أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - أيمن زهري - هل انتهى العقد الاجتماعي؟















المزيد.....

هل انتهى العقد الاجتماعي؟


أيمن زهري
كاتب وأكاديمي مصري، خبير السكان ودراسات الهجرة


الحوار المتمدن-العدد: 8716 - 2026 / 5 / 25 - 13:19
المحور: العولمة وتطورات العالم المعاصر
    


لم يعد المواطن في كثير من دول العالم يشعر بأن الدولة كيان سياسي كبير يجمع الناس حول فكرة مشتركة عن العدالة أو المشاركة أو الحقوق العامة بقدر ما أصبح يشعر بأنه يعيش داخل ماكينة اقتصادية هائلة تطلب منه المزيد كل يوم تقريبًا، ضرائب جديدة ورسوم متزايدة وأسعار لا تتوقف عن الصعود وخدمات تتراجع جودتها بالتدريج بينما ترتفع تكلفتها بصورة مستمرة، حتى بدا الأمر وكأن العلاقة القديمة التي تحدث عنها فلاسفة العقد الاجتماعي قد تآكلت بهدوء عبر العقود الأخيرة دون إعلان رسمي عن وفاتها، ودون أن ينتبه كثيرون إلى أن المواطن الذي كان يُفترض أن ترعاه الدولة أصبح هو نفسه مطالبًا برعاية الدولة اقتصاديًا وتمويل بقائها اليومي.

عرفت البشرية طويلًا فكرة العقد الاجتماعي بوصفها اتفاقًا ضمنيًا بين الدولة والمواطن يقوم على أن يتنازل الأفراد عن جزء من حريتهم مقابل الأمن والنظام والحماية والخدمات العامة، وكانت الدولة الحديثة في لحظة صعودها التاريخي تبدو كأنها التعبير الأعلى عن الإرادة الجماعية للمجتمع، خصوصًا بعد توسع دولة الرفاه في أوروبا خلال القرن العشرين حين أصبحت الحكومات مسؤولة عن التعليم والصحة والإسكان والدعم والحماية الاجتماعية ومعاشات التقاعد وفرص العمل بدرجات متفاوتة، لكن العالم تغيّر بصورة هائلة منذ ذلك الوقت، إذ تضخمت المدن وارتفعت أعداد السكان واتسعت توقعات الناس إلى حدود غير مسبوقة وأصبح الاستهلاك نفسه جزءًا من تعريف الإنسان الحديث لكرامته ومكانته الاجتماعية، بينما تضاعفت تكاليف إدارة الدول بصورة جعلت الحكومات عاجزة عن الوفاء بوعودها القديمة دون أن تنقل العبء تدريجيًا إلى المواطنين أنفسهم.

أصبح المواطن يدفع للدولة في كل خطوة تقريبًا من حياته اليومية حتى لو لم يشعر بذلك مباشرة، فهو يدفع حين يعمل وحين يشتري وحين يستهلك الكهرباء والوقود وحين يستخدم الطرق وحين يتلقى خدمة تعليمية أو صحية وحين يسحب أمواله وحين يدخرها أيضًا لأن التضخم نفسه يمكن النظر إليه على أنه ضريبة غير معلنة تلتهم الدخول والمدخرات بصورة بطيئة لكنها قاسية، بينما تتحدث الحكومات طوال الوقت عن ضرورة الإصلاح الاقتصادي وترشيد الدعم وتحقيق الاستدامة المالية وخفض العجز ورفع الكفاءة، وكأن العلاقة بين الدولة والمجتمع لم تعد علاقة سياسية بين سلطة ومواطنين، بل علاقة مالية بين مؤسسة ضخمة تبحث باستمرار عن موارد تضمن استمرارها ومجتمع يتحمل تكلفة هذا الاستمرار بصورة يومية.

لم تعد شرعية كثير من الحكومات تُقاس بدرجة المشاركة السياسية أو اتساع المجال العام أو حتى بقدرتها على تسويق مشروع وطني جامع بقدر ما أصبحت تُقاس بقدرتها على الحد من التقلبات الاقتصادية العنيفة والسيطرة على الأسعار وتوفير الحد الأدنى من الاستقرار النقدي وتأمين السلع والخدمات الأساسية، حتى إن الاحتجاجات الكبرى في عالم اليوم أصبحت في معظمها مرتبطة بالاقتصاد أكثر من ارتباطها بالفلسفة السياسية أو بالمطالب الدستورية المجردة، لأن المواطن المعاصر قد يقبل كثيرًا من القيود السياسية إذا شعر بوجود استقرار اقتصادي نسبي ، كما حدث في الحقبة ما بعد الاستعمارية في بلدان الجنوب، بينما يصبح مستعدًا للغضب والانفجار إذا انهارت قدرته الشرائية أو فقد إحساسه بالأمان الاقتصادي.

