أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - أيمن زهري - لماذا لا يحب المصريون السيارات الكهربائية؟














المزيد.....

لماذا لا يحب المصريون السيارات الكهربائية؟


أيمن زهري
كاتب وأكاديمي مصري، خبير السكان ودراسات الهجرة


الحوار المتمدن-العدد: 8746 - 2026 / 6 / 24 - 12:54
المحور: العولمة وتطورات العالم المعاصر
    


رغم الضجيج العالمي المصاحب للسيارات الكهربائية، ورغم التوقعات المتفائلة بأن تصبح خلال سنوات قليلة الخيار السائد في العديد من دول العالم، فإن استقبالها في مصر لا يزال فاتراً، فالمصري الذي أقبل بحماس على الهاتف الذكي وتطبيقات النقل الذكي والتجارة الإلكترونية، لا يبدو متحمساً بالقدر نفسه لاقتناء سيارة كهربائية، والسؤال هنا ليس تقنياً بقدر ما هو اجتماعي وثقافي: لماذا لا يحب المصريون السيارات الكهربائية؟

قد يكون من السهل إرجاع الأمر إلى ضعف البنية التحتية أو قلة محطات الشحن، لكن الحقيقة أكثر تعقيداً من ذلك، فجزء كبير من المشكلة يتعلق بالصورة الذهنية التي يحملها المصري عن السيارة نفسها. السيارة في الوعي المصري ليست مجرد وسيلة انتقال، لكنها رمز للقوة والاعتمادية والاستقلالية. يحب المصري أن يشعر بأن سيارته قادرة على نقله إلى أي مكان وفي أي وقت دون تخطيط مسبق أو حسابات معقدة. ولذلك فإن فكرة الارتباط بمدى محدد للبطارية أو البحث عن محطة شحن تثير شعوراً بفقدان جزء من الحرية التي اعتادها مع السيارات التقليدية.

هناك أيضاً عامل نفسي مهم يتعلق بالأداء، فالصوت بالنسبة لكثير من المصريين جزء من شخصية السيارة. صوت المحرك القوي يمنح شعوراً بالقوة والحضور، أما السيارة الكهربائية، بصمتها شبه الكامل، فتبدو للبعض وكأنها جهاز منزلي كبير أو عربة جولف مطورة أكثر منها سيارة حقيقية. هذا الانطباع قد لا يكون صحيحاً من الناحية الفنية، لكنه حاضر بقوة في أذهان كثيرين.

تلعب الخبرة اليومية مع بطاريات الهواتف المحمولة دوراً لا يقل أهمية، فمعظم الناس مروا بتجربة بطارية هاتف كانت تعمل بكفاءة في البداية ثم تراجعت قدرتها تدريجياً مع مرور الوقت. هذه التجربة تنتقل تلقائياً إلى السيارة الكهربائية، وكثيرون يتخيلون السيارة باعتبارها “هاتفاً ذكياً ضخماً على أربع عجلات” ويتوقعون أن تواجه البطارية المصير نفسه بعد سنوات قليلة من الاستخدام.

من هنا يظهر أحد أكبر مصادر القلق: تكلفة البطارية، فالمصري معتاد على إمكانية إصلاح معظم مكونات السيارة التقليدية بشكل تدريجي، أما البطارية الكهربائية فتُنظر إليها باعتبارها وحدة واحدة ضخمة ومكلفة، ويخشى كثيرون أن يتحول استبدالها يوماً ما إلى عبء مالي هائل. قد تكون هذه المخاوف مبالغاً فيها أحياناً، لكنها تظل مؤثرة في قرارات الشراء.

العامل الاقتصادي بدوره حاضر بقوة، فالسيارات الكهربائية في مصر لا تزال تُعرض بأسعار يعتبرها كثيرون مرتفعة مقارنة بالبدائل التقليدية، وعندما يجد المستهلك نفسه مطالباً بدفع مبلغ أكبر للحصول على سيارة لا يزال متردداً في الثقة بها، فإن قرار الشراء يصبح أكثر صعوبة، فالمشتري المصري لا يقارن فقط بين تكلفة التشغيل، بل يقارن أيضاً بين السعر الحالي، وقيمة إعادة البيع المستقبلية وتوافر الصيانة وقطع الغيار.

هذا بالاضافة إلى أن معظم السيارات الكهربائية المتاحة في السوق المصرية تأتي من الصين، ورغم أن الصين أصبحت القوة العالمية الأولى تقريباً في صناعة السيارات الكهربائية وتقنيات البطاريات، فإن صورة المنتجات الصينية لدى قطاعات من المستهلكين المصريين لا تزال متأثرة بأحكام قديمة تشكلت في زمن كانت فيه المنتجات الصينية مرتبطة بالسلع الرخيصة منخفضة الجودة، ولذلك لا يزال البعض ينظر إلى السيارة الكهربائية الصينية بعين الشك، حتى وإن كانت تتفوق تقنياً على كثير من منافسيها.

يضاف إلى ذلك غياب سوق مستقرة للسيارات الكهربائية المستعملة، فالمصري يشتري السيارة وهو يفكر منذ اللحظة الأولى في إمكانية بيعها لاحقاً، وعندما لا يعرف كيف سيكون وضع السوق بعد خمس سنوات، أو كم ستبلغ قيمة السيارة عند إعادة بيعها، فإنه يفضل غالباً الخيار الأكثر تقليدية والأكثر وضوحاً.

