أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أكرم شلغين - غاتسبي يحمل الدكتوراه*














المزيد.....

غاتسبي يحمل الدكتوراه*


أكرم شلغين

الحوار المتمدن-العدد: 8746 - 2026 / 6 / 24 - 23:30
المحور: قضايا ثقافية
    


كان جي غاتسبي يقف كل ليلة في قصره المضاء بآلاف المصابيح، تحيط به الموسيقى والضحكات، بينما تتلألأ على رفوف مكتبته مئات الكتب التي قيل إنها لم تُفتح إلا نادرا. كان قد اشترى كل ما يمكن شراؤه؛ البيت، والسيارة، والملابس، والحفلات، وحتى السيرة التي أراد للعالم أن يصدقها عنه. لم يكتف غاتسبي بقصره وحفلاته، بل حرص أيضا على أن يحيط نفسه بكل ما يوحي بأنه رجل من عالم آخر؛ مكتبة عامرة بالكتب، وسيرة تتحدث عن سنوات قضاها في أوكسفورد، وحياة مصممة بعناية لتقنع الآخرين بأنه ولد في المكانة التي كان يحلم بها، لا أنه صنعها بجهد مضن. ومع ذلك بقي أسيرا لذلك السؤال القديم: هل يستطيع الإنسان أن يصبح شخصا آخر بمجرد أن يغيّر المشهد المحيط به؟


لم تكن مأساة غاتسبي أنه امتلك الكثير، بل أنه ظن أن المظاهر قادرة على إعادة كتابة الجوهر. ولعل هذه المأساة تتكرر بأشكال مختلفة في التاريخ، ليس في الروايات وحدها، بل في السياسة والاجتماع والحياة العامة. ففي الأزمنة القديمة، كان بعض الملوك كلما شعروا بأن سلطانهم يتآكل أضافوا إلى تيجانهم جوهرة جديدة، أو شيدوا قصرا أكبر، أو نصبوا تمثالا أعلى، ظنا منهم أن بريق الذهب قادر على إخفاء شقوق العرش. وفي زماننا تغيرت الزينة، لكن الفكرة بقيت كما هي؛ فلم تعد الجواهر وحدها تزين التيجان، بل أصبحت الشهادات والألقاب جزءا من هذا الزخرف الجديد.
وليس في العودة إلى الدراسة ما يدعو إلى السخرية أو الانتقاص. فالتعلم فضيلة لا يحدها عمر، والمعرفة رحلة تبدأ متى شاء صاحبها أن يبدأها. بل إن كثيرا من الرجال والنساء عادوا إلى مقاعد الدراسة بعد عقود من العمل، لا بحثا عن لقب، بل حبا في المعرفة، فاستحقوا الاحترام والتقدير.
غير أن الأمر يختلف حين تتحول الشهادة من طريق إلى المعرفة إلى وسيلة لتجميل الصورة، أو حين تصبح محاولة لترميم فراغ لا يملؤه الورق.
إن الإنسان يستطيع أن يشتري الكتب، لكنه لا يستطيع أن يشتري الثقافة؛ ويستطيع أن يعلق شهادة على الجدار، لكنه لا يستطيع أن يعلق عليها وعيا أو حكمة أو تاريخا شخصيا.
فالثقافة ليست رقما جامعيا، ولا بطاقة تعريف، ولا لقبا يسبق الاسم. إنها حصيلة آلاف الصفحات المقروءة، والأسئلة التي أقلقت صاحبها، والأخطاء التي تعلم منها، والحوارات التي غيرت قناعاته، والتجارب التي هذبت رؤيته للعالم. إنها تاريخ طويل من الاحتكاك بالأفكار، لا ورقة مختومة توضع في إطار أنيق.
لهذا تبدو بعض الشهادات مثل مكتبة غاتسبي؛ جميلة المنظر، مرتبة الرفوف، لكنها عاجزة عن أن تمنح صاحبها ذلك الإحساس العميق بالانتماء إلى عالم الفكر. فالكتب التي لا تُقرأ لا تصنع مثقفا، كما أن الشهادات التي تُطلب لتزيين الصورة لا تصنع قائدا.
وربما تكمن المفارقة في أن السلطة تستطيع أن تفرض الطاعة، لكنها لا تستطيع أن تفرض الاحترام. تستطيع أن تغير المناصب، وأن ترفع الألقاب، وأن تعلق الأوسمة على الصدور، لكنها تعجز عن اختصار رحلة الوعي التي تستغرق عمراً كاملا.
إن التاريخ مليء برجال لم يحملوا أرفع الشهادات، لكنهم امتلكوا بصيرة جعلتهم يغيرون مجرى الأمم، كما أنه مليء بحملة ألقاب طويلة لم يتركوا وراءهم سوى أوراق صفراء في الأرشيف. فالقيادة لا تولد في قاعات الامتحان وحدها، وإنما في القدرة على الإصغاء، وفي احترام العقل، وفي الشجاعة التي تجعل صاحبها يعترف بما لا يعرف قبل أن يتباهى بما يعرف.
ولعل غاتسبي نفسه لو عاد إلى الحياة لاختار أن يقرأ كتابا واحدا بصدق، بدلا من أن يملأ مكتبته بمئات الكتب التي لم تغير مصيره. لأن المأساة لم تكن في فقره الأول، ولا في ثرائه الأخير، بل في اعتقاده أن الجوهر يمكن شراؤه كما تشترى الأشياء.
وهكذا يبقى السؤال معلقا أمام كل إنسان، قبل أن يكون موجها إلى أصحاب السلطة أو النفوذ: ماذا نريد حقا؟ أن نبدو أكثر معرفة، أم أن نصبح أكثر معرفة؟
فالألقاب قد تسبق الأسماء، لكن الثقافة تسبق الأفعال. والشهادات قد تعلق على الجدران، أما الحكمة فلا تعلق إلا في الضمير.
ولذلك يبقى الفرق شاسعاً بين من يسير نحو المعرفة لأنها تنير روحه، ومن يسير نحو الشهادة لأنها تلمع صورته. الأول يضيف إلى العالم عقلا جديدا، أما الثاني فلا يضيف سوى إطار آخر على جدار امتلأ بالأقنعة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* يشير المقال إلى شخصية جي غاتسبي، الشخصية المحورية في رواية "غاتسبي العظيم" للكاتب الأمريكي F. Scott Fitzgerald (1925). وقد استُخدمت الشخصية هنا بوصفها استعارة أدبية للإنسان الذي يحاول اكتساب هوية جديدة عبر الرموز الخارجية ــ المال، والمكانة، والمكتبة، والألقاب ــ معتقداً أن المظاهر قادرة على تعويض ما لا يستطيع الزمن أو التجربة أو الثقافة الحقيقية منحه.



#أكرم_شلغين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نظرية المؤامرة والتسلق إلى القمة: الواقع التاريخي والخوف الن ...
- أبعد من الشرق والغرب
- حين تصبح الوشاية فضيلة زائفة
- بين الثابت والمتغير: لماذا نحتاج إلى إصلاح ديني؟
- من نحن قبل الطوائف؟
- الأمل الذي يرحل قبل أصحاب الحقائب
- حفار القبور لا يخطئ الموعد
- الإفلاس يختبر الأخلاق
- ما تمنحه المدن العابرة
- مخطوطة الرغبة التي لا تكفّ عن إعادة كتابة نفسها
- سجون بلا جدران
- حين كان الحلم أكبر من العالم
- بين الخبز والحرية
- بين التوقيع واللاجدوى
- الجدل الذي يجعلنا أكثر إنسانية
- التقمص (Reincarnation) و استنساخ الأرواح
- قلب لا يهدأ وهوية معلّقة و وجع منفى
- حين يعيش الإنسان… ويترك غيره يعيش
- والخلود يصبح عبئا
- -هام-* في انتظار المستحيل: حيث تتمرد الأمنية على قوانين الزم ...


المزيد.....




- صرخته أقوى من الطائرة.. رجل يحطم الرقم بأعلى صوت في العالم
- الاتحاد الأوروبي يدرس إرسال بعثة لدعم جيش لبنان وتعزيز سلطة ...
- روبيو يطمئن الخليج: لا اتفاق مع إيران على حساب أمن الحلفاء
- -الخماسية الأوروبية- تسعى لتعميق الشراكة بين الناتو وأوكراني ...
- قاضية فيدرالية تمنع ترامب من تطبيق شرط تقديم دليل المواطنة م ...
- ماكرون: هناك تقارب بين الأوروبيين والأمريكيين بشأن أوكرانيا ...
- حادثة صادمة.. موظفات في -وينديز- يقدمن لزبونة طعاما من سلة ا ...
- تل أبيب تجابه واشنطن.. لن ننسحب من لبنان
- الجزائر تستنفر جاليتها في مصر قبل الانتخابات التشريعية
- وزارة الصحة  الإسرائيلية في حالة صدمة: سرقة طحينة ملوثة بالس ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أكرم شلغين - غاتسبي يحمل الدكتوراه*