أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الهجرة , العنصرية , حقوق اللاجئين ,و الجاليات المهاجرة - أيمن زهري - الهجرة: الدواء المر للجمهورية الفرنسية














المزيد.....

الهجرة: الدواء المر للجمهورية الفرنسية


أيمن زهري
كاتب وأكاديمي مصري، خبير السكان ودراسات الهجرة


الحوار المتمدن-العدد: 8628 - 2026 / 2 / 24 - 22:41
المحور: الهجرة , العنصرية , حقوق اللاجئين ,و الجاليات المهاجرة
    


سجلت فرنسا عام 2025 واقعة ديموغرافية ذات دلالة رمزية عميقة: عدد الوفيات بلغ 651 ألفًا، متجاوزًا عدد المواليد الذي لم يتخطَّ 645 ألفًا، في سابقة لم تشهدها البلاد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. قد تبدو الأرقام محدودة الفارق للوهلة الأولى، لكنها تحمل معنى تحوليًا كبيرًا؛ إذ تشير إلى دخول فرنسا رسميًا مرحلة الانخفاض الطبيعي للسكان، حين تصبح الوفيات أكثر من المواليد، ومع معدل خصوبة بلغ 1.56 مولودًا حيًا لكل امرأة، تكون فرنسا قد لحقت، وإن متأخرة نسبيًا، بالمسار الذي عرفته أغلب الدول الأوروبية منذ عقود.

لم تكن فرنسا حتى وقت قريب تُعدّ دولة أوروبية تقليدية في هذا الصدد، فقد حافظت، مقارنة بجيرانها، على معدل خصوبة أعلى نسبيًا بفضل سياسات دعم الأسرة، ونظام الرعاية الاجتماعية السخي، وتقاليد اجتماعية أقل فردانية من بعض دول الشمال الأوروبي. غير أن ما يجري اليوم يعكس أن العوامل البنيوية العميقة أقوى من أي سياسات ظرفية. فالتحول الديموغرافي في مراحله المتقدمة ليس مجرد مسألة حوافز مالية أو إعفاءات ضريبية، بل هو انعكاس لتحولات قيمية وثقافية واقتصادية ممتدة عبر أجيال.

الإنجاب في المجتمعات المتقدمة لم يعد قرارًا بيولوجيًا بحتًا، بل بات قرارًا اجتماعيًا-اقتصاديًا معقدًا، فارتفاع تكاليف السكن والتعليم، وتزايد مشاركة النساء في سوق العمل وتأخر سن الزواج وتغير أنماط الحياة، كلها عوامل تُعيد تشكيل مفهوم الأسرة نفسها، حتى في حال رغبة الأزواج في إنجاب طفلين أو أكثر، فإن تأجيل الإنجاب يقلل في النهاية من العدد الإجمالي للأطفال بسبب القيود البيولوجية والعملية. لهذا فإن تجارب دول مثل ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا أظهرت أن استعادة معدل الخصوبة الإحلالي (2.1 مولود حي لكل أنثى في سن الحمل) مهمة شبه مستحيلة بعد أن يترسخ نمط الخصوبة المنخفضة لسنوات طويلة.

جرّبت الحكومات الأوروبية أشكالاً متعددة من السياسات التحفيزية مثل الإعانات مباشرة وإجازات أمومة وأبوة مدفوعة ودعم حضانات الأطفال وتخفيضات ضريبية للأسر الكبيرة، وقد أثمرت هذه الإجراءات أحيانًا عن ارتفاع طفيف أو مؤقت في عدد المواليد، لكنها لم تُحدث انقلابًا هيكليًا دائمًا، فالمجتمعات التي دخلت طور “ما بعد التحول الديموغرافي” يصعب عليها العودة إلى الوراء. من هنا يمكن القول إن ما يحدث في فرنسا ليس مفاجأة، بل هو استكمال لمسار أوروبي عام تأخر ظهوره فيها نسبيًا.

غير أن المسألة لا تقف عند حدود الأرقام، فالانخفاض الطبيعي للسكان يترافق عادة مع شيخوخة متسارعة، حيث ترتفع نسبة كبار السن مقابل السكان في سن العمل، وهذا يفرض تحديات مالية واقتصادية جسيمة حيث تتعرض أنظمة المعاشات التقاعدية لضغوط وتتحمل نظم التأمين الصحي أعباء متزايدة ويواجه سوق العمل نقصًا في الأيدي العاملة. في مثل هذا السياق، لا تصبح المسألة الديموغرافية شأنًا أكاديميًا بحتاً، بل تتحول إلى معضلة سياسية مركزية.

هنا تبرز الهجرة بوصفها ما يمكن تسميته “الدواء المر،" فهي ليست خيارًا مريحًا سياسيًا، خصوصًا في مناخ أوروبي تصاعدت فيه النزعات الشعبوية واليمينية الرافضة للمهاجرين، غير أن الحقائق الديموغرافية لا تعبأ بالخطاب الانتخابي، فحين يتناقص عدد الداخلين الجدد إلى سوق العمل وحين تتزايد أعداد المتقاعدين يصبح من الصعب الحفاظ على توازن النظام الاقتصادي دون تدفقات بشرية جديدة.

الهجرة لا تُلغي الشيخوخة السكانية بالكامل لكنها تؤخِّر آثارها وتخفف حدتها، فالمهاجرون غالبًا ما يكونوا في سن العمل ويساهمون في دفع الضرائب وتمويل أنظمة الضمان الاجتماعي، وبدون هذه التدفقات قد يتسارع الانكماش السكاني وتتعاظم الاختلالات الاقتصادية، لذلك فإن النقاش في فرنسا اليوم لا ينبغي أن يُختزل في سؤال الهوية أو الأمن فقط، بل يجب أن يُطرح في إطاره الديموغرافي والاقتصادي الأوسع.

المفارقة أن القوى السياسية التي صعدت بخطاب متشدد تجاه الهجرة تجد نفسها أمام واقع ديموغرافي لا يمكن تجاهله، فالتاريخ الأوروبي الحديث يُظهر أن الدول التي أغلقت أبوابها بإحكام وجدت نفسها لاحقًا مضطرة إلى إعادة فتحها بشكل انتقائي لتلبية احتياجات سوق العمل. الهجرة، إذن، ليست مسألة أيديولوجية بقدر ما هي أداة إدارة للانكماش/العجز السكاني.

يبقى أن “الدواء المر” لا يعني غياب التحديات، فالاندماج الاجتماعي والثقافي يتطلب سياسات ذكية واستثمارات في التعليم والإسكان وحوارًا مجتمعيًا صريحًا حول مستقبل الجمهورية، لأن البديل عن إدارة الهجرة ليس الاستقرار، بل انكماشًا اقتصاديًا وضغطًا ماليًا متزايدًا.

في النهاية، يمكن القول إن فرنسا تقف عند مفترق ديموغرافي حاسم، لأن انخفاض المواليد وتقدم السكان في العمر ليسا حدثين عابرين، بل تعبير عن تحول تاريخي عميق، وإذا كانت السياسات التحفيزية قد بلغت حدود تأثيرها، فإن الهجرة تظل الأداة الأكثر واقعية للتعامل مع المرحلة المقبلة مهما كانت كلفتها السياسية، فالديموغرافيا لا تُحسم بالشعارات، بل تفرض منطقها الصامت على الجميع وتحدد في نهاية المطاف حدود الممكن للجمهورية الفرنسية.

في هذا السياق، شاركتُ في حلقة من برنامج «في فلك الممنوع»، المقرر إذاعتها يوم الخميس 25 فبراير 2026، حيث تناولنا هذا التحول الديموغرافي الفرنسي بوصفه جزءً من مسار أوروبي أوسع، لا حالة استثنائية عابرة، وأوضحتُ خلال الحوار أن انخفاض المواليد وتقدّم السكان في العمر ليسا مفاجأة لدارسي السكان، بل نتيجة منطقية لتحولات بنيوية ممتدة، وأن السياسات التحفيزية وحدها لا تكفي لعكس الاتجاه بعد ترسخه، كما أكدتُ أن الهجرة، رغم حساسيتها السياسية تظل الأداة الأكثر واقعية للتعامل مع اختلالات سوق العمل وتمويل نظم الحماية الاجتماعية، وأن النقاش الرشيد ينبغي أن ينتقل من سجالات الهوية إلى إدارة عقلانية للتغير الديموغرافي الذي يفرض نفسه على الجميع.



#أيمن_زهري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة الهجانة السودانيين في عين شمس
- كوادر تحت الطلب: الهجرة في زمن العجز الديمغرافي العالمي
- الخروج الآمن من منظومة السيطرة الإقليمية: الإمارات، قِبلة ال ...
- اليوم الدولي للمهاجرين: احتفال سنوي وأسئلة مؤجّلة
- الجمعة السوداء … نسخة مصرية لقيطة
- العمل المرن والأزمنة السائلة
- قنبر بونابرتة وهويّة المحروسة
- المصريون القدماء: روحانية أسيء فهمها
- لماذا يكره المصريون الجولاني
- اللاجئون في العالم: بوادر تراجع بعد عقد من الارتفاع المستمر
- البناء على زخم افتتاح المتحف المصري الكبير: إعادة بعث الهوية ...
- افتتاح المتحف المصري الكبير: لحظة فرح وطنية في زمن الأزمات
- العالم العصري والنزعة الفردانية
- بين النبوءة والواقع: قراءة نقدية لأحداث نهاية الزمان
- متى ينقرض البشر؟
- الهجرة النظامية: هل توقف الهجرة غير النظامية؟
- جيل ألفا: جيل المستقبل الذي سيحمل عبء شيخوخة العالم
- بين الماضي والحاضر: هل يصلح حاضر المجتمعات بما صلح به ماضيها ...
- الذكاء الاصطناعي: أداة قديمة في ثوب جديد
- فقه الفضاء وفقه الفقراء: صراع الأولويات في الفكر الإسلامي ال ...


المزيد.....




- مسؤول أمريكي: نشر مقاتلات إف-22 في إسرائيل وسط تصاعد التوتر ...
- ترامب يكشف عما ترفضه إيران في الاتفاق النووي المحتمل
- ما مدى خطورة وجود الجيش الإندونيسي في غزة؟
- تجسس روسي يستهدف منظمات ألمانية تدعم علماء شرق أوروبا
- أخبار اليوم: ترامب يهدد وطهران ترى -فرصة تاريخية- لاتفاق
- واشنطن تتوسّط بين الهجري ودمشق لتبادل عشرات المحتجزين منذ أع ...
- -السلاح المعجزة-.. روسيا تتهم الغرب بتنفيذ -مغامرة نووية- لص ...
- حلف بغداد ومنظمة سنتو.. قصة التعاون على مواجهة المد السوفيات ...
- أطباق من الذاكرة.. جذور شوربة الفريك والشخشوخة والدزيريات في ...
- -ما وراء الخبر- يناقش مآلات الجولة الثالثة من محادثات واشنطن ...


المزيد.....

- الاقتصاد السياسي لمكافحة الهجرة / حميد كشكولي
- العلاقة البنيوية بين الرأسمالية والهجرة الدولية / هاشم نعمة
- من -المؤامرة اليهودية- إلى -المؤامرة الصهيونية / مرزوق الحلالي
- الحملة العنصرية ضد الأفارقة جنوب الصحراويين في تونس:خلفياتها ... / علي الجلولي
- السكان والسياسات الطبقية نظرية الهيمنة لغرامشي.. اقتراب من ق ... / رشيد غويلب
- المخاطر الجدية لقطعان اليمين المتطرف والنازية الجديدة في أور ... / كاظم حبيب
- الهجرة والثقافة والهوية: حالة مصر / أيمن زهري
- المرأة المسلمة في بلاد اللجوء؛ بين ثقافتي الشرق والغرب؟ / هوازن خداج
- حتما ستشرق الشمس / عيد الماجد
- تقدير أعداد المصريين في الخارج في تعداد 2017 / الجمعية المصرية لدراسات الهجرة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الهجرة , العنصرية , حقوق اللاجئين ,و الجاليات المهاجرة - أيمن زهري - الهجرة: الدواء المر للجمهورية الفرنسية