أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - أيمن زهري - ماذا خسر المصريون بخروج الجاليات الأجنبية بعد ثورة يوليو 1952؟














المزيد.....

ماذا خسر المصريون بخروج الجاليات الأجنبية بعد ثورة يوليو 1952؟


أيمن زهري
كاتب وأكاديمي مصري، خبير السكان ودراسات الهجرة


الحوار المتمدن-العدد: 8705 - 2026 / 5 / 14 - 19:19
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


لم يكن خروج الجاليات الأجنبية من مصر خلال النصف الثاني من القرن العشرين مجرد تغير ديموغرافي محدود أو انتقال عادي لبعض السكان من بلد إلى آخر، بل كان جزءًا من تحول اجتماعي وثقافي عميق أعاد تشكيل المدن المصرية والحياة العامة والطبقة الوسطى وطبيعة المجال الحضري نفسه، فحين غادر عشرات الآلاف من اليونانيين والإيطاليين والأرمن واليهود والشوام وغيرهم، لم تختفِ فقط جماعات بشرية ذات أصول مختلفة، وإنما اختفى أيضًا نمط كامل من الحياة ارتبط بالقاهرة والإسكندرية ومدن القناة لعدة عقود، وربما لقرن كامل تقريبًا.

لا يعني ذلك أن مصر كانت “جنة كوزموبوليتانية” مفقودة كما يتخيل البعض اليوم، ولا أن وجود تلك الجاليات كان منفصلًا عن ظروف الاستعمار والامتيازات الأجنبية والتفاوت الطبقي الحاد الذي ميّز تلك المرحلة، فالكوزموبوليتانية المصرية نفسها كانت، في جوانب كثيرة، جزءًا من عالم استعماري وشبه استعماري، حيث تمتعت بعض الجاليات بامتيازات قانونية واقتصادية لم تكن متاحة لغالبية المصريين. لكن الاعتراف بهذه الحقيقة لا ينفي أن خروج تلك الجاليات ترك فراغًا حقيقيًا داخل البنية الثقافية والاقتصادية والحضرية للمجتمع المصري، وأن جزءًا من الحنين المعاصر إلى “الزمن الجميل” يرتبط، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بذلك العالم الذي اختفى.

كانت القاهرة والإسكندرية، خصوصًا خلال النصف الأول من القرن العشرين، مدينتين متعددتي اللغات واللهجات والأنماط الثقافية، حيث كان من الطبيعي أن يسمع المارّ في شوارع وسط البلد أو المنشية كلمات بالإيطالية أو اليونانية أو الفرنسية إلى جانب العربية، وأن يرى أسماء المحلات الأجنبية والمخابز الأوروبية والمقاهي ذات الطابع المتوسطي، وأن يعيش داخل مدينة لا تبدو منغلقة على نفسها بالكامل. لم يكن هذا التنوع مجرد زينة ثقافية، بل كان جزءًا من الإيقاع اليومي للحياة الحضرية الحديثة، وحين اختفى هذا العالم تدريجيًا، فقدت المدن المصرية شيئًا من تعدديتها ومن شعورها بالاتصال بالبحر المتوسط وبالعالم الخارجي.

خسرت مصر أيضًا جزءًا مهمًا من طبقتها البرجوازية الحضرية ذات الطابع المدني، فقد لعبت بعض الجاليات الأجنبية دورًا مهمًا في التجارة والصناعة والطباعة والسينما والموسيقى والفندقة والمطاعم والحرف الحديثة، كما شاركت في تشكيل الذوق العمراني والثقافي للمدن الكبرى. لا يعني هذا أن المصريين لم يكونوا حاضرين أو فاعلين، بل إن المشروع الثقافي المصري الحديث نفسه كان قائمًا أساسًا على نخبة مصرية واسعة، لكن وجود الجاليات الأجنبية خلق حالة من التفاعل والتنافس والتبادل الثقافي ساهمت في إنتاج مدينة أكثر حيوية وانفتاحًا.

في السينما المصرية القديمة، مثلًا، يمكن ملاحظة الحضور الواضح لهذا العالم المتوسطي المختلط، سواء في شكل المدينة أو الملابس أو الموسيقى أو أنماط الحياة أو حتى أسماء بعض الشخصيات، إذ كانت القاهرة تبدو مدينة حديثة تنتمي إلى فضاء أوسع من حدود الدولة الوطنية المغلقة. حين اختفى هذا الفضاء تدريجيًا بعد الخمسينيات والستينيات، بدأت المدينة نفسها تتحول إلى مدينة أكثر محلية وأقل كوزموبوليتانية، ثم أكثر ازدحامًا وضغطًا وانغلاقًا مع التوسع العمراني والانفجار السكاني اللاحق.

خسرت مصر كذلك جزءًا من تقاليد الحياة المدنية المرتبطة بالمجال العام، فالمقاهي الأوروبية، والنوادي، ودور السينما، والمتاجر الكبرى، والمطابع، وبعض أشكال الحياة الليلية والثقافة الحضرية، كانت مرتبطة بمجتمع مدني أكثر تنوعًا واختلاطًا. صحيح أن هذه المظاهر لم تكن تخص كل المصريين، بل ارتبط كثير منها بالطبقة الوسطى والعليا، لكن تأثيرها الرمزي والثقافي كان واسعًا داخل صورة المدينة الحديثة، وربما لهذا السبب يبدو الحنين إلى القاهرة الخديوية أو الإسكندرية القديمة، في جزء منه، حنينًا إلى فكرة “المدينة” نفسها أكثر من كونه حنينًا إلى الأجانب كأشخاص.

لكن السؤال الأهم ربما لا يتعلق فقط بما خسرته مصر، بل أيضًا بما الذي حلّ محل ذلك العالم بعد اختفائه، فخروج الجاليات الأجنبية تزامن مع صعود الدولة الوطنية المركزية بعد ثورة يوليو، وسياسات التأميم، وإعادة توزيع الثروة، وتوسيع التعليم، وتمصير الاقتصاد، وصعود شرائح اجتماعية جديدة من أبناء الطبقة الوسطى. بمعنى آخر، لم يكن المشهد مجرد “انهيار” لعالم قديم، بل كان أيضًا جزءًا من إعادة بناء المجتمع المصري على أسس مختلفة أكثر وطنية وشعبية، غير أن هذه العملية نفسها أدت، مع الوقت، إلى تراجع بعض عناصر التعددية والانفتاح الحضري التي ميّزت المرحلة السابقة.

تكمن المفارقة في أن المصريين اليوم ينظرون إلى تلك المرحلة غالبًا من خلال صور الأبيض والأسود والأفلام القديمة وعمارات وسط البلد والمقاهي الكلاسيكية، أي من خلال الذاكرة الثقافية، وليس من خلال الواقع التاريخي الكامل، فالكوزموبوليتانية المصرية لم تكن دائمًا تعبيرًا عن مساواة اجتماعية أو تعايش مثالي، لكنها مع ذلك أنتجت مدينة مختلفة وأكثر تنوعًا مما عرفته مصر لاحقًا. ربما لهذا السبب يستمر الحنين إليها حتى اليوم، ليس فقط بوصفها زمنًا مضى، وإنما باعتبارها إرثاً حضاريًا يشعر كثيرون أنه فُقد ولم يتم تعويضه بالكامل.

إن ما خسره المصريون بخروج الجاليات الأجنبية لم يكن مجرد تنوع سكاني محدود، بل خسارة شكل معين من أشكال الحياة الحضرية الحديثة التي ربطت مصر طويلًا بالفضاء المتوسطي والعالم الخارجي. مع ذلك، فإن فهم هذه الخسارة لا ينبغي أن يتحول إلى تمجيد ساذج للماضي، بقدر ما يجب أن يدفعنا إلى التساؤل: كيف يمكن لمدينة حديثة أن تكون وطنية ومنفتحة في الوقت نفسه؟ وكيف يمكن لمصر أن تستعيد حيويتها المدنية والثقافية دون أن تعيش أسيرة الحنين إلى عالم لم يعد موجودًا؟



#أيمن_زهري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اللاإنجابية في مصر: قرار فردي أم انعكاس لتحولات اجتماعية أعم ...
- قراءة أولية في تقرير الهجرة العالمي 2026
- ماذا تبقى للأكاديمي أو الكاتب أو المؤلف أو المفكر في عصر الذ ...
- وهم ربط التعليم بسوق العمل: حين يحاول المستقبل اللحاق بالماض ...
- هل يمكن إجلاء أربعين مليون أجنبي من دول الخليج إذا اتسعت الح ...
- تحويلات المصريين بالخارج 2025: قراءة في الارتفاع التاريخي ود ...
- الهجرة: الدواء المر للجمهورية الفرنسية
- قصة الهجانة السودانيين في عين شمس
- كوادر تحت الطلب: الهجرة في زمن العجز الديمغرافي العالمي
- الخروج الآمن من منظومة السيطرة الإقليمية: الإمارات، قِبلة ال ...
- اليوم الدولي للمهاجرين: احتفال سنوي وأسئلة مؤجّلة
- الجمعة السوداء … نسخة مصرية لقيطة
- العمل المرن والأزمنة السائلة
- قنبر بونابرتة وهويّة المحروسة
- المصريون القدماء: روحانية أسيء فهمها
- لماذا يكره المصريون الجولاني
- اللاجئون في العالم: بوادر تراجع بعد عقد من الارتفاع المستمر
- البناء على زخم افتتاح المتحف المصري الكبير: إعادة بعث الهوية ...
- افتتاح المتحف المصري الكبير: لحظة فرح وطنية في زمن الأزمات
- العالم العصري والنزعة الفردانية


المزيد.....




- بين ضغوط ترامب ومصالح بكين.. ماذا تكشف الأرقام عن تجارة الصي ...
- تحليل: ما الذي حصل عليه ترامب من الصين بشأن إيران حتى الآن؟ ...
- الملك تشارلز وإدريس إلبا يتشاركان منصة -دي جي- في حفل حديقة ...
- شقيقتان من غزة تحصدان جائزة لمشروع إعادة تدوير الأنقاض إلى ط ...
- -لن ننتظر طويلاً-: ترامب يلوح بالتصعيد ضد إيران وإسرائيل تست ...
- ترامب يعلن عن -صفقات تجارية مذهلة- بعد قمة أخيرة مع شي في بك ...
- هواتف -نظيفة- وشواحن -مؤمنة-.. كيف يواجه وفد ترامب فخ التجسس ...
- الجيش الإسرائيلي يوجه إنذارات لإخلاء خمس بلدات في جنوب لبنان ...
- دير شبيغل: لماذا كل هذا الخوف من هانتا؟ 7 أسئلة تشرح القلق
- ترمب: الحصول على اليورانيوم من إيران هو لأغراض دعائية


المزيد.....

- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان
- محاضرات في علم الصرف ( كتاب مخطوط ) . رقم التصنيف 485/252 ف ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - أيمن زهري - ماذا خسر المصريون بخروج الجاليات الأجنبية بعد ثورة يوليو 1952؟