أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - أكرم شلغين - بين الثابت والمتغير: لماذا نحتاج إلى إصلاح ديني؟














المزيد.....

بين الثابت والمتغير: لماذا نحتاج إلى إصلاح ديني؟


أكرم شلغين

الحوار المتمدن-العدد: 8735 - 2026 / 6 / 13 - 22:15
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


لا يكاد يوجد مجتمع في العالم لم يطرح على نفسه سؤال العلاقة بين الدين ومتطلبات العصر. فمع تغير الحياة وتطور العلوم وتبدل أشكال الاقتصاد والسياسة، يصبح من الطبيعي أن تعيد المجتمعات النظر في الطريقة التي تفهم بها تراثها الديني وتطبقه في واقعها الجديد.
ولعل السؤال الأهم اليوم ليس ما إذا كان الدين مهما أم لا، بل كيف نوازن بين الثوابت الدينية التي تمنح الإنسان المعنى والهوية، وبين المتغيرات التي تفرضها الحياة الحديثة. كيف نحافظ على جوهر الإيمان دون أن نحول كل ما ورثناه من الماضي إلى قواعد جامدة لا تقبل المراجعة؟
في الأصل، جاءت الأديان لتقدم إجابات جديدة لعصورها، ولتحدث تغييرا في مجتمعات كانت تعاني مشكلات وظلما وأنماطا من التفكير لم تعد مناسبة لذلك الزمن. لكن ما كان يمثل تقدما قبل قرون طويلة لا يمكن أن يتحول تلقائيا إلى إجابة جاهزة لكل أسئلة القرن الحادي والعشرين. فالعالم الذي نعيش فيه اليوم مختلف جذريا عن العالم الذي عرفه أسلافنا، وتحدياته مختلفة، وأدواته مختلفة، وحتى طريقة فهم الإنسان لنفسه وللكون من حوله أصبحت مختلفة.
هنا تظهر أزمة الخطاب الديني السائد في كثير من الأحيان. فبدلا من الانشغال بأسئلة العلم والتعليم والإبداع والاقتصاد والعدالة الاجتماعية والتطور ، نجد قدرا كبيرا من الجهد يذهب إلى نقاش تفاصيل جزئية لا تكاد تمس التحديات الحقيقية التي تواجه الإنسان المعاصر. وفي الوقت الذي يناقش فيه العالم الذكاء الاصطناعي والطب المتقدم والطاقة والفضاء، ما زالت مجتمعاتنا تدخل في جدالات طويلة حول قضايا فرعية لا تغير شيئا في مستوى المعرفة أو التقدم أو جودة الحياة.
المشكلة ليست في وجود هذه المسائل أو في حق الناس في مناقشتها، بل في اختلال الأولويات. فحين تتحول التفاصيل إلى محور التفكير، وتتراجع الأسئلة الكبرى المتعلقة بالعلم والحرية والكرامة والتنمية، يصبح المجتمع أقل قدرة على مواكبة العالم من حوله.
إن الأمم لا تتقدم لأنها تمتلك أجوبة جاهزة لكل شيء، بل لأنها تملك الشجاعة لطرح الأسئلة الصحيحة. والتاريخ الحديث يقدم أمثلة كثيرة على مجتمعات استطاعت أن تحافظ على هويتها وثقافتها، وفي الوقت نفسه تنفتح على المعرفة والعلم والتجديد. لم تتقدم اليابان أو كوريا الجنوبية أو سنغافورة لأنها تخلت عن خصوصيتها، بل لأنها وضعت الإنسان والتعليم والعقل المنتج في مركز مشروعها الحضاري.
أما إذا استمر التفكير المغلق الذي يرفض المراجعة ويخشى كل جديد، فإن النتيجة المتوقعة ليست الحفاظ على الهوية كما يظن البعض، بل الابتعاد التدريجي عن حركة العالم. ومع مرور العقود قد نجد أنفسنا أكثر عزلة، وأقل قدرة على الإسهام في العلوم والاقتصاد والثقافة والمعرفة الإنسانية. وعندها لن نكون حراس تراث فحسب ــ كما نحن الآن، بل متفرجين على مستقبل يصنعه الآخرون.
لكن إذا كانت الحاجة إلى الإصلاح واضحة، فلماذا يبدو تحقيقه صعبا إلى هذا الحد؟
الجواب أن الإصلاح لا يواجه عقبة فكرية فقط، بل يواجه أيضا مصالح راسخة. فالمؤسسات الدينية، شأنها شأن أي مؤسسة اجتماعية، تميل بطبيعتها إلى المحافظة على التفسيرات التي تمنحها النفوذ والمكانة. كما أن بعض السلطات السياسية تجد في الخطاب التقليدي وسيلة للحفاظ على استقرار سلطاتها وتجنب الأسئلة التي قد تعيد توزيع القوة أو المعرفة داخل المجتمع. ولهذا يصبح الإصلاح عملية معقدة تصطدم بمقاومة من أطراف متعددة.
ومن هنا يبرز سؤال آخر: من يستطيع أن يقود الإصلاح؟
هل يأتي من داخل المؤسسات الدينية نفسها عبر علماء ومفكرين يمتلكون الشجاعة لإعادة قراءة التراث؟ أم يأتي من مثقفين وباحثين يعملون خارج هذه المؤسسات؟ ربما يخبرنا التاريخ أن الإصلاحات الكبرى لم تكن حكرا على جهة واحدة، بل كانت ثمرة حوار طويل بين المجتمع والمفكرين والمصلحين، وبين الحاجة إلى الحفاظ على الجذور والحاجة إلى مواكبة العصر.
ما تحتاجه مجتمعاتنا اليوم ليس التخلي عن الدين، ولا إعلان الحرب على التراث، بل تحرير العقل من الخوف. نحتاج إلى ثقافة ترى في السؤال فضيلة لا جريمة، وفي المعرفة فرصة لا تهديدا، وفي الفن والجمال والإبداع تعبيرا عن الإنسان لا خطرا عليه.
فلا الأمم تبنى بالتحريم وحده، ولا المجتمعات تنهض بالخوف. ما يصنع المستقبل حقا هو الإنسان الواعي، المتعلم، القادر على التفكير والنقد والابتكار. الإنسان الذي يعرف حقوقه وواجباته، ويتعامل مع العالم بثقة لا بعزلة، وبعقل منفتح لا بعقