أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - أيمن زهري - هل انتهى زمن الإعلام الجماهيري؟














المزيد.....

هل انتهى زمن الإعلام الجماهيري؟


أيمن زهري
كاتب وأكاديمي مصري، خبير السكان ودراسات الهجرة


الحوار المتمدن-العدد: 8726 - 2026 / 6 / 4 - 14:04
المحور: العولمة وتطورات العالم المعاصر
    


كان القرن العشرين، إلى حد بعيد، قرن الإعلام الجماهيري. كانت الصحيفة اليومية ومحطة الإذاعة والقناة التلفزيونية والفيلم السينمائي والمسرحية، أدوات قادرة على صناعة الرأي العام وتوجيهه وحشد الجماهير خلف فكرة أو زعيم أو مشروع سياسي أو اجتماعي. كانت الرسالة تنطلق من مركز واحد وتصل إلى ملايين المتلقين وكانت العلاقة بين المرسل والمتلقي علاقة غير متكافئة، فقلة قليلة تتحدث بينما تستمع الأغلبية الصامتة.

كانت هذه المنظومة تقوم على احتكار وسائل الإنتاج الإعلامي بسبب ضخامة تكلفة أدوات البث. إن امتلاك صحيفة كان يحتاج إلى رأس مال كبير وإطلاق محطة إذاعية أو قناة تلفزيونية كان يحتاج إلى تراخيص وتجهيزات معقدة وإنتاج فيلم سينمائي أو مسلسل تلفزيوني كان يتطلب مؤسسات ضخمة وموارد لا تتوفر إلا للدولة أو لكبار المستثمرين، لذلك استطاعت الأنظمة السياسية، بدرجات متفاوتة، أن تمارس نفوذها على المجال العام وأن تؤثر في اتجاهات الرأي العام من خلال السيطرة المباشرة أو غير المباشرة على وسائل الإعلام.

شهدت العقود الأخيرة تحولاً جذرياً لم تعرف البشرية له مثيلاً منذ اختراع الطباعة، لم يكن هذا التحول نتيجة ثورة سياسية أو فكرية، بل جاء من جيب كل إنسان تقريباً، إنه الهاتف المحمول الذكي الذي لم يكن مجرد وسيلة اتصال جديدة، بل كان وسيلة إعلام كاملة واستوديو تصوير ومحطة بث وصحيفة إلكترونية ومطبعة رقمية ومسرحاً مفتوحاً في الوقت نفسه. أصبح كل فرد قادراً على إنتاج المحتوى ونشره والوصول به إلى جمهور واسع دون الحاجة إلى المرور عبر المؤسسات الإعلامية التقليدية.

أدى هذا التحول إلى انهيار الحواجز التي كانت تفصل بين المنتج والمتلقي، ولم يعد الصحفي وحده من يكتب الخبر ولم يعد الإعلامي وحده من يعلق على الأحداث ولم يعد المثقف وحده من يقدم تفسيراً للواقع، وارتفع صوت الجماهير إلى مستويات غير مسبوقة وأصبح المجال العام مفتوحاً أمام الجميع بلا استثناء، حيث امتلك الجميع الحق نفسه في الحديث والتعليق والنقد والتأثير، سواء كانوا خبراء أو هواة، علماء أو مدعين، مثقفين أو أصحاب نظريات المؤامرة.

لم تخسر الصحافة والإعلام التقليديان جمهوراً فحسب، بل خسرا أيضاً موقعهما المتميز بوصفهما الوسيط الحصري بين الحدث والجمهور، إذ لم يعد المواطن ينتظر نشرة الأخبار التاسعة مساءً وصوت الأستاذ أحمد سمير المتميز ليعرف ما جرى، بل يشاهد الحدث مباشرة على هاتفه المحمول، وربما قبل أن تصل إليه كاميرات القنوات الفضائية، كما لم تعد الصحف اليومية قادرة على منافسة التدفق اللحظي للمعلومات، ولم يعد المذيع الشهير يحتكر التأثير كما كان يفعل في الماضي ولم تعد الصحافة سلطة رابعة كما كنا نردد حتى وقت قريب وذهبت الجلالة عن صاحبة الجلالة.

