أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أيمن زهري - الدوائر السبعة للهوية المصرية: محاولة لإعادة التفكير في سؤال الهوية















المزيد.....

الدوائر السبعة للهوية المصرية: محاولة لإعادة التفكير في سؤال الهوية


أيمن زهري
كاتب وأكاديمي مصري، خبير السكان ودراسات الهجرة


الحوار المتمدن-العدد: 8747 - 2026 / 6 / 25 - 14:08
المحور: قضايا ثقافية
    


يحتل سؤال الهوية مكانة خاصة في النقاش العام المصري. فكلما ظهر تحول اجتماعي أو ثقافي أو تعليمي جديد، عاد الحديث عن الهوية من جديد، وكأن المجتمع يقف دائمًا أمام خطر فقدان ذاته. وخلال السنوات الأخيرة تصاعد هذا الجدل مع انتشار المدارس الدولية، واتساع استخدام اللغات الأجنبية، وتزايد تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، وتغير أنماط الحياة بين الأجيال الجديدة. غير أن معظم هذه النقاشات تنطلق من افتراض يحتاج إلى مراجعة، وهو أن الهوية المصرية يمكن اختزالها في عنصر واحد أو عدد محدود من العناصر، وأن الحفاظ على هذا العنصر يعني الحفاظ على الهوية كلها.

هذا التصور لا يبدو متسقًا مع التاريخ المصري الطويل، ولا مع ما قدمه كبار المفكرين المصريين الذين حاولوا فهم الشخصية المصرية. فقد رفض جمال حمدان في مشروعه الفكري الضخم اختزال مصر في بعد واحد، كما قدم ميلاد حنا تصورًا يقوم على تعدد الروافد الحضارية التي أسهمت في تشكيل الشخصية المصرية. في الحالتين كانت الرسالة الأساسية واضحة: مصر أكبر من أي تعريف أحادي.

من هذا المنطلق، أقترح في هذا المقال إطارًا جديدًا للنظر لموضوع الهوية في الحالة المصرية. أقترح النظر إلى الهوية المصرية باعتبارها منظومة تتكون من سبع دوائر متداخلة، تتفاعل فيما بينها بصورة مستمرة، بحيث لا يمكن فهم أي منها بمعزل عن الأخرى.

تتمثل الدائرة الأولى في الجغرافيا:،الجغرافيا هي الدائرة التي ربما تبدو الأكثر ثباتًا بين جميع الدوائر، فالنيل لم يكن مجرد نهر يمر في أرض مصر، بل كان إطارًا حضاريًا أسهم في تشكيل أنماط الاستقرار والإنتاج والتنظيم الاجتماعي والسياسي. وقد يكون من المناسب هنا التوقف عند بعض أفكار جمال حمدان حول علاقة المكان بالشخصية المصرية، وكيف ساهمت الجغرافيا في تشكيل أنماط التفكير والسلوك عبر القرون.

أما الدائرة الثانية فهي دائرة التاريخ: إذ يصعب تصور هوية مصرية معاصرة منفصلة عن طبقاتها التاريخية المتراكمة. فالمصري المعاصر يعيش فوق أرض شهدت الحضارة المصرية القديمة والعصرين اليوناني والروماني والعصر القبطي والعصر الإسلامي والدولة الحديثة. والسؤال الذي يستحق التأمل هنا ليس أي هذه الطبقات تمثل الهوية الحقيقية، بل كيف تفاعلت هذه الطبقات معًا لتكوين ما نسميه اليوم الهوية المصرية.

ترتبط الدائرة الثالثة باللغة: فاللغة العربية تمثل اليوم لغة الدولة والتعليم والإعلام والثقافة العامة، وهي أحد أهم مكونات الهوية المصرية المعاصرة، لكن اللغة نفسها ليست كيانًا جامدًا، بل نتاج عملية تاريخية طويلة من التفاعل والتطور. يمكن هنا التوقف عند العلاقة بين اللغة والهوية، وإلى أي مدى يمكن اعتبار اللغة وحدها أساسًا كافيًا لتعريف الانتماء الوطني أو الثقافي.

