أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أكرم شلغين - أبعد من الشرق والغرب















المزيد.....

أبعد من الشرق والغرب


أكرم شلغين

الحوار المتمدن-العدد: 8743 - 2026 / 6 / 21 - 00:50
المحور: قضايا ثقافية
    


"إن رحلة الاكتشاف الحقيقية لا تكمن في البحث عن أراض جديدة، بل في امتلاك عيون جديدة." مارسيل بروست
نردد كأنها طقس ديني مقولة روديارد كبلنغ: "الشرق شرق، والغرب غرب، ولن يلتقيا". نمنحها صلاحية تفسير كل خلاف، وكأن المسافة الجغرافية هي المذنب الوحيد في سوء التفاهم البشري. ولكنني، وبعد رحلة في متاهات التواصل، أدركت أن هذه المقولة ليست إلا قناعا نضعه على وجوهنا لنخفي به حقيقة أكثر إزعاجا: الخطر الأكبر لا يكمن في الاختلاف البعيد الذي نتوقعه، بل في الاختلاف القريب الذي نرفض رؤيته.
نميل بفطرتنا الكسولة إلى افتراض أن من يشاركنا الجنسية، واللغة، والطعام، يجب أن يشاركنا أيضا طريقة التفكير. هذا الافتراض هو أم سوء الفهم، وهو ما عبر عنه الفيلسوف جيدو كريشنامورتي بحدة حين قال: "القدرة على الملاحظة دون تقييم هي أسمى أشكال الذكاء البشري". لكننا، للأسف، نقيم قبل أن نلاحظ. نخلع نظارة الفضول قبل أن نلتقي بأبناء بلدنا، ونرتدي نظارة اليقين الجاهز.
يقول الأنثروبولوجي إدوارد هول في هذا السياق: "الثقافة تخفي أكثر مما تكشف، وهي بالنسبة لمن يعيشون فيها غير مرئية، لكنها واضحة جدا للغرباء". المشكلة أننا نتعامل مع أبناء مجتمعنا كأنهم "غير غرباء"، فنكف عن استكشافهم....نظن أننا نفهم "الجنوبي" لأننا "شماليون"، أو نفهم "القروي" لأننا من "المدينة المجاورة"، أو نفهم "الجيل الجديد" لأننا كنا شبابا يوما، أو نفهم المرأة لمجرد أننا نعيش مع زوجة. لكن الحقيقة أن المسافة الجغرافية القصيرة قد تخفي هوة ثقافية أعمق من المحيطات، وأن الفراش المشترك قد يخفي عزلة فكرية أعمق من أي بعد مكاني. فنحن نخلط بين "الوجود الجسدي" و"المعرفة الحقيقية"، بين "مشاركة العنوان" و"مشاركة العوالم الداخلية".
وكما قالت الكاتبة الأمريكية أليس ووكر بحكمة: "أكثر الناس عمى ليس من لا يبصر، بل من يبصر ولا يرى". فنحن نبصر وجوه من نعيش معهم كل يوم، لكننا لا نرى عوالمهم الداخلية. نبصر حركاتهم وسكناتهم، لكننا لا نرى خريطة مشاعرهم وتصوراتهم.
في البلد الواحد، تختلف مفاهيم الوقت، والالتزام، والكرامة، والعار، وحتى معنى كلمة "نعم" أو " لا" من منطقة لأخرى، بل وتختلف بين الرجل والمرأة في الغرفة ذاتها. وكما لخص جورج برنارد شو هذه المعضلة بعبارته الشهيرة: "أكبر مشكلة في التواصل هي الوهم بأنه قد تم". عندما يتحدث شخص من الريف مع شخص من العاصمة، قد يتفقان لفظيا، لكنهما يختلفان دلاليا. وكذلك حين يتحدث الزوج مع زوجته، قد يظنان أنهما يتفقان، لكن كلًا منهما يحمل قاموسا مختلفا للمشاعر والاحتياجات والتوقعات. وهذا الاختلاف الدلالي الداخلي هو ما يولد الجروح الأعمق، لأننا نتوقع التفاهم فلا نجد إلا الصدمة
إن التنوع داخل الوطن الواحد ليس مجرد ظاهرة سطحية، بل هو أشبه بطبقات الأرض الجيولوجية؛ لا تراها من السطح، لكنك تصطدم بها حين تحفر. غالبا ما نتحدث عن التنوع الديني أو العرقي، لكننا نغفل تنوعا آخر أكثر تأثيرا في حياتنا اليومية: تنوع البيئات المحلية، والعادات الأسرية، والأجيال، والخبرات الحياتية.
الكاتبة مارغريت ميد لها مقولة خالدة: "لا تشكوا أبدا في أن مجموعة صغيرة من المواطنين المفكرين والملتزمين يمكنها تغيير العالم؛ ففي الواقع، هذا هو الشيء الوحيد الذي غيّر العالم دائمًا". لكننا نغفل أن هذه "المجموعات الصغيرة" موجودة داخل كل حي، وكل عشيرة، وكل عائلة. الاختلاف بين جيل الآباء والأبناء في نفس المنزل هو أيضا اختلاف ثقافي بحد ذاته، بل قد يكون أوسع من الاختلاف بين شخصين من قارتين مختلفتين.
وهنا يأتي دور المفكر الفرنسي ألكسيس دو توكفيل، الذي حذرنا مبكرا من أن أخطر الانقسامات ليست تلك التي تفصل بين الشعوب، بل تلك التي تنمو بصمت داخل المجتمع الواحد. حين نرفض الاعتراف بهذا التنوع الداخلي، نقع في فخ التعصب المصغر. نستهزئ بلهجة جارنا، نستغرب عادات زوجتنا التي تختلف عن عادات أهل بيتنا، ونحكم على نوايا زميلنا بناء على منطق مدينتنا نحن.
وهنا لا بد من السؤال لماذا يكون سوء الفهم الداخلي أكثر إيلاما من سوء الفهم مع الغريب البعيد؟ لأننا نتوقع الأمان. حين يختلف الغربي مع الشرقي، نقول مبررين: "هذه ثقافتهم". لكن حين يختلف الشمالي مع الجنوبي في نفس البلد، نقول متهمين: "هذا خطأ منه"، أو "هذا نقص في فهمه". الروائي أورهان باموق أشار إلى هذه المفارقة بقوله: "المتاحف هي الأماكن التي تقضي فيها الدول وقتا لتعريف نفسها لذاتها". لكن ماذا عن الأماكن غير الرسمية؟ ماذا عن الشارع والعائلة؟ هناك حيث لا توجد متاحف تشرح الاختلاف، تحدث الصدامات.
الشاعر خالد الشعلاني عبّر عن هذه الحقيقة الإنسانية العميقة بقوله: "الناس أعداء ما جهلوا". والعداوة هنا لا تعني الحرب، بل تعني سوء الظن. وجهلنا بثقافة ابن بلدنا أخطر من جهلنا بثقافة ابن قارة أخرى، لأننا لا نبذل أي جهد لفهمه، ونعتبر اختلافه خروجا على ما نعتقد أنه "طبيعي" و"مفترض".
وهنا يكمن جوهر المأساة: نحن لا نعامل الاختلاف الداخلي بوصفه اختلافا مشروعا في الرؤية، بل بوصفه انحرافا عن القاعدة التي وضعناها نحن. ننسى أن كل إنسان يحمل في داخله "ثقافة فرعية" فريدة، نتاج تجاربه الشخصية وتربيته ومحيطه، وهذه الثقافة تستحق منا نفس الاحترام الذي نمنحه للثقافات البعيدة.
كيف نخرج من هذا المأزق الذي يجعله القرب أقرب إلى الغربة؟
الحل لا يكمن في توحيد الثقافات (فهذا مستحيل وممل)، ولا في تجاهل الاختلافات (فهذا وهم خطير). الحل يكمن في ما أسميه "جسر الفضول". علينا أن نتعامل مع ابن منطقتنا، وابن عشيرتنا، وكأنه سفير من ثقافة فرعية نجهلها. علينا أن نسأل بدل أن نحكم، وأن ننصت بدل أن نُصغي (فالإصغاء يختلف عن السماع).
المستشار ستيفن كوفي قدم لنا المفتاح الذهبي في هذا المضمار: "اسعَ أولا لأن تفهم، ثم اسعَ لأن تُفهم". هذه العبارة البسيطة قد تكون واحدة من أهم قواعد العيش المشترك. فبدلا من أن نفترض أننا نعرف الآخر، علينا أن نمنحه فرصة ليعرّف نفسه بنفسه، بلغته الخاصة، ومن منظوره الخاص.
الكاتبة مايا أنجيلو ذكرت حقيقة إنسانية جامعة: "نحن جميعا أكثر تشابها مما نحن مختلفون". لكن هذا التشابه العام لا يلغي خصوصية التفاصيل. التفاصيل هي الشياطين كما يقول المثل، والتفاصيل هي الثقافات الفرعية. التشابه في الإنسانية يمنحنا الأرضية المشتركة، لكن الاختلاف في التفاصيل هو ما يمنح الحياة غناها وتنوعها.
ربما لا يحتاج عالمنا العربي، بكل تناقضاته الداخلية، إلى مزيد من الخطابات الوطنية الجامعة، بقدر ما يحتاج إلى مزيد من الفضول اليومي. فضول يجعلنا نسأل جارنا عن سبب عادته دون أن نحكم عليها. فضول يجعلنا نستمع لابننا أو أبينا وكأننا نستمع لشخص من ثقافة مختلفة تماما. فضول يجعلنا نرى في اختلاف القريب ليس تهديدا، بل نافذة على عالم جديد.
فأعمق الجدران ليست تلك التي تفصل بين الشرق والغرب، كما وهمنا كبلنغ. الجدران الحقيقية هي تلك التي نبنيها بصمت داخل عقولنا، حين نعتقد أن من يشبهنا ظاهريا يجب أن يفكر مثلنا باطنيا. هذه الجدران الخفية هي التي تفصلنا عن أقرب الناس إلينا، وتحول اللغة المشتركة إلى جدار صامت، والجغرافيا الواحدة إلى مسافة موحشة.
وربما كانت حكمة بروست هي الخلاصة الأجمل: ليس المهم أن نبحث عن أراضٍ جديدة، فالأرض التي نعيش عليها تحوي من التنوع ما يكفي لعمر كامل من الاكتشاف. المهم أن نمتلك عيونا جديدة ترى في القريب غريبا يستحق الفضول، وفي المألوف عجيبا يستحق الفهم. عندها فقط، سنكتشف أن الوطن الحقيقي ليس مساحة جغرافية، بل قدرة على احتضان التنوع الداخلي دون خوف. See less



#أكرم_شلغين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين تصبح الوشاية فضيلة زائفة
- بين الثابت والمتغير: لماذا نحتاج إلى إصلاح ديني؟
- من نحن قبل الطوائف؟
- الأمل الذي يرحل قبل أصحاب الحقائب
- حفار القبور لا يخطئ الموعد
- الإفلاس يختبر الأخلاق
- ما تمنحه المدن العابرة
- مخطوطة الرغبة التي لا تكفّ عن إعادة كتابة نفسها
- سجون بلا جدران
- حين كان الحلم أكبر من العالم
- بين الخبز والحرية
- بين التوقيع واللاجدوى
- الجدل الذي يجعلنا أكثر إنسانية
- التقمص (Reincarnation) و استنساخ الأرواح
- قلب لا يهدأ وهوية معلّقة و وجع منفى
- حين يعيش الإنسان… ويترك غيره يعيش
- والخلود يصبح عبئا
- -هام-* في انتظار المستحيل: حيث تتمرد الأمنية على قوانين الزم ...
- المرأة المناسبة التي لا تأتي: عطب الرغبة
- أين يختبئ واحدنا؟


المزيد.....




- الرئيس البولندي حول تجريد زيلينسكي من وسام -النسر الأبيض-: ت ...
- فانس يدعو حزب الله لوقف النار: سنعمل على منع إسرائيل من شن ه ...
- فيتسو: لن أفوت أي فرصة للحوار مع بوتين
- ماروتشكو: ضربات الجيش الروسي قطعت إمدادات العدو في قسطنطينوف ...
- الكونغو الديمقراطية تعلن ارتفاع إصابات إيبولا إلى 956 حالة ب ...
- رئيس وزراء هنغاريا يضع شرطا لقبول أوكرانيا في الاتحاد الأورو ...
- ميروشنيك: تمجيد أوكرانيا لـ-جيش المتمردين- يمنح بولندا مبررا ...
- السودان: أكبر أزمة لجوء في العالم
- قبيل انطلاق المفاوضات في سويسرا.. الحرس الثوري يعلن إغلاق مض ...
- ما هي المعدات التي يطالب زيلينسكي بيلاروسيا بإزالتها من الحد ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أكرم شلغين - أبعد من الشرق والغرب