أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أكرم شلغين - من نحن قبل الطوائف؟














المزيد.....

من نحن قبل الطوائف؟


أكرم شلغين

الحوار المتمدن-العدد: 8726 - 2026 / 6 / 4 - 04:50
المحور: قضايا ثقافية
    


حين أرى وأسمع وأقرأ ما يدور اليوم من جدل حول الدين أو الطائفة أو الهوية، يقفز إلى ذهني سؤال أبسط وأعمق: من كان أجدادنا قبل كل هذه الأسماء التي نتعارف بها اليوم؟
لقد عرفت بلاد الشام خلال تاريخها الطويل الكنعانيين والفينيقيين والآراميين والأوغاريتيين والأنباط واليونان والرومان والعرب وغيرهم. وتعاقبت عليها دول وإمبراطوريات لا تكاد تحصى. ومع ذلك، فإن معظم المؤرخين المعاصرين لا ينظرون إلى هذا التاريخ على أنه سلسلة من الشعوب التي اختفت لتحل محلها شعوب جديدة، بل على أنه تاريخ طويل من التحولات الثقافية والدينية واللغوية التي جرت فوق قاعدة سكانية محلية استمرت عبر القرون.
يشير المؤرخ اللبناني كمال الصليبي إلى أن تاريخ بلاد الشام لا يمكن فهمه من خلال الانقطاعات وحدها، بل من خلال الاستمرارية أيضا. فالقرى والمدن والجبال التي نعرفها اليوم لم تكن مسرحا لتبدل السكان بالكامل مع كل مرحلة تاريخية، بل بقي فيها أبناء الأرض أنفسهم وهم ينتقلون من لغة إلى أخرى ومن عقيدة إلى أخرى ومن هوية سياسية إلى أخرى.
أما المؤرخ ألبيرت حوراني، فيبين في كتاباته عن تاريخ الشعوب العربية أن انتشار اللغة العربية بعد الفتح الإسلامي لم يكن نتيجة استبدال شامل للسكان، بل كان في جانب كبير منه عملية تعرُّب ثقافي ولغوي لسكان محليين كانوا يعيشون في المنطقة قبل الإسلام بقرون طويلة. وهذا يعني أن كثيرا ممن أصبحوا يعرفون لاحقا بالعرب كانوا في الأصل امتدادا بشريا للشعوب التي سكنت هذه البلاد قبلهم.
ويذهب المؤرخ الفرنسي فرنان بروديل إلى أن المجتمعات المتوسطية تتميز باستمرارية عميقة تتجاوز الأحداث السياسية العابرة. فالدول تتغير، والحدود تتبدل، والأديان تنتشر وتنحسر، لكن البشر الذين يعيشون على الأرض نفسها يحملون معهم طبقات متراكمة من الذاكرة والتاريخ.
ومن هنا يمكن النظر إلى الواقع الشامي المعاصر من زاوية مختلفة. فالعلوي والمسيحي والسني والدرزي والإسماعيلي قد يكونون أقرب إلى بعضهم من حيث الجذور التاريخية مما توحي به الانقسامات الحالية. لقد اختلفت العقائد واللغات عبر العصور، لكن ذلك لا يعني أن سكان البلاد أنفسهم تبدلوا في كل مرة.
إن الإنسان الذي يعيش اليوم في اللاذقية أو طرطوس أو دمشق أو حلب قد يحمل في ذاكرته الوراثية والثقافية شيئا من إرث أوغاريت وآرام وفينيقيا أكثر مما يدرك. وربما كانت الأسماء التي نتعارف بها اليوم أحدث عمرا بكثير من الجذور التي تجمعنا.
ولهذا فإن السؤال ليس: إلى أي طائفة ننتمي؟
بل ربما يكون السؤال الأعمق: كم من التاريخ المشترك ما زال يسكن فينا رغم كل ما فرق بيننا؟
فإذا كانت العقائد قد تغيرت مرات عديدة عبر آلاف السنين، فإن الأرض بقيت هي الأرض، والناس بقوا في معظمهم أبناءها. وربما كانت هذه الحقيقة أقدم وأبقى من جميع الأسماء التي حملناها عبر التاريخ.
ولعل أكثر ما يدعو إلى التأمل وسط الخطاب الطائفي المحتدم اليوم أن المتخاصمين لا يدركون أحيانا أنهم أقرب إلى بعضهم مما يظنون. فبينهم من التاريخ المشترك ما هو أعمق بكثير من الخلافات التي تفرقهم. ولنتذكر أن أوغاريت وآرام ودمشق القديمة وتدمر وصور ليست ملكا لطائفة أو جماعة بعينها، بل هي جزء من الإرث الحضاري المشترك لأهل هذه البلاد جميعا، بكل تنوعهم واختلافاتهم.
………………………………………….
تعتمد هذه الفكرة على مفهوم الاستمرارية السكانية الذي ناقشه عدد من المؤرخين والباحثين، منهم كمال الصليبي وألبرت حوراني وفرنان بروديل، ولا تدعي وجود نقاء عرقي أو أصل واحد بالمعنى البيولوجي الدقيق، بل تؤكد استمرارية الوجود البشري المحلي في بلاد الشام عبر العصور.



#أكرم_شلغين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الأمل الذي يرحل قبل أصحاب الحقائب
- حفار القبور لا يخطئ الموعد
- الإفلاس يختبر الأخلاق
- ما تمنحه المدن العابرة
- مخطوطة الرغبة التي لا تكفّ عن إعادة كتابة نفسها
- سجون بلا جدران
- حين كان الحلم أكبر من العالم
- بين الخبز والحرية
- بين التوقيع واللاجدوى
- الجدل الذي يجعلنا أكثر إنسانية
- التقمص (Reincarnation) و استنساخ الأرواح
- قلب لا يهدأ وهوية معلّقة و وجع منفى
- حين يعيش الإنسان… ويترك غيره يعيش
- والخلود يصبح عبئا
- -هام-* في انتظار المستحيل: حيث تتمرد الأمنية على قوانين الزم ...
- المرأة المناسبة التي لا تأتي: عطب الرغبة
- أين يختبئ واحدنا؟
- الحقيقة التي تتسع للجميع
- جورة حسني
- بين القرب والبعد: تأملات في المسافة والحنين


المزيد.....




- بعد أن كانت بمنأى عنها.. الحرب تقترب من أكبر مدن روسيا
- ماذا يخطط زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون بتفقد منشأة نووية ...
- فيديو يوثق لحظة اصطدام طائرة مسيرة بمبنى في مطار الكويت
- -علينا كسر حزب الله لإنقاذ لبنان- – مقال في التايمز
- هل يطوي نصب باريس صفحة الخلافات بين فرنسا ورواندا؟
- بدبلوماسية الجوار النشطة.. كيف يعيد رئيس بنين الجديد رسم خري ...
- الاحتلال يسرق أراضي الفلسطينيين بنابلس لصالح المستوطنين
- بين غزة ولبنان.. عائلات تُمحى من السجل المدني تحت القصف الإس ...
- بعد سنوات من الآلام تمضي الصومال بثبات إلى انتخابات جديدة
- انتكاسة لطموحها الدولي.. ألمانيا تفشل لأول مرة في دخول مجلس ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أكرم شلغين - من نحن قبل الطوائف؟