تتمثل الدائرة الرابعة في الدين: لعب الدين دورًا محوريًا في تشكيل الحياة المصرية عبر قرون طويلة، غير أن التجربة المصرية تكشف أيضًا أن الهوية الوطنية كانت دائمًا أوسع من الانتماء الديني، وأن المصريين تمكنوا عبر مراحل مختلفة من تاريخهم من بناء أشكال متعددة من العيش المشترك والانتماء الوطني تتجاوز الاختلافات الدينية.

أما الدائرة الخامسة فهي دائرة الثقافة الشعبية: الثقافة الشعبية تعد من أكثر الدوائر حضورًا في الحياة اليومية، فالأغاني والطعام والأمثال الشعبية والاحتفالات والعادات الاجتماعية واللهجة المصرية (التي ترتقي لمستوى اللغة الكاملة) وأنماط التفاعل اليومي تمثل جميعها جزءًا من الخبرة المشتركة التي تمنح الناس شعورًا بالانتماء إلى مجتمع واحد. يمكن هنا التوقف عند بعض الأمثلة التي تعكس خصوصية الثقافة المصرية واستمرارها رغم التغيرات المتلاحقة.

ترتبط الدائرة السادسة بالدولة والمواطنة: ساهمت الدولة الحديثة، بمؤسساتها التعليمية والقانونية والإدارية، في بناء شعور متزايد بالانتماء إلى مجتمع سياسي واحد، وأصبحت رموز الدولة ومؤسساتها جزءًا من التجربة المشتركة للمصريين، بغض النظر عن اختلافاتهم الاجتماعية أو الثقافية.

أما الدائرة السابعة فهي الدائرة السكانية والديموغرافية: هذه الدائرة لا تحظى عادة بالاهتمام نفسه الذي تحظى به الدوائر الأخرى، رغم أنها تمثل في الواقع أحد أهم مفاتيح فهم الهوية، فالهوية لا توجد في الكتب أو الوثائق الرسمية فقط، بل يحملها البشر وينقلونها ويعيدون إنتاجها عبر الأجيال. لذلك فإن التحولات السكانية، بما في ذلك النمو السكاني، والتحضر، والهجرة الداخلية والخارجية، وتغير أنماط الأسرة والتعليم والعمل، تترك جميعها آثارًا مباشرة وغير مباشرة على الهوية وتحدد كذلك مدي قبول أو رفض المجتمع للثقافات الوافدة وفرزها والتماهي مع بعضها واستيعابه في الثقافة الشعبية والممارسات اليومية.

في هذا السياق، تكتسب الهجرة أهمية خاصة، فخبرتي البحثية في مجال الهجرة دفعتني مرارًا إلى التساؤل حول العلاقة بين الحراك البشري والهوية. هل تؤدي الهجرة إلى إضعاف الهوية أم إلى إعادة تشكيلها؟ وهل كانت الهوية المصرية يومًا نتاج العزلة؟ أم أنها تشكلت عبر قرون طويلة من التفاعل مع العالم الخارجي.

يساعد هذا التصور على إعادة قراءة كثير من النقاشات المعاصرة حول الهوية، فبدلاً من النظر إلى كل تغير اجتماعي أو ثقافي باعتباره تهديدًا وجوديًا، يصبح من الممكن فهمه باعتباره جزءًا من عملية مستمرة من التفاعل والتكيف وإعادة التشكل. فالهوية ليست حالة ثابتة، وإنما عملية اجتماعية وتاريخية مستمرة.

لعل المشكلة الأساسية في كثير من النقاشات الراهنة حول الهوية أنها تتعامل مع الهوية كما لو كانت قطعة أثرية يجب وضعها في صندوق زجاجي لحمايتها من الزمن، لكن الهوية الحية لا تشبه الآثار: فهي تتغير باستمرار، وتكتسب عناصراً جديدة، وتتخلى عن عناصر أخرى، دون أن تفقد بالضرورة جوهر استمراريتها التاريخية.

لهذا السبب، فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه ليس: كيف نحمي الهوية المصرية من التغيير؟ بل: كيف نفهم هوية مصرية استطاعت عبر آلاف السنين أن تتغير باستمرار، وأن تستوعب تأثيرات جغرافية وتاريخية وثقافية ودينية وسكانية متعددة، ومع ذلك ظلت تحتفظ بقدر لافت من الاستمرارية جعل مصر تظل مصر.

المراجع
جمال حمدان. شخصية مصر: دراسة في عبقرية المكان. القاهرة: عالم الكتب.
ميلاد حنا. الأعمدة السبعة للشخصية المصرية. القاهرة: دار الشروق، 1994.
Anderson, Benedict. Imagined Communities: Reflections on the Origin and Spread of Nationalism. London: Verso, 1983.
Hall, Stuart. “Cultural Identity and Diaspora.” In: Identity: Community, Culture, Difference. London: Lawrence & Wishart, 1990.
Smith, Anthony D. National Identity. Reno: University of Nevada Press, 1991.
أيمن زُهْري. الهجرة والثقافة والهوية. القاهرة: مكتبة جزيرة الورد.



#أيمن_زهري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لماذا لا يحب المصريون السيارات الكهربائية؟
- اليوم العالمي للاجئين: كيف نمنع إنتاج اللاجئين؟
- مأزق الندرة السكانية في الخليج: هل حان وقت توسيع الجماعة الو ...
- من أسواق الرقيق إلى فيلم أسد: صفحة منسية من التاريخ الاجتماع ...
- هل انتهى زمن الإعلام الجماهيري؟
- لماذا يزيد عدد سكان العالم رغم تراجع الخصوبة؟
- هل انتهى العقد الاجتماعي؟
- لماذا يتراجع البشر عن الإنجاب؟
- العمل عن بُعد… والبُعد عن العمل
- خرافة التفكير النقدي: لماذا لا نحب الأسئلة الصعبة؟
- المشكلة السكانية في مصر: مواليد أقل وزحام أكبر
- ماذا خسر المصريون بخروج الجاليات الأجنبية بعد ثورة يوليو 195 ...
- اللاإنجابية في مصر: قرار فردي أم انعكاس لتحولات اجتماعية أعم ...
- قراءة أولية في تقرير الهجرة العالمي 2026
- ماذا تبقى للأكاديمي أو الكاتب أو المؤلف أو المفكر في عصر الذ ...
- وهم ربط التعليم بسوق العمل: حين يحاول المستقبل اللحاق بالماض ...
- هل يمكن إجلاء أربعين مليون أجنبي من دول الخليج إذا اتسعت الح ...
- تحويلات المصريين بالخارج 2025: قراءة في الارتفاع التاريخي ود ...
- الهجرة: الدواء المر للجمهورية الفرنسية
- قصة الهجانة السودانيين في عين شمس


المزيد.....




- آبل ترفع أسعار بعض أشهر منتجاتها لهذا السبب.. ماذا عن آيفون؟ ...
- مجلس النواب الإسباني يدعو رئيس الوزراء إلى الاستقالة على خلف ...
- تسريبات -القناة 13-: زلزال في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بس ...
- -لا تشمل فرض أي رسوم للعبور-.. مسقط تحسم الجدل بشأن الترتيبا ...
- من مناهض للحروب إلى واجهة اتفاق إيران.. هل يجعل ترامب من جي ...
- ترامب يهاجم برلين: -طلبنا قُبلة صغيرة من ألمانيا.. فكان الرد ...
- لأول مرة.. مناورات عسكرية ثلاثية بين مصر وتركيا وأذربيجان
- وصول أسرى فلسطينيين محررين من سجون إسرائيل إلى غزة (فيديو)
- ياشينا تفيد بإبلاغ الدولية للطاقة الذرية بهجوم جديد شنته أوك ...
- زاخاروفا: تهديدات زيلينسكي ضد بيلاروس تكشف عن طبيعته الإرهاب ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أيمن زهري - الدوائر السبعة للهوية المصرية: محاولة لإعادة التفكير في سؤال الهوية