تعكس هذه التحولات صعود نوع جديد من العلاقة يمكن تسميته بـ "العقد الاقتصادي،" وهو عقد غير مكتوب أيضًا لكنه يختلف عن العقد الاجتماعي القديم في نقطة جوهرية تتمثل في أن الدولة لم تعد تَعِد المواطن بالسعادة أو العدالة أو حتى الرفاه بالمعنى التقليدي، بل تعده فقط بإدارة الأزمة والحفاظ على الحد الأدنى الممكن من انتظام الحياة اليومية، بينما يتحمل المواطن في المقابل الجزء الأكبر من الأعباء الاقتصادية سواء عبر الضرائب المباشرة أو غير المباشرة أو عبر تآكل دخله الحقيقي تحت ضغط التضخم والديون وارتفاع تكاليف المعيشة.

تكشف التجربة الخليجية جانبًا مهمًا من هذه المسألة لأن دول الخليج النفطية ظلت لفترة طويلة تعمل وفق صيغة مختلفة نسبيًا تقوم على أن الدولة توزع جزءًا من الريع النفطي على المواطنين في صورة خدمات ودعم ووظائف ومزايا اجتماعية واسعة دون الاعتماد الكبير على الضرائب المباشرة، لكن هذه الحالة نفسها تكشف معنى آخر شديد الدلالة وهو أن المواطنة هناك أصبحت محصورة بصورة دقيقة فيما يمكن تسميته بـ "المواطنين الأصليين،" لأن توسيع نطاقها يعني توزيع الريع على عدد أكبر من الناس، ولذلك بقي التجنيس محدودًا للغاية وبقيت الفجوة واضحة بين المواطنين الأصليين والعمالة الوافدة التي تشارك في الاقتصاد دون أن تدخل فعليًا في دائرة العقد الريعي نفسه، بما يؤكد أن المسألة الاقتصادية أصبحت في قلب تعريف المواطنة ذاتها.

تبدو المفارقة شديدة القسوة حين نتأمل كيف تحولت الدولة الحديثة من كيان يعد الناس بالحماية الاجتماعية إلى كيان يطلب منهم بصورة دائمة التضحية والصبر والتحمل باسم الإصلاح الاقتصادي، إذ لم يعد الخطاب السياسي المعاصر يتحدث كثيرًا عن المستقبل الواعد أو العدالة الاجتماعية أو المشاركة الشعبية بقدر ما يتحدث عن رفع الكفاءة والاستدامة وترشيد الإنفاق وتقليل الدعم وجذب الاستثمارات وتحسين التصنيف الائتماني للدولة، وكأن الدولة نفسها أصبحت شركة ضخمة تخضع لمنطق السوق العالمي وتطلب من مواطنيها أن يتحملوا معها أعباء المنافسة والبقاء.

لا يعني ذلك أن العقد الاجتماعي قد اختفى بالكامل أو أن السياسة فقدت معناها نهائيًا، لأن البشر سيظلون بحاجة إلى الانتماء والهوية والشعور بالمواطنة والبحث عن العدالة والولاء للدولة وللتاريخ المشترك، لكن ما يحدث على الأرجح هو أن الأساس الاقتصادي للعلاقة بين الدولة والمجتمع أصبح أكثر حضورًا وهيمنة من أي وقت مضى، حتى إن المواطن الحديث قد يشعر أحيانًا بأنه موجود داخل منظومة اقتصادية عملاقة لا يستطيع الانفصال عنها أكثر مما يشعر بأنه شريك سياسي كامل داخل المجتمع.

يفتح هذا التحول أسئلة صعبة حول مستقبل الدولة الحديثة نفسها، لأن استمرار تحميل المواطنين الأعباء الاقتصادية بصورة متزايدة قد يؤدي في النهاية إلى تآكل الثقة العامة وإضعاف الشعور بالمواطنة وتحويل العلاقة بين الدولة والمجتمع إلى علاقة نفعية بحتة لا تقوم إلا على الحسابات الاقتصادية المباشرة، وهي علاقة قد تبدو مستقرة لبعض الوقت لكنها تحمل داخلها قدرًا كبيرًا من الهشاشة لأنها تفقد تدريجيًا ذلك البعد الرمزي والأخلاقي الذي منح الدولة الحديثة شرعيتها التاريخية لقرون طويلة.

يبقى السؤال مفتوحًا في النهاية حول ما إذا كان العالم يعيش فعلًا نهاية العقد الاجتماعي وبداية عصر العقد الاقتصادي، أم أننا أمام مرحلة انتقالية طويلة تعيد فيها الدول والمجتمعات التفاوض بصعوبة على معنى المواطنة وحدود المسئولية المتبادلة بين الحاكم والمحكوم في عالم أصبحت فيه تكلفة الحياة نفسها أعلى من أي وقت مضى.



#أيمن_زهري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لماذا يتراجع البشر عن الإنجاب؟
- العمل عن بُعد… والبُعد عن العمل
- خرافة التفكير النقدي: لماذا لا نحب الأسئلة الصعبة؟
- المشكلة السكانية في مصر: مواليد أقل وزحام أكبر
- ماذا خسر المصريون بخروج الجاليات الأجنبية بعد ثورة يوليو 195 ...
- اللاإنجابية في مصر: قرار فردي أم انعكاس لتحولات اجتماعية أعم ...
- قراءة أولية في تقرير الهجرة العالمي 2026
- ماذا تبقى للأكاديمي أو الكاتب أو المؤلف أو المفكر في عصر الذ ...
- وهم ربط التعليم بسوق العمل: حين يحاول المستقبل اللحاق بالماض ...
- هل يمكن إجلاء أربعين مليون أجنبي من دول الخليج إذا اتسعت الح ...
- تحويلات المصريين بالخارج 2025: قراءة في الارتفاع التاريخي ود ...
- الهجرة: الدواء المر للجمهورية الفرنسية
- قصة الهجانة السودانيين في عين شمس
- كوادر تحت الطلب: الهجرة في زمن العجز الديمغرافي العالمي
- الخروج الآمن من منظومة السيطرة الإقليمية: الإمارات، قِبلة ال ...
- اليوم الدولي للمهاجرين: احتفال سنوي وأسئلة مؤجّلة
- الجمعة السوداء … نسخة مصرية لقيطة
- العمل المرن والأزمنة السائلة
- قنبر بونابرتة وهويّة المحروسة
- المصريون القدماء: روحانية أسيء فهمها


المزيد.....




- تصعيد على جبهة لبنان وسط مخاوف إسرائيلية من اتفاق بين أمريكا ...
- مصدر سعودي لـCNN: التطبيع مع إسرائيل مرهون بمسار لا رجعة فيه ...
- نصائح للحجاج قد تساعد في الحفاظ على صحتهم أثناء أداء مناسك ا ...
- كيف تنقذ شخصاً مصاباً بالإجهاد الحراري أو ضربة الشمس؟
- اشتباكات عنيفة بعد احتجاج حاشد في بلغراد
- وفد إيراني في الدوحة.. وترامب يربط الاتفاق مع طهران بتوقيع إ ...
- حالة ذعر في مركز تسوق فاخر بطوكيو بعد رش مادة مجهولة
- -الشعاع الحديدي-.. سلاح استراتيجي إسرائيلي جديد قريبا في الخ ...
- ليزر في سماء الخليج.. نهاية عصر الصواريخ ضد مسيّرات إيران؟
- غارة إسرائيلية تستهدف مركز الدفاع المدني اللبناني في النبطية ...


المزيد.....

- ألمانيا..الحياة والمجهول / ملهم الملائكة
- كتاب : العولمة وآثارها على الوضع الدولي والعربي / غازي الصوراني
- نبذ العدمية: هل نكون مخطئين حقًا: العدمية المستنيرة أم الطبي ... / زهير الخويلدي
- Express To Impress عبر لتؤثر / محمد عبد الكريم يوسف
- التدريب الاستراتيجي مفاهيم وآفاق / محمد عبد الكريم يوسف
- Incoterms 2000 القواعد التجارية الدولية / محمد عبد الكريم يوسف
- النتائج الايتيقية والجمالية لما بعد الحداثة أو نزيف الخطاب ف ... / زهير الخويلدي
- قضايا جيوستراتيجية / مرزوق الحلالي
- ثلاثة صيغ للنظرية الجديدة ( مخطوطات ) ....تنتظر دار النشر ال ... / حسين عجيب
- الكتاب السادس _ المخطوط الكامل ( جاهز للنشر ) / حسين عجيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - أيمن زهري - هل انتهى العقد الاجتماعي؟