - وهم ربط التعليم بسوق العمل: حين يحاول المستقبل اللحاق بالماضي