أصبحنا نعيش في عالم لا تعاني فيه المجتمعات من نقص المعلومات، بل من فيضها، كانت المشكلة القديمة هي الحصول على المعلومة، أما المشكلة الجديدة فهي التمييز بين الحقيقة والزيف وسط بحر هائل من المحتوى المتدفق على مدار الساعة بعد أن تحولت الندرة الإعلامية التي ميزت القرن العشرين إلى وفرة مفرطة يصعب السيطرة عليها أو تنظيمها أو حتى استيعابها.

لا يعني ذلك أن السلطة اختفت من المجال الإعلامي، لكنها انتقلت من مكان إلى آخر. كانت السلطة في الماضي تتركز في يد مالكي الصحف والقنوات التلفزيونية، أما اليوم فقد أصبحت موزعة بين شركات التكنولوجيا العملاقة وخوارزميات المنصات الرقمية والمؤثرين القادرين على جذب الانتباه، ولم يعد السؤال من يملك المطبعة أو القناة الفضائية، بل من يملك القدرة على الوصول إلى الجمهور وسط مليارات الرسائل المتنافسة.

أدى هذا التحول إلى تراجع المكانة الاجتماعية للصحفيين والإعلاميين والمثقفين التقليديين. لم يعد المجتمع يمنحهم الامتياز الذي كان يمنحه لهم في السابق لأنهم لم يعودوا البوابة الوحيدة للمعرفة والمعلومات، وأصبح من المعتاد أن نرى الأستاذ الجامعي ينافس صانع محتوى لا يحمل أي مؤهل أكاديمي، وأصبح الكاتب ينافس ناشطاً مجهولاً يمتلك ملايين المتابعين، وأصبح الرأي المتخصص مجرد صوت بين آلاف الأصوات الأخرى.

قد يبدو هذا التطور انتصاراً للديمقراطية الإعلامية، لكنه يحمل في الوقت نفسه وجهاً آخر أكثر تعقيداً، صحيح أن فتح المجال أمام الجميع أدى إلى تحرير النقاش العام من الاحتكار، لكنه أدى أيضاً إلى صعود الشعبوية والمعلومات المضللة وخطابات الكراهية والسطحية الفكرية، لم تعد المشكلة في إسكات الأصوات، بل في الضجيج الهائل الذي يجعل من الصعب سماع أي صوت بوضوح.

لهذا السبب لا أعتقد أن السؤال الصحيح هو: هل انتهى زمن الإعلام الجماهيري؟ فالإعلام الجماهيري ما زال موجوداً بأشكال جديدة، وما زالت بعض المنصات قادرة على الوصول إلى مئات الملايين من البشر في اللحظة نفسها، لكن السؤال الأصح هو: هل انتهى عصر الاحتكار الإعلامي؟ وهنا تبدو الإجابة أقرب إلى اليقين.

انتقل العالم من عصر كانت فيه قلة قليلة تتحدث وتستمع إليها الأغلبية، إلى عصر يتحدث فيه الجميع في الوقت نفسه، لم يعد هناك مصدر واحد للرواية ولم يعد هناك صوت واحد قادر على احتكار الحقيقة أو تفسير الواقع أو توجيه الجماهير كما كان يحدث في الماضي. انتهى عصر الحشد الإعلامي التقليدي، وبدأ عصر "التشتت الإعلامي" الكبير.

لن تعود عجلة الزمن إلى الخلف، ولن تعود الصحيفة أو الإذاعة أو التلفزيون إلى الموقع الذي احتلته في القرن الماضي، ليست هذه مسألة اختيار سياسي أو قرار إداري أو رغبة ثقافية، بل هي نتيجة مباشرة لتحول تكنولوجي غير طريقة إنتاج المعرفة وتداولها واستهلاكها، كما غيرت الطباعة وجه العالم قبل قرون، غير الهاتف المحمول وجه العالم في أقل من جيل واحد، وربما لم ندرك بعد كل النتائج التي سوف تترتب على ذلك.



#أيمن_زهري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لماذا يزيد عدد سكان العالم رغم تراجع الخصوبة؟
- هل انتهى العقد الاجتماعي؟
- لماذا يتراجع البشر عن الإنجاب؟
- العمل عن بُعد… والبُعد عن العمل
- خرافة التفكير النقدي: لماذا لا نحب الأسئلة الصعبة؟
- المشكلة السكانية في مصر: مواليد أقل وزحام أكبر
- ماذا خسر المصريون بخروج الجاليات الأجنبية بعد ثورة يوليو 195 ...
- اللاإنجابية في مصر: قرار فردي أم انعكاس لتحولات اجتماعية أعم ...
- قراءة أولية في تقرير الهجرة العالمي 2026
- ماذا تبقى للأكاديمي أو الكاتب أو المؤلف أو المفكر في عصر الذ ...
- وهم ربط التعليم بسوق العمل: حين يحاول المستقبل اللحاق بالماض ...
- هل يمكن إجلاء أربعين مليون أجنبي من دول الخليج إذا اتسعت الح ...
- تحويلات المصريين بالخارج 2025: قراءة في الارتفاع التاريخي ود ...
- الهجرة: الدواء المر للجمهورية الفرنسية
- قصة الهجانة السودانيين في عين شمس
- كوادر تحت الطلب: الهجرة في زمن العجز الديمغرافي العالمي
- الخروج الآمن من منظومة السيطرة الإقليمية: الإمارات، قِبلة ال ...
- اليوم الدولي للمهاجرين: احتفال سنوي وأسئلة مؤجّلة
- الجمعة السوداء … نسخة مصرية لقيطة
- العمل المرن والأزمنة السائلة


المزيد.....




- خاتمة لا تُنسى للموسم الثاني من مسلسل -المدينة البعيدة-
- شاهد.. ترامب يُشبّه -بركة الانعكاس- في نصب لنكولن بناطحات ال ...
- -استسلام-.. الأمين العام لـ-حزب الله- يعلق على اتفاق لبنان و ...
- معارك إقليم النيل الأزرق بالسودان تدفع الآلاف نحو المجهول
- مظاهرات في ألبانيا ضد مشروع عقاري فخم على صلة بصهر ترامب
- ليبيا: عمالة غير مدربة في الأفران والمطاعم تهدد سلامة الغذاء ...
- اغتالت الحروب غاباتها.. أشجار صغيرة تبعث آمالا كبيرة في أفغا ...
- العصيان المدني.. خيار الحريديم أمام -خيانة- نتنياهو
- في أفغانستان والعراق.. لماذا تعجز الطائرات الأمريكية عن الطي ...
- بعد صراع مع المرض.. رحيل إمام الأقصى الشيخ وليد صيام


المزيد.....

- تحلل اللاهوت الليبرالي: صعود وسقوط الهيمنة الاقتصادية الأمري ... / مجدى عبد الهادى
- ألمانيا..الحياة والمجهول / ملهم الملائكة
- كتاب : العولمة وآثارها على الوضع الدولي والعربي / غازي الصوراني
- نبذ العدمية: هل نكون مخطئين حقًا: العدمية المستنيرة أم الطبي ... / زهير الخويلدي
- Express To Impress عبر لتؤثر / محمد عبد الكريم يوسف
- التدريب الاستراتيجي مفاهيم وآفاق / محمد عبد الكريم يوسف
- Incoterms 2000 القواعد التجارية الدولية / محمد عبد الكريم يوسف
- النتائج الايتيقية والجمالية لما بعد الحداثة أو نزيف الخطاب ف ... / زهير الخويلدي
- قضايا جيوستراتيجية / مرزوق الحلالي
- ثلاثة صيغ للنظرية الجديدة ( مخطوطات ) ....تنتظر دار النشر ال ... / حسين عجيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - أيمن زهري - هل انتهى زمن الإعلام الجماهيري؟