أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أكرم شلغين - الأمل الذي يرحل قبل أصحاب الحقائب














المزيد.....

الأمل الذي يرحل قبل أصحاب الحقائب


أكرم شلغين

الحوار المتمدن-العدد: 8724 - 2026 / 6 / 2 - 20:48
المحور: قضايا ثقافية
    


حين يتحدث الناس عن الهجرة، فإنهم غالبا ما يختزلونها في سبب واحد: المال. وكأن ملايين البشر الذين يتركون أوطانهم ومدنهم وأصدقاءهم وذكرياتهم إنما يفعلون ذلك فقط من أجل راتب أعلى أو مستوى معيشي أفضل. لكن الواقع أكثر تعقيدا من ذلك بكثير. فلو كانت الهجرة مسألة اقتصادية بحتة، لما رأينا أطباء ومهندسين وأساتذة جامعات وفنانين وأصحاب أعمال يغادرون بلدانهم. ولما رأينا أشخاصا يملكون بيتا مستقرا ودخلا مقبولا يقررون البدء من الصفر في بلاد لا يعرفون لغتها ولا عاداتها. ولو كان المال وحده هو الدافع، لما خاطر آلاف الناس بأرواحهم في البحار والحدود، لأن العقل الاقتصادي البحت لا يبرر أحيانا حجم المخاطرة مقارنة بالمكسب المتوقع.
الهجرة في جوهرها ليست انتقالا من مكان إلى آخر، بل انتقال من شعور إلى شعور. إنها ليست حركة أجساد بين البلدان، بل حركة أرواح تبحث عن فسحة أوسع للحياة. إنها محاولة للهروب من الإحساس بالانسداد. فليس أقسى ما يواجهه الإنسان أن يكون فقيرا، بل أن يشعر أن الغد لن يختلف عن اليوم مهما فعل. والإنسان يحتمل التعب أكثر مما يحتمل العبث. فإذا رأى أن الطريق يؤدي إلى مكان ما، واصل السير. أما إذا شعر أنه يدور في حلقة مغلقة، بدأ يبحث عن طريق آخر ولو قاده إلى أقصى الأرض.
وهذا حال كثير من الشباب العربي الذين لا يشعرون فقط بأنهم فقراء، بل يشعرون أن العالم يتحرك بينما هم ثابتون في أماكنهم. يرون السنوات تمر، ويرون أقرانهم في أماكن أخرى يبنون حياتهم ويخططون لمستقبلهم ويحققون أحلامهم الصغيرة والكبيرة، بينما يقفون هم على هامش الزمن، لا يستطيعون التقدم ولا يستطيعون التراجع. كأنهم يعيشون في منطقة رمادية بين الحياة والموت. ليس الواحد منهم ميتا حتى يستريح، ولا حيا بالمعنى الذي يسمح له بأن يحلم ويخطط وينجز. وقد تسمع صوته الداخلي يقول: "لا أريد أن أصبح ثريا، أريد فقط أن أشعر أن جهدي له قيمة." أو يقول: "لا أبحث عن الجنة، بل عن مكان أعرف فيه أن الغد قد يكون أفضل من اليوم." وقد يقول آخر: "أريد أن أعيش في مكان لا يراقب فيه الناس تفاصيل حياتي أكثر مما أراقبها أنا." ويقول غيره: "أريد أن أخطئ وأتعلم وأختلف وأختار، دون أن أتحول إلى قضية عامة أو هدف لأحكام الآخرين." هذه ليست مطالب اقتصادية، بل مطالب إنسانية. فالإنسان لا يحتاج إلى الخبز وحده، بل يحتاج أيضا إلى الكرامة والأمل والحرية والشعور بالجدوى. ولذلك نجد أن بعض البلدان التي لا تمتلك ثروات طبيعية ضخمة تستقطب المهاجرين من أنحاء العالم، ليس لأنها الأغنى فقط، بل لأنها نجحت بدرجات متفاوتة في بناء مؤسسات وقوانين تمنح الفرد شعورا بأن مستقبله مرتبط بعمله وكفاءته أكثر من ارتباطه بالصدفة أو العلاقات أو الانتماءات الضيقة. ومن هنا يمكن فهم مفارقة تبدو غريبة للوهلة الأولى: فبعض المناطق التي تمتلك ثروات هائلة وتاريخا عريقا ما زالت تصدر أبناءها إلى الخارج، بينما تستقبل دول أحدث عهدا وأقل ثراء بشريا ملايين الوافدين إليها.
المسألة ليست ما يوجد تحت الأرض من ثروات، بل ما يشعر به الإنسان فوق الأرض. وقديما قال سينيكا: "لا توجد ريح مواتية لمن لا يعرف إلى أي ميناء يتجه." ومشكلة كثير من الشباب ليست أنهم لا يملكون سفينة، بل أنهم لا يرون الميناء أصلا. إنهم يبحثون عن أفق. عن شعور بأن الزمن يعمل لصالحهم لا ضدهم. عن مجتمع يسمح لهم بأن يكونوا أنفسهم دون خوف. وعن مكان لا يضطر فيه الأب إلى أن يحلم بسفر ابنه أكثر مما يحلم بنجاحه في وطنه. فالوطن الحقيقي ليس مجرد الأرض التي نولد عليها، بل المكان الذي نستطيع أن نبني فيه حياة قابلة للحياة. ولهذا فإن الناس لا يهاجرون دائما لأنهم يكرهون أوطانهم، بل لأنهم يحبون الحياة التي لم يستطيعوا العثور عليها فيها. إنهم لا يرحلون بحثا عن المال وحده، بل بحثا عن الزمن المفقود، وعن الفرصة المؤجلة، وعن الحق البسيط في أن يشعر الإنسان أن حياته تتقدم إلى الأمام.
وبكلام مختصر، قد يكون السؤال الأهم ليس: لماذا يهاجر الناس؟ بل ما الذي يجعل إنسانا يترك كل ما يعرفه، وكل من يحبهم، ويقبل بالغربة والمجهول؟ الجواب موجع في بساطته: حين يصبح الأمل في مكان آخر أكبر من الأمل في المكان الذي يقف فيه. وأنا لا أكتب هنا عن الهجرة وحدها، بل عن الأمل. فحيث يوجد الأمل يبقى الناس ويصبرون ويتحملون. وحين يتآكل الأمل تصبح الحدود والجوازات والبحار مجرد تفاصيل تقنية في رحلة البحث عن حياة أخرى. لذلك فإن أخطر ما تواجهه المجتمعات ليس أن يغادرها بعض أبنائها، بل أن يكبر جيل كامل وهو يرى مستقبله في مكان آخر. فعندما يتحول سؤال الشباب من: "كيف أبني وطني؟" إلى: "كيف أغادره؟"، لا تكون المشكلة في الهجرة وحدها، بل في الأمل الذي بدأ يرحل قبل أصحاب الحقائب.



#أكرم_شلغين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حفار القبور لا يخطئ الموعد
- الإفلاس يختبر الأخلاق
- ما تمنحه المدن العابرة
- مخطوطة الرغبة التي لا تكفّ عن إعادة كتابة نفسها
- سجون بلا جدران
- حين كان الحلم أكبر من العالم
- بين الخبز والحرية
- بين التوقيع واللاجدوى
- الجدل الذي يجعلنا أكثر إنسانية
- التقمص (Reincarnation) و استنساخ الأرواح
- قلب لا يهدأ وهوية معلّقة و وجع منفى
- حين يعيش الإنسان… ويترك غيره يعيش
- والخلود يصبح عبئا
- -هام-* في انتظار المستحيل: حيث تتمرد الأمنية على قوانين الزم ...
- المرأة المناسبة التي لا تأتي: عطب الرغبة
- أين يختبئ واحدنا؟
- الحقيقة التي تتسع للجميع
- جورة حسني
- بين القرب والبعد: تأملات في المسافة والحنين
- أثر الكلام في الأفراد والمجتمعات: بين السحر والسلطة


المزيد.....




- لحظة اصطدام سيارة بمنزل سكني في فلوريدا.. شاهد ما حدث
- جنح القاهرة الجديدة تقضي بحبس دومة سنة مع الشغل لدفاعه عن حق ...
- طهران تتوعد بـ-سيل من الصواريخ والمسيّرات- في حال تجدد الهجم ...
- مقتل شخص وأكثر من 60 جريحا في هجوم بمسيرات وصواريخ ‌إيرانية ...
- ألبوم -نفس- لسلوى جرادات: مقاربة موسيقية أصيلة لنصوص شاعرات ...
- لبنان: مقتل 6 أشخاص باستهداف إسرائيلي لسيارة قرب مدينة صور
- بين النفقة والسكن.. معاناة المطلقات في مصر
- ماكرون يلتقي وزير الداخلية الجزائري والبلدان يتفقان على تعزي ...
- تنسيق قطري سعودي لدعم جهود الوساطة وخفض التصعيد بالمنطقة
- قوى سودانية تتمسك بحوار داخلي وترفض شرعنة الدعم السريع


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أكرم شلغين - الأمل الذي يرحل قبل أصحاب الحقائب