في النهاية، لا يبدو أن المصريين يرفضون السيارات الكهربائية بسبب التكنولوجيا نفسها، فالمشكلة الحقيقية تكمن في مزيج من المخاوف الاقتصادية والثقافية والنفسية. سيارة غالية الثمن وصامتة وتعتمد على بطارية يخشاها الناس وتحتاج إلى محطات شحن لم تكتمل بعد ويصعب التنبؤ بقيمتها المستقبلية. هذه كلها عوامل تجعل التردد أمراً مفهوماً.

مع ذلك، يعلمنا التاريخ أن المواقف المجتمعية من التكنولوجيا ليست ثابتة، فقبل عقود قليلة كان الهاتف المحمول يُنظر إليه باعتباره رفاهية غير ضرورية، ثم أصبح جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية، وربما يأتي يوم تصبح فيه السيارات الكهربائية أمراً مألوفاً في الشوارع المصرية، لكن ذلك لن يتحقق بمجرد طرح المزيد من الطرازات الجديدة، بل يحتاج قبل كل شيء إلى بناء الثقة: الثقة في التكنولوجيا والثقة في السوق والثقة في المستقبل.



#أيمن_زهري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اليوم العالمي للاجئين: كيف نمنع إنتاج اللاجئين؟
- مأزق الندرة السكانية في الخليج: هل حان وقت توسيع الجماعة الو ...
- من أسواق الرقيق إلى فيلم أسد: صفحة منسية من التاريخ الاجتماع ...
- هل انتهى زمن الإعلام الجماهيري؟
- لماذا يزيد عدد سكان العالم رغم تراجع الخصوبة؟
- هل انتهى العقد الاجتماعي؟
- لماذا يتراجع البشر عن الإنجاب؟
- العمل عن بُعد… والبُعد عن العمل
- خرافة التفكير النقدي: لماذا لا نحب الأسئلة الصعبة؟
- المشكلة السكانية في مصر: مواليد أقل وزحام أكبر
- ماذا خسر المصريون بخروج الجاليات الأجنبية بعد ثورة يوليو 195 ...
- اللاإنجابية في مصر: قرار فردي أم انعكاس لتحولات اجتماعية أعم ...
- قراءة أولية في تقرير الهجرة العالمي 2026
- ماذا تبقى للأكاديمي أو الكاتب أو المؤلف أو المفكر في عصر الذ ...
- وهم ربط التعليم بسوق العمل: حين يحاول المستقبل اللحاق بالماض ...
- هل يمكن إجلاء أربعين مليون أجنبي من دول الخليج إذا اتسعت الح ...
- تحويلات المصريين بالخارج 2025: قراءة في الارتفاع التاريخي ود ...
- الهجرة: الدواء المر للجمهورية الفرنسية
- قصة الهجانة السودانيين في عين شمس
- كوادر تحت الطلب: الهجرة في زمن العجز الديمغرافي العالمي


المزيد.....




- أزياء جريئة للنجمات تخطف الأضواء في عرض -سان لوران- الرجالي ...
- كبير مفاوضي إيران يبين الأساس لأي اتفاق مع دول الخليج والجير ...
- تدشين نصب تذكاري للبحارة الروس في جزيرة موريشيوس بالمحيط اله ...
- الإعلام العبري يشن هجوماً على اتفاق واشنطن وطهران: إسرائيل ت ...
- إيران: هجوم سيبراني يضرب نظام البطاقات المصرفية ويعطل خدمات ...
- الأمن المصري يوجه ضربة استباقية لبؤر شديدة الخطورة
- مصر.. توفيق عكاشة يحدد سعرا بالدولار لظهوره في الإعلام
- لبنان يسلم 128 محكوما سوريا إلى دمشق ضمن اتفاقية تبادل السجن ...
- عون: التفاوض مع إسرائيل مستمر في واشنطن ومنفصل عن اجتماعات س ...
- قاليباف: مذكرة التفاهم مع واشنطن إعلان هزيمة لها ولتل أبيب


المزيد.....

- تحلل اللاهوت الليبرالي: صعود وسقوط الهيمنة الاقتصادية الأمري ... / مجدى عبد الهادى
- ألمانيا..الحياة والمجهول / ملهم الملائكة
- كتاب : العولمة وآثارها على الوضع الدولي والعربي / غازي الصوراني
- نبذ العدمية: هل نكون مخطئين حقًا: العدمية المستنيرة أم الطبي ... / زهير الخويلدي
- Express To Impress عبر لتؤثر / محمد عبد الكريم يوسف
- التدريب الاستراتيجي مفاهيم وآفاق / محمد عبد الكريم يوسف
- Incoterms 2000 القواعد التجارية الدولية / محمد عبد الكريم يوسف
- النتائج الايتيقية والجمالية لما بعد الحداثة أو نزيف الخطاب ف ... / زهير الخويلدي
- قضايا جيوستراتيجية / مرزوق الحلالي
- ثلاثة صيغ للنظرية الجديدة ( مخطوطات ) ....تنتظر دار النشر ال ... / حسين عجيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - أيمن زهري - لماذا لا يحب المصريون السيارات الكهربائية؟