أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - أيمن زهري - لماذا يزيد عدد سكان العالم رغم تراجع الخصوبة؟














المزيد.....

لماذا يزيد عدد سكان العالم رغم تراجع الخصوبة؟


أيمن زهري
كاتب وأكاديمي مصري، خبير السكان ودراسات الهجرة


الحوار المتمدن-العدد: 8717 - 2026 / 5 / 26 - 18:02
المحور: العولمة وتطورات العالم المعاصر
    


يبدو المشهد السكاني العالمي للوهلة الأولى وكأنه يحمل تناقضًا يصعب فهمه، فالأخبار والتقارير الدولية تتحدث منذ سنوات عن انخفاض معدلات الخصوبة في معظم دول العالم، وعن دخول البشرية عصر "الشتاء الديموغرافي" في بعض المناطق، وعن عزوف متزايد عن الزواج والإنجاب، ثم نفاجأ في ذات الوقت بأن عدد سكان العالم يواصل الارتفاع عامًا بعد آخر، حتى تجاوز ثمانية مليارات نسمة حالياً، وكأن العالم ينجب أكثر رغم أن النساء يلدن أقل، وهو ما يدفع كثيرين إلى الاعتقاد بأن هناك خللًا أو خداعًا في الأرقام ذاتها، بينما تكمن الحقيقة في طبيعة المؤشرات السكانية وكيفية قراءتها وفهمها عبر الزمن.

يبدو المشهد الديموغرافي العالمي للوهلة الأولى وكأنه يحمل تناقضًا يصعب فهمه، فالعالم يتحدث منذ سنوات عن انخفاض الخصوبة وتراجع الرغبة في الإنجاب، ثم نفاجأ بأن عدد السكان يواصل الارتفاع عامًا بعد آخر حتى تجاوز ثماني مليارات نسمة، وكأن البشرية تنجب أقل لكنها تزداد أكثر.

الناس تتعامل مع معدل الخصوبة وكأنه عدّاد مباشر للمواليد، بينما هو في الحقيقة مؤشر احتمالي شديد التجريد، قد ينخفض في الوقت الذي يواصل فيه عدد السكان الارتفاع لعقود كاملة، فمعدل الخصوبة الكلي لا يقيس عدد الأطفال الذين وُلدوا بالفعل في سنة معينة، لكنه يعبر عن متوسط افتراضي لعدد الأطفال الذين من المتوقع أن تنجبهم المرأة طوال حياتها الإنجابية إذا استمرت أنماط الإنجاب الحالية كما هي، كما أنه يُحسب على جميع النساء في سن الإنجاب من الخامسة عشرة إلى التاسعة والأربعين، سواء كنّ متزوجات أو غير متزوجات، منجبات أو بلا أطفال، راغبات في الإنجاب أو غير راغبات فيه أصلًا، لذلك فإن قراءة هذا المؤشر باعتباره مرآة مباشرة للمواليد أو للنمو السكاني تمثل تبسيطًا شديدًا لواقع ديموغرافي أكثر تعقيدًا.

العالم مثلًا شهد انخفاضًا كبيرًا في معدل الخصوبة الكلي خلال العقود الأخيرة، ففي عام 1950 كان معدل الخصوبة الكلي على مستوى العالم يقارب خمسة مواليد أحياء لكل امرأة في سن الحمل، بينما انخفض اليوم إلى ما يقرب من 2.3 مواليد أحياء فقط (في المتوسط)، أي أن الخصوبة، على مستوى العالم، تراجعت إلى أقل من النصف تقريبًا، ومع ذلك ارتفع عدد سكان العالم من نحو 2.5 مليار نسمة عام 1950 إلى أكثر من ثماني مليارات اليوم، كيف حدث ذلك؟

الإجابة الأساسية تكمن في أن النمو السكاني لا يعتمد فقط على عدد الأطفال الذين تنجبهم المرأة، بل يعتمد أيضًا على عدد النساء أنفسهن، وعلى التركيب العمري للسكان، وعلى انخفاض الوفيات وارتفاع العمر المتوقع، وهي عناصر كثيرًا ما تغيب عن النقاش العام، ربما باعتبارها مصطلحات تقنيّة معقّدة.

شهد العالم في النصف الثاني من القرن العشرين انفجارًا سكانيًا هائلًا بسبب ارتفاع الخصوبة في تلك المرحلة، ما أدى إلى ولادة أجيال ضخمة جدًا، وهذه الأجيال كبرت لاحقًا ودخلت سن الإنجاب، لذلك حتى لو أنجبت كل امرأة عددًا أقل من الأطفال مقارنة بأمها أو جدتها، فإن العدد الإجمالي للمواليد قد يظل مرتفعًا لأن عدد النساء في سن الإنجاب أصبح أكبر بكثير من السابق، وهي الظاهرة التي نسميها كعلماء سكان بـ "الزخم السكاني" Population Momentum.

يمكن تبسيط الفكرة بمثال شديد البساطة، فإذا كان لدينا مجتمع صغير يضم ألف امرأة، وكل امرأة تنجب خمسة أطفال، فإن عدد المواليد سيكون خمسة آلاف طفل، لكن إذا أصبح لدينا بعد عقود عشرة آلاف امرأة، بينما انخفضت الخصوبة إلى طفلين فقط لكل امرأة، فإن عدد المواليد سيصبح عشرين ألفًا، أي أن عدد السكان سيواصل الارتفاع رغم انخفاض الخصوبة نفسها، لأن القاعدة السكانية اتسعت بصورة هائلة.

لهذا السبب يمكن أن تنخفض الخصوبة ويستمر النمو السكاني في الوقت ذاته، بل إن بعض الدول تشهد تراجعًا حادًا في الخصوبة منذ سنوات طويلة ومع ذلك لا يزال عدد سكانها يرتفع بسبب التركيب العمري الفتي، كما يحدث في كثير من دول إفريقيا والشرق الأوسط، وإلى حد كبير مصر.

الصين تقدم مثالًا مهمًا على ذلك؛ فقد انخفضت الخصوبة الصينية بشدة منذ عقود، خاصة بعد سياسة الطفل الواحد، لكن عدد السكان استمر في الزيادة لفترة طويلة قبل أن يبدأ أخيرًا في التراجع، لأن الأجيال الضخمة التي وُلدت سابقًا ظلت تدعم النمو السكاني لسنوات عديدة. الأمر نفسه شهدته دول كثيرة في أمريكا اللاتينية وآسيا.

المشكلة الحقيقية إذن ليست في أن مؤشر الخصوبة "وهمي" بالكامل، بل في أن استخدامه خارج سياقه قد يكون مضللًا، لأن معدل الخصوبة وحده لا يكفي لفهم ما يحدث سكانيًا، ولا بد من النظر إلى حجم الفئات العمرية ونسب الزواج ومتوسط العمر ومعدلات الوفيات والهجرة والزخم السكاني، وهي كلها عناصر تشكل الصورة السكانية الكاملة.

العالم اليوم لا يعيش انفجارًا سكانيًا بالمعنى القديم نفسه، بل يعيش مرحلة انتقال ديموغرافي معقدة تتجاور فيها مجتمعات شديدة الشيخوخة مع مجتمعات شديدة الفتوة، وتتراجع فيها الخصوبة بسرعة بينما يستمر النمو السكاني بفعل تراكمات الماضي الديموغرافي، وكأن البشرية ما تزال تتحرك بقوة الدفع القديمة حتى بعد أن رفعت قدمها تدريجيًا عن "دوّاسة الإنجاب."



#أيمن_زهري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هل انتهى العقد الاجتماعي؟
- لماذا يتراجع البشر عن الإنجاب؟
- العمل عن بُعد… والبُعد عن العمل
- خرافة التفكير النقدي: لماذا لا نحب الأسئلة الصعبة؟
- المشكلة السكانية في مصر: مواليد أقل وزحام أكبر
- ماذا خسر المصريون بخروج الجاليات الأجنبية بعد ثورة يوليو 195 ...
- اللاإنجابية في مصر: قرار فردي أم انعكاس لتحولات اجتماعية أعم ...
- قراءة أولية في تقرير الهجرة العالمي 2026
- ماذا تبقى للأكاديمي أو الكاتب أو المؤلف أو المفكر في عصر الذ ...
- وهم ربط التعليم بسوق العمل: حين يحاول المستقبل اللحاق بالماض ...
- هل يمكن إجلاء أربعين مليون أجنبي من دول الخليج إذا اتسعت الح ...
- تحويلات المصريين بالخارج 2025: قراءة في الارتفاع التاريخي ود ...
- الهجرة: الدواء المر للجمهورية الفرنسية
- قصة الهجانة السودانيين في عين شمس
- كوادر تحت الطلب: الهجرة في زمن العجز الديمغرافي العالمي
- الخروج الآمن من منظومة السيطرة الإقليمية: الإمارات، قِبلة ال ...
- اليوم الدولي للمهاجرين: احتفال سنوي وأسئلة مؤجّلة
- الجمعة السوداء … نسخة مصرية لقيطة
- العمل المرن والأزمنة السائلة
- قنبر بونابرتة وهويّة المحروسة


المزيد.....




- احتواء أكبر خطر لانفجار خزان للمواد الكيميائية السامة في كال ...
- حسن أحمديان لـCNN : الردع الإيراني تعزّز وأهداف الحرب لم تتح ...
- هيئة بحرية: ناقلة نفط تُبلغ عن انفجار قبالة سواحل سلطنة عُما ...
- -مخبأ سري بشاحنة-.. اتهام مصري وسعودي بمحاولة تهريب 43 مخالف ...
- بكين تعرض -دورًا بنّاءً- في الملف النووي الإيراني.. وتكهنات ...
- انهيار جسر في كوريا الجنوبية يودي بحياة 3 أشخاص في العاصمة س ...
- تصعيد في حرب أوكرانيا وواشنطن تجدد استعدادها للوساطة
- الكشف عن سر زيارة مورينيو المفاجئة لألمانيا!
- الجيش الأمريكي يشن هجمات على جنوب إيران والحرس الثوري يعلن إ ...
- سدود القنادس تلهم أوروبا.. حلول طبيعية لمواجهة الفيضانات وال ...


المزيد.....

- ألمانيا..الحياة والمجهول / ملهم الملائكة
- كتاب : العولمة وآثارها على الوضع الدولي والعربي / غازي الصوراني
- نبذ العدمية: هل نكون مخطئين حقًا: العدمية المستنيرة أم الطبي ... / زهير الخويلدي
- Express To Impress عبر لتؤثر / محمد عبد الكريم يوسف
- التدريب الاستراتيجي مفاهيم وآفاق / محمد عبد الكريم يوسف
- Incoterms 2000 القواعد التجارية الدولية / محمد عبد الكريم يوسف
- النتائج الايتيقية والجمالية لما بعد الحداثة أو نزيف الخطاب ف ... / زهير الخويلدي
- قضايا جيوستراتيجية / مرزوق الحلالي
- ثلاثة صيغ للنظرية الجديدة ( مخطوطات ) ....تنتظر دار النشر ال ... / حسين عجيب
- الكتاب السادس _ المخطوط الكامل ( جاهز للنشر ) / حسين عجيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - أيمن زهري - لماذا يزيد عدد سكان العالم رغم تراجع الخصوبة؟