أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أكرم شلغين - نظرية المؤامرة والتسلق إلى القمة: الواقع التاريخي والخوف النفسي















المزيد.....

نظرية المؤامرة والتسلق إلى القمة: الواقع التاريخي والخوف النفسي


أكرم شلغين

الحوار المتمدن-العدد: 8746 - 2026 / 6 / 24 - 04:47
المحور: قضايا ثقافية
    


في المقاهي المزدحمة، والمجالس الخاصة، وعلى أطراف أحاديث السهرات في منطقتنا العربية، وفي العديد من دول ما يُوصف بـ"العالم الثالث"، يتردد همس شبه دائم، يتحول مع التكرار إلى قناعة راسخة: "لا يمكن لأي إنسان أن يصل إلى سدة الحكم أو قمة الهرم السياسي، إلا بمباركة صامتة، وتوقيع خفي من أجهزة استخبارات غربية".
هذه العبارة، التي تلبست بعقول الكثيرين كحقيقة مسلّم بها، ليست مجرد وهم جماعي. إنها تحمل في طياتها خليطا معقدا من حقائق تاريخية مؤلمة، وجروح استعمارية لم تندمل، ورغبة نفسية عميقة في إيجاد تفسير "بسيط" لعالم "فوضوي" لا يُحتمل. في هذا المقال، لا أقصد رفض هذه الفكرة إطلاقاً، ولا تبنّيها كإنجيل مقدس، بل أدعو صديقي القارئ إلى رحلة تأملية، نفكك فيها جذور هذا الريب، ونقاط قوته، ومكامن خطورته حين يتحول إلى عائق معرفي.

الجذور المشروعة للشك
لكي ننصف هذه النظرة المتشائمة، علينا أن نعترف أولا بأن جذورها التاريخية ليست وليدة هواجس وهمية، بل هي ابنة شرعية لوقائع مروعة. منطقتنا العربية، ودول أمريكا اللاتينية، وبلدان آسيا وإفريقيا، دفعت أثمانا باهظة من سيادتها واستقرارها بسبب تدخلات خارجية ممنهجة. فمن انقلاب إيران عام 1953 (الذي دبرته المخابرات البريطانية والأمريكية لإعادة الشاه إلى عرشه)، إلى انقلاب تشيلي عام 1973 (الذي أسقط الرئيس المنتخب سلفادور أليندي بدعم من وكالة المخابرات المركزية)، وصولا إلى دعم فصائل بعينها في حروب لبنان وسوريا واليمن، تظهر الوثائق التي رفعت عنها السرية ، بل وتصريحات بعض الزعماء والممثلين الرسميين أنفسهم، أن أجهزة استخبارات غربية لعبت أدوارا مظلمة في إرساء أنظمة أو اقتلاع أخرى. فما كان يُعتقد في السابق مجرد "تكهنات"، أصبح اليوم حديثاً علنيا يخرج من أفواه كبار المسؤولين، حيث يعلن أحدهم بكل صراحة أنه "وضع" رئيساً في مكانه، ويقر آخر بأن جهازا معينا هو من "صقل" و"درب" قادة فاعلين على الساحة اليوم. هذه ليست مجرد أوراق تاريخية، بل واقع معاش وشهادات حاضرة، تجعل ثقافة الشك أكثر مشروعية من أي وقت مضى. نعم هذا الواقع الأليم هو الذي زرع "ثقافة الشك" في وجداننا؛ فمن رأى بعينيه رئيساً مدعوماً بالدبابات الأجنبية، يصبح من الطبيعي أن يسأل عن كل قادم جديد: "مَن وقّع له؟ ومن بارك صعوده؟"
ثانياً: التعميم المفرط .. حين يصبح الاحتمال قانوناً ميتافيزيقياً
لكن الإشكال الجوهري يظهر عندما يتحول هذا "الاحتمال" التاريخي الممكن إلى "قانون كوني" لا يقبل الاستثناء. عندها، نقع في فخ التعميم الأعمى الذي يلغي -بكل تعسف- عنصرين حاسمين في المعادلة السياسية:
1. الإرادة الداخلية ودهاء اللاعبين المحليين: التاريخ السياسي زاخر بشخصيات وصلت إلى قمة السلطة بفضل شعبيتها الجارفة، أو حنكتها السياسية الفائقة، أو قدرتها على استغلال الفراغ الداخلي ونسج التحالفات، وذلك رغم معارضة أجهزة استخبارات غربية لها. إن اعتبار أن "كل" رئيس هو مجرد عميل أو بيادق في لعبة خارجية، هو في حد ذاته إهانة لفطنة ملايين البشر الذين قد يختارون قائدهم بحرية نسبية (حتى داخل صناديق مقيدة)، أو يدفعون ثمن صعوده بتضحيات حقيقية تصل إلى الأرواح.
2. الغرب ليس كتلة واحدة .. فوضى المصالح المتضاربة: من أكثر المغالطات شيوعاً تصور "الغرب" كجوقة تغني بصوت واحد، أو كجسد واحد تتحرك أعضاؤه بتناغم. الواقع أكثر فوضوية وتعقيداً. هناك تناحر وتنافس حاد بين المخابرات الأمريكية والبريطانية والفرنسية والألمانية، ناهيك عن التناقضات بين الأجنحة المختلفة داخل المؤسسة الواحدة. فما تراه وكالة المخابرات المركزية (CIA) قد تقاومه الاستخبارات الفرنسية (DGSE) بشراسة، وما يدعمه البوندستاغ الألماني قد تعمل الأجهزة الروسية على تقويضه. في خضم هذه الصراعات المتشابكة، غالباً ما ينجح السياسي المحلي الماهر في "لعب اللعبة" بين هذه الأطراف، مستغلاً تناقضاتها لصالحه، بدلاً من أن يكون مجرد دمية تُحرّكها خيوط خفية.
ثالثاً: الجانب الأعمق .. علم نفس نظرية المؤامرة
ولعل الجانب الأكثر إثارة للاهتمام، هو البعد النفسي والاجتماعي لهذه الظاهرة. لماذا يتمسك الناس بهذه النظرية بقوة جنونية، حتى عندما تتعارض مع الأدلة والوقائع الماثلة؟
الإجابة تكمن في "الفراغ التفسيري" الذي تعجز عقولنا عن ملئه. فعندما يشهد المواطن العادي فساداً مستفحلاً، أو قمعاً وحشياً، أو صعود شخصية غامضة إلى النخبة السياسية دون مقدمات واضحة، ويجد أمامه أسئلة معقدة تتشابك فيها الاقتصاد الكلي، والمحاصصة العشائرية، وجيوب الضغط النافذة، تأتي فكرة "المؤامرة الخارجية" كمنقذ سحري، لتقدّم جواباً جاهزاً ومباشراً ومريحاً: "لقد دبّرها الأجنبي!".
هذا الجواب ليس فقط مريحاً لأنه يوفر على العقل عناء التفكير المعقّد، بل إنه يؤدي ثلاث وظائف نفسية عميقة:
• يعزز احترام الذات: "نحن لسنا أغبياء أو فاسدين، نحن فقط ضحايا مؤامرة خارقة لا تُقهر".
• يقدم ترياقاً للعجز: "لو لم يتدخلوا فينا، لكنا أفضل الأمم، لكن يد الخارج قوية".
• يُسقط المسؤولية: يحرّر الفرد والمجتمع من تحمّل تبعات أخطائهم الداخلية.
في نهاية هذا التأمل، لا يمكنني، ولن أقول لك إن نظرية المؤامرة حول وصول الرؤساء "بمباركة غربية" هي صحيحة أو خاطئة بصورة مطلقة. هي مشروعة كسؤال تاريخي، ومفهومة كخوف إنساني، ولكنها تصبح خطيرة كإجابة مطلقة ونهائية تُغلق أبواب الفهم والإصلاح.
النهج الأكثر تواضعاً وعقلانية، والأكثر شجاعة في آن واحد، هو التمسك بـ"الشك الصحي" (ربما تدخلوا) دون الانزلاق إلى "اليقين القاتل" (بالتأكيد هم من يدبرون كل شيء)، لأن هذا اليقين لا يعطل فقط قدرة النخب السياسية على التحرك، بل يعطل الإرادة الداخلية للإصلاح الشعبي أيضاً.
المطلوب منا، كأفراد، ألا نُضخّم قوة أجهزة الاستخبارات في مخيلتنا إلى حدود خرافية، فنساهم بذلك في هزيمتنا النفسية قبل أي هزيمة سياسية. والأهم، ألا نستخدم نظرية المؤامرة كغطاء ناعم لتبرير فشلنا الذاتي في بناء دولة القانون والمؤسسات العادلة. فالتاريخ يعلّمنا أن الشعوب التي تنجح في النهاية، هي تلك التي ترفض أن تكون مجرد أداة في لعبة غيرها، وتدرك أن أعداءها الحقيقيين قد يكونون أحياناً في غرف مجاورتها، وليسوا دائماً خلف بحار بعيدة.
خلاصة القول: لا تمنح عدوك الخارجي فضل السيطرة على مصيرك، فتُبرئ نفسك من مسؤولية تغييره. لا تجعل خوفك من "يد الخارج" يغمض عينيك عن "تقصير الداخل".



#أكرم_شلغين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أبعد من الشرق والغرب
- حين تصبح الوشاية فضيلة زائفة
- بين الثابت والمتغير: لماذا نحتاج إلى إصلاح ديني؟
- من نحن قبل الطوائف؟
- الأمل الذي يرحل قبل أصحاب الحقائب
- حفار القبور لا يخطئ الموعد
- الإفلاس يختبر الأخلاق
- ما تمنحه المدن العابرة
- مخطوطة الرغبة التي لا تكفّ عن إعادة كتابة نفسها
- سجون بلا جدران
- حين كان الحلم أكبر من العالم
- بين الخبز والحرية
- بين التوقيع واللاجدوى
- الجدل الذي يجعلنا أكثر إنسانية
- التقمص (Reincarnation) و استنساخ الأرواح
- قلب لا يهدأ وهوية معلّقة و وجع منفى
- حين يعيش الإنسان… ويترك غيره يعيش
- والخلود يصبح عبئا
- -هام-* في انتظار المستحيل: حيث تتمرد الأمنية على قوانين الزم ...
- المرأة المناسبة التي لا تأتي: عطب الرغبة


المزيد.....




- مؤلفان يشاركان لـCNN ما حدث عندما سألا ترامب عما إذا كان أقو ...
- أمير سعودي يرد على يوسف زيدان وتصريح -قصة الفيل في مكة- وأبر ...
- روسيا.. مقتل شخص وإصابة آخر بهجوم مسيرة أوكرانية
- محادثات سويسرا.. ملفات شائكة تعرقل التوصل إلى اتفاق دائم
- السيارات الكهربائية .. طفرة عالمية بوتيرة أسرع مما كان متوقع ...
- مدرب غانا بعد مواجهة إنكلترا: تقنية الفار ذهبت لشرب القهوة
- ترامب: إيران تترنح والكونغرس يمد لها يد العون -في وقت الحرب- ...
- توقف القطارات في ألمانيا بسبب خلل في نظام الاتصالات الرقمية ...
- مباشر: روبيو يواصل جولته الخليجية سعيا لطمأنة الحلفاء والترو ...
- عاجل | رئيس وزراء قطر: مضيق هرمز ما زال مفتوحا وتلقينا تأكيد ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أكرم شلغين - نظرية المؤامرة والتسلق إلى القمة: الواقع التاريخي والخوف النفسي