أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - أيمن زهري - العمل عن بُعد… والبُعد عن العمل















المزيد.....

العمل عن بُعد… والبُعد عن العمل


أيمن زهري
كاتب وأكاديمي مصري، خبير السكان ودراسات الهجرة


الحوار المتمدن-العدد: 8714 - 2026 / 5 / 23 - 13:23
المحور: العولمة وتطورات العالم المعاصر
    


كان الإنسان المصري، حتى وقت قريب نسبيًا، يغادر بيته كل صباح كأنما يخرج إلى معركة يومية يعرف تفاصيلها مسبقًا ويحفظ هزائمها الصغيرة وانتصاراتها المحدودة، ثم يعود آخر النهار مثقلًا بالتعب وكيس فاكهة متواضع أو بطيخة تحت ذراعه أو قرطاس بلح رُطَب في موسمه، وكأن العودة نفسها لا تكتمل إلا بإشارة مادية صغيرة تؤكد أن الرجل لم يكن طوال اليوم مجرد رقم في دفتر حضور وانصراف أو جسدًا إضافيًا في طابور الموظفين الممتد من باب المؤسسة إلى مكتبه الحديدي المتواضع (كان غالباً من انتاج شركة ايديال)، إذ كانت العلاقة بين البيت والعمل علاقة واضحة وصارمة تشبه العلاقة بين الليل والنهار، فهناك مكان للحياة ومكان آخر للسعي والرزق والاحتكاك بالبشر واحتمال "مناكفاتهم" اليومية.

جاءت التكنولوجيا الحديثة، كعادتها، محملة بوعود الخلاص الإنساني الكبير، فأقنعت الناس بأن جزءًا معتبرًا من بؤسهم اليومي لا علاقة له بالعمل نفسه بل بالطريق المؤدي إليه، وبالساعات الضائعة في المواصلات، وبالاختناق داخل المدن، وبالاستيقاظ المبكر الذي يشبه العقوبة الجماعية، ثم قالت للبشر بنبرة الواثق من حكمته الرقمية إن المستقبل سيكون ألطف وأكثر رحمة، وإن الإنسان يستطيع أن يعمل من بيته، أو من مقهاه المفضّل، أو من أي مكان آخر، وإن المكتب التقليدي ليس قدرًا أبديًا.

ظهرت فكرة “العمل عن بُعد” باعتبارها واحدة من أكثر الأفكار إغراءً في العصر الحديث، ليس فقط لأنها وعدت الناس بتوفير الوقت والجهد، بل لأنها لامست حلمًا إنسانيًا قديمًا يتعلق بالتحرر من السلطة المباشرة للمكان، إذ بدا الأمر لأول وهلة كأن البشرية توصلت أخيرًا إلى المعادلة السحرية التي يمكن معها أن يحصل الإنسان على راتبه الشهري دون أن يرتدي حذاءه أصلًا، وأصبح الموظف يجلس أمام جهاز الكمبيوتر أو اللابتوب بالبيجاما بينما يشارك في اجتماعات دولية ويتحدث بلغة إنجليزية على قدّها وبثقة عالية، في الوقت الذي تمر فيه عربة الفول أسفل الشرفة ويصرخ بائع الأنابيب في الشارع وكأن مصر القديمة كلها ترفض الاعتراف بأن هذا الشخص “يعمل” بالفعل.

أنتج هذا التحول مشهدًا بالغ الغرابة والتناقض: موظفون يفتحون الكاميرات بنصف وجوههم، ومديرون يتحدثون عن “روح الفريق” بينما كل فرد يجلس وحيدًا في شقته، واجتماعات طويلة يناقش فيها الجميع ملفات يمكن اختصارها في رسالة بريد إلكتروني واحدة، ثم انطلقت موجة كاملة من الأدبيات الحديثة التي تتحدث عن “المرونة” و”تحقيق التوازن بين الحياة والعمل” و”حرية اختيار المكان،" وهي عبارات تبدو جميلة جدًا حين تُكتب في عروض الشركات، لكنها تصبح أقل شاعرية حين يكتشف الإنسان أنه لم يعد يعرف أصلًا أين ينتهي العمل وأين تبدأ حياته الخاصة.

تحول البيت تدريجيًا إلى مساحة هجينة لا هي بيت كامل ولا هي مكتب كامل، وأصبح الإنسان يعيش داخل حالة استنفار مهني دائم تجعله يرد على الرسائل في أي وقت، ويتابع بريده الإلكتروني قبل النوم وبعد الاستيقاظ وقبل الأكل وبعده، حتى اختفى ذلك الحد النفسي القديم الذي كان يمنح الإنسان شعورًا بالنجاة المؤقتة بمجرد مغادرة مكان العمل، لأن العمل الآن لم يعد مكانًا يمكن مغادرته، بل أصبح حالة إلكترونية تسكن الهاتف المحمول وتقفز إلى وجه الإنسان بإشعار صغير آناء الليل وأطراف النهار.

أنتج العمل عن بُعد، نوعًا جديدًا من “البُعد عن العمل” نفسه، ليس بمعنى البطالة أو الكسل كما قد يتصور البعض، بل بمعنى تآكل الفكرة التقليدية للعمل باعتباره فضاءً اجتماعيًا وإنسانيًا له طقوسه اليومية وعلاقاته وتوتراته وحتى سخافاته الصغيرة التي كانت تمنح الحياة شيئًا من الحيوية، إذ لم يكن المكتب مجرد مكان للإنتاج بقدر ما كان مسرحًا بشريًا كاملًا تتشكل داخله الصداقات والتحالفات والعداوات والنكات الفجّة والسخرية من المدير وشائعات الترقيات والنميمة وترتيبات الزواج والعلاقات الأسرية.

اختفى جزء كبير من هذا العالم الإنساني لصالح عالم أكثر كفاءة وربما أكثر برودة، حتى أن كثيراً من العاملين أصبحوا يشعرون بأنهم لا يعملون داخل مؤسسة حقيقية بقدر ما يؤدون مهام متفرقة داخل فراغ رقمي ضخم عديم الطعم واللون والرائحة، وهو ما يفسر ذلك الإحساس الغريب الذي ينتاب البعض في نهاية اليوم حين يكتشفون أنهم ظلوا عشر ساعات كاملة أمام الشاشة دون أن يشعروا بأن يومًا حقيقيًا قد مرّ عليهم.

تبدو المسألة في مصر أكثر تعقيدًا لأن المجتمع المصري، بطبيعته، مجتمع شديد الارتباط بفكرة “الخروج إلى العمل” بوصفها دليلًا مرئيًا على الجدية والاستقرار والمسؤولية، لذلك ما زال كثير من الآباء والأمهات ينظرون بريبة إلى الابن الذي يجلس طوال اليوم أمام الكمبيوتر داخل غرفته ثم يخبرهم في نهاية الشهر أنه يتقاضى راتبه بالدولار، بينما يبدو لهم الأمر أقرب إلى لعبة إلكترونية طويلة ومريبة أكثر منه وظيفة حقيقية، خصوصًا حين يسمعونه يتحدث طوال اليوم بكلمات مثل meeting وdeadline وonline وكأنه تحول فجأة إلى موظف في شركة أمريكية رغم أنه لم يبرح البيت منذ أسبوع وأن علاقته ببلده تم اختزالها في عمال توصيل الطلبات والوجبات السريعة التي يطلبها.

خلقت هذه التحولات نوعًا جديدًا من الاغتراب الصامت: شاب يعيش في القاهرة لكنه يعمل زمنيًا ونفسيًا داخل مدينة أخرى، يستيقظ وفق توقيتات مختلفة، ويتعامل مع ثقافة مهنية مختلفة، ويتحدث طوال يومه مع أشخاص لن يراهم غالبًا أبدًا، ثم يغلق الكمبيوتر ليجد نفسه فجأة داخل واقع محلي شديد التناقض مع العالم الذي كان يعيش فيه قبل دقائق، وهو تناقض قد يبدو طريفًا أحيانًا حين ينتقل الإنسان مباشرة من مناقشة مشروع مع شركة أجنبية إلى جدل عائلي حول فاتورة الكهرباء أو سبب بطء الإنترنت أو إزعاج التكاتك في الشارع ونباح الكلاب التي احتلت المدينة.
تبدو الدعابة هنا جزءًا من المأساة نفسها، لأن التكنولوجيا التي وعدت الإنسان بتحريره من الإرهاق منحته شكلًا جديدًا أكثر نعومة وأشد عمقًا من الاستنزاف، استنزافًا لا يرتبط بالحركة الجسدية بل بالشعور الدائم بأن الإنسان متاح للعمل طوال الوقت، وأن يومه لم يعد مقسمًا بوضوح بين وقت خاص ووقت مهني، بل تحول إلى مساحة رمادية طويلة يعيش فيها الفرد نصف موظف ونصف كائن مرهق يبحث عن حياة حقيقية.

يثير هذا التحول أسئلة فلسفية تتجاوز التكنولوجيا وسوق العمل إلى معنى الحياة الحديثة نفسها، لأن العمل لم يكن عبر التاريخ مجرد وسيلة للحصول على المال، بل كان أيضًا وسيلة لتنظيم الزمن والشعور بالقيمة والانتماء والتفاعل مع البشر، وربما لهذا السبب يشعر كثيرون اليوم، رغم كل مزايا العمل عن بُعد، بنوع غامض من الفراغ لا يستطيعون تفسيره بسهولة، إذ اكتشفت البشرية، بعد كل هذا التقدم، أن الإنسان قد يحتمل الزحام والمواصلات والضجيج أكثر مما يحتمل العزلة الطويلة داخل شاشة مضيئة.

يمكنني القول بكثير من التأكد أن العمل عن بُعد قد أدى بنا إلى مفارقة شديدة الغرابة: البشرية التي كانت تحلم يومًا بتحرير الإنسان من المكتب اكتشفت، بعد سنوات قليلة فقط، أن المشكلة لم تكن في المكتب وحده، بل في الحاجة الإنسانية القديمة إلى الإحساس بأننا نعيش بالفعل مع آخرين داخل عالم حقيقي، لا داخل سلسلة لا تنتهي من الاجتماعات الافتراضية والإشعارات الصامتة والشاشات.



#أيمن_زهري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- خرافة التفكير النقدي: لماذا لا نحب الأسئلة الصعبة؟
- المشكلة السكانية في مصر: مواليد أقل وزحام أكبر
- ماذا خسر المصريون بخروج الجاليات الأجنبية بعد ثورة يوليو 195 ...
- اللاإنجابية في مصر: قرار فردي أم انعكاس لتحولات اجتماعية أعم ...
- قراءة أولية في تقرير الهجرة العالمي 2026
- ماذا تبقى للأكاديمي أو الكاتب أو المؤلف أو المفكر في عصر الذ ...
- وهم ربط التعليم بسوق العمل: حين يحاول المستقبل اللحاق بالماض ...
- هل يمكن إجلاء أربعين مليون أجنبي من دول الخليج إذا اتسعت الح ...
- تحويلات المصريين بالخارج 2025: قراءة في الارتفاع التاريخي ود ...
- الهجرة: الدواء المر للجمهورية الفرنسية
- قصة الهجانة السودانيين في عين شمس
- كوادر تحت الطلب: الهجرة في زمن العجز الديمغرافي العالمي
- الخروج الآمن من منظومة السيطرة الإقليمية: الإمارات، قِبلة ال ...
- اليوم الدولي للمهاجرين: احتفال سنوي وأسئلة مؤجّلة
- الجمعة السوداء … نسخة مصرية لقيطة
- العمل المرن والأزمنة السائلة
- قنبر بونابرتة وهويّة المحروسة
- المصريون القدماء: روحانية أسيء فهمها
- لماذا يكره المصريون الجولاني
- اللاجئون في العالم: بوادر تراجع بعد عقد من الارتفاع المستمر


المزيد.....




- لماذا تُبحر سفن الرحلات البحرية إلى وجهة وهمية لا تظهر على أ ...
- ردا على إغلاق -المركز الإسلامي-.. إيران تستدعي سفير ألمانيا ...
- تقارير: أموال وثروات ضخمة لملالي إيران في ألمانيا وأوروبا
- -أسطول غزة-: منع الوزير الإسرائيلي إيتمار بن غفير من دخول ال ...
- الطيران الخليجي يسجل أعلى معدلات التشغيل منذ اندلاع حرب إيرا ...
- سيارات كهربائية خارقة وإس يو في عربية.. أبرز مفاجآت السيارات ...
- مفاعلات الثوريوم.. التقنية التي تراهن على نووي أكثر أمانا
- عاجل | ترمب ينشر على منصة تروث سوشال خريطة إيران مظللة بالعل ...
- عامل صيانة يتغلب على ارتفاع أسعار الوقود بطريقة مبتكرة.. شاه ...
- ستة حيوانات نادرة من نوع اعتُقد أنه انقرض تبصر النور في حديق ...


المزيد.....

- ألمانيا..الحياة والمجهول / ملهم الملائكة
- كتاب : العولمة وآثارها على الوضع الدولي والعربي / غازي الصوراني
- نبذ العدمية: هل نكون مخطئين حقًا: العدمية المستنيرة أم الطبي ... / زهير الخويلدي
- Express To Impress عبر لتؤثر / محمد عبد الكريم يوسف
- التدريب الاستراتيجي مفاهيم وآفاق / محمد عبد الكريم يوسف
- Incoterms 2000 القواعد التجارية الدولية / محمد عبد الكريم يوسف
- النتائج الايتيقية والجمالية لما بعد الحداثة أو نزيف الخطاب ف ... / زهير الخويلدي
- قضايا جيوستراتيجية / مرزوق الحلالي
- ثلاثة صيغ للنظرية الجديدة ( مخطوطات ) ....تنتظر دار النشر ال ... / حسين عجيب
- الكتاب السادس _ المخطوط الكامل ( جاهز للنشر ) / حسين عجيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - أيمن زهري - العمل عن بُعد… والبُعد عن العمل