أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - أيمن زهري - المشكلة السكانية في مصر: مواليد أقل وزحام أكبر














المزيد.....

المشكلة السكانية في مصر: مواليد أقل وزحام أكبر


أيمن زهري
كاتب وأكاديمي مصري، خبير السكان ودراسات الهجرة


الحوار المتمدن-العدد: 8707 - 2026 / 5 / 16 - 18:19
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


لم أكن أنوي الكتابة في هذا الموضوع، ليس لأن القضية فقدت أهميتها، بل لأن الكتابات حول “المشكلة السكانية” في مصر أصبحت كثيرة إلى حد يجعل أي إضافة جديدة تبدو، للوهلة الأولى، مجرد تكرار لما قيل سابقًا. شعرت لفترة أن المجال قد امتلأ بالأرقام والشعارات والتحليلات، وأن أي رأي جديد قد لا يضيف شيئًا ملموسًا إلى النقاش العام، لكنني وجدت خلال الأشهر الأخيرة أن هناك خلطًا كبيرًا في المفاهيم لدى بعض الأصدقاء من خارج التخصص، إذ يتصور كثيرون أن انخفاض معدلات الإنجاب في مصر يعني ببساطة انتهاء المشكلة السكانية، بينما يرى آخرون أن الأزمة ما زالت كما كانت قبل ثلاثين أو أربعين عامًا، وكأن شيئًا لم يتغير. الحقيقة أن الأمرين غير دقيقين، لأن المشكلة السكانية في مصر لم تختفِ، لكنها تغيّرت جذريًا، وانتقلت من كونها قضية “عدد سكان” إلى قضية “إدارة عمران ومجال حضري وجودة حياة."

القاهرة اليوم تقدم المثال الأوضح على ذلك، فالإحساس الطاغي بالزحام والاختناق والتوتر اليومي لا يرتبط فقط بزيادة عدد السكان، بل بطريقة إدارة المدينة نفسها. يمكن بالطبع لملايين من البشر العيش داخل مدن كثيفة دون هذا القدر من الفوضى، كما هو الحال في الصين والولايات المتحدة، إذا وُجد تخطيط حضري حقيقي يحافظ على المجال العام وينظم الحركة والأنشطة الاقتصادية ويمنع التعدي المستمر على الشوارع والأرصفة. ما حدث في مصر خلال عقود طويلة أن النمو العمراني تم بصورة عشوائية سمحت بتحويل أجزاء واسعة من المدن إلى كتل خرسانية شديدة الكثافة فاقدة للهواء والضوء والسيولة البصرية والحركية، حتى أصبح الإنسان يشعر بأنه يعيش داخل زحام دائم حتى في الأحياء التي لم تعد تشهد انفجارًا سكانيًا بالمعنى التقليدي.
التوسع الرأسي غير المنضبط لعب دورًا كبيرًا في هذه الحالة، فكثير من المناطق لم تُصمم أصلًا لتحمل هذا العدد من الأدوار السكنية أو السيارات أو الأنشطة التجارية، لكن غياب الانضباط العمراني حوّل الشوارع الضيقة إلى ممرات خانقة، وأدى إلى تآكل المساحات العامة واختفاء الأرصفة وتحولها إلى امتداد للمحال أو المقاهي أو الانتظار العشوائي. لهذا لم يعد الحديث عن خفض ارتفاعات المباني مجرد قضية جمالية أو رفاهية تخطيطية، بل أصبح ضرورة مرتبطة بجودة الحياة نفسها، لأن المدينة لا تُقاس فقط بعدد الوحدات السكنية التي تحتويها، بل بقدرتها على التنفس والحركة واستيعاب البشر دون إنهاكهم نفسيًا وعصبيًا.
في المقابل، يمثل التوسع الأفقي عبر المدن الجديدة محاولة ضرورية لإعادة توزيع السكان والأنشطة الاقتصادية خارج الوادي القديم المكتظ، لكن نجاح هذه المدن لا يتحقق ببناء العمارات والطرق الواسعة فقط، لأن المدينة الجاذبة للشباب ليست مشروعًا عقاريًا ضخمًا، بل مكان يوفر فرص العمل والنقل الجيد والخدمات والحياة اليومية الطبيعية والمساحات المفتوحة والشعور بالانتماء. في هذا الشأن، نحن أن الكثير من المدن الجديدة في مصر ما زال يعاني من كونه “مدينة نوم” يعود سكانها كل صباح إلى القاهرة للعمل ثم يرجعون ليلًا، بينما تحتاج مصر إلى مدن تمتلك اقتصادًا حقيقيًا وحياة حضرية كاملة تجعل الشباب قادرين على بناء مستقبلهم هناك بدل استمرار التكدس داخل القاهرة الكبرى.
المشكلة الأخطر ربما تتمثل في ظهور ما يمكن تسميته “العشوائيات الجديدة”، وهي ليست بالضرورة مناطق سكنية فقيرة كما كان الحال قديمًا، بل أنماط يومية من الفوضى تبتلع المجال العام تدريجيًا، التكاتك والتروسيكلات والموتوسيكلات غير المنظمة، والمواقف العشوائية، واحتلال الأرصفة، والفرش التجاري، والأكشاك المؤقتة التي تتحول إلى دائمة، والتوسع المستمر في استغلال أي مساحة فارغة كنشاط هامشي، كلها ظواهر تصنع شعورًا هائلًا بالازدحام حتى عندما لا يكون المكان مكتظًا سكانيًا بالمعنى العددي. المدينة تفقد تدريجيًا قدرتها على التنظيم، ويشعر المواطن أن المجال العام لم يعد مخصصًا للحركة أو الراحة أو الجمال، بل أصبح ساحة مفتوحة للفوضى والتعدي المستمر.
المفارقة أن الدولة نجحت نجاحاً كبيراً في إزالة العشوائيات السكنية الكبرى، لكنها ما زالت تواجه تحديًا أصعب يتمثل في منع إعادة إنتاج العشوائية بشكل يومي داخل الشارع نفسه. المسألة لم تعد مجرد إسكان، بل ثقافة حضرية كاملة تحتاج إلى إعادة بناء، لأن المدينة الحديثة لا تقوم فقط على العمارات الجديدة والكباري والمحاور فقط، بل على احترام المجال العام وفرض النظام ومنع تحول كل شارع إلى سوق وكل رصيف إلى نشاط خاص وكل مساحة فارغة إلى احتلال مؤقت يتحول مع الوقت إلى أمر واقع.
لهذا يبدو لي أن السؤال الحقيقي لم يعد: “هل انتهت المشكلة السكانية في مصر؟”، بل أصبح: “كيف نجعل المدن المصرية قابلة للحياة من جديد؟”. هنا تحديدًا تكمن القضية التي سوف تحدد شكل الحياة المصرية خلال العقود القادمة، لأن المواطن لا يعيش داخل الأرقام والإحصاءات، بل يعيش داخل شارع وحي ومدينة، وإذا فقدت المدينة قدرتها على التنظيم والجاذبية والراحة البصرية والنفسية، فلن يشعر الناس أبدًا بأن المشكلة السكانية قد انتهت، حتى لو انخفضت معدلات الإنجاب بصورة كبيرة.



#أيمن_زهري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ماذا خسر المصريون بخروج الجاليات الأجنبية بعد ثورة يوليو 195 ...
- اللاإنجابية في مصر: قرار فردي أم انعكاس لتحولات اجتماعية أعم ...
- قراءة أولية في تقرير الهجرة العالمي 2026
- ماذا تبقى للأكاديمي أو الكاتب أو المؤلف أو المفكر في عصر الذ ...
- وهم ربط التعليم بسوق العمل: حين يحاول المستقبل اللحاق بالماض ...
- هل يمكن إجلاء أربعين مليون أجنبي من دول الخليج إذا اتسعت الح ...
- تحويلات المصريين بالخارج 2025: قراءة في الارتفاع التاريخي ود ...
- الهجرة: الدواء المر للجمهورية الفرنسية
- قصة الهجانة السودانيين في عين شمس
- كوادر تحت الطلب: الهجرة في زمن العجز الديمغرافي العالمي
- الخروج الآمن من منظومة السيطرة الإقليمية: الإمارات، قِبلة ال ...
- اليوم الدولي للمهاجرين: احتفال سنوي وأسئلة مؤجّلة
- الجمعة السوداء … نسخة مصرية لقيطة
- العمل المرن والأزمنة السائلة
- قنبر بونابرتة وهويّة المحروسة
- المصريون القدماء: روحانية أسيء فهمها
- لماذا يكره المصريون الجولاني
- اللاجئون في العالم: بوادر تراجع بعد عقد من الارتفاع المستمر
- البناء على زخم افتتاح المتحف المصري الكبير: إعادة بعث الهوية ...
- افتتاح المتحف المصري الكبير: لحظة فرح وطنية في زمن الأزمات


المزيد.....




- بين فيلمين و20 عامًا من الموضة.. كيف تحولت إطلالات آن هاثاوا ...
- سعد لمجرد يعلن عودته إلى منزله بعد حكم قضائي بسجنه في فرنسا ...
- شاهد.. دبّان أسودان نادران يستمتعان بالاستحمام معًا داخل حدي ...
- مقتل قيادي في -داعش- بعملية أمريكية ? نيجيرية.. ماذا قال ترا ...
- شهد توقفًا لدقائق.. أنغام تحيي حفلا جماهيريًا بالقاهرة
- طفل غزة المتنازع على أبوّته ينتظر الحقيقة المؤجلة
- الإمارات ترد على إيران: لا نحتاج حماية من أحد ولدينا القدرة ...
- تحالف الدعم السريع -تأسيس- يطلب حواراً مع واشنطن
- برشلونة يعلن رسمياً رحيل مهاجمه ليفاندوفسكي
- أرسطو.. تلميذ أفلاطون و-المعلم الأول- للمنطق


المزيد.....

- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - أيمن زهري - المشكلة السكانية في مصر: مواليد أقل وزحام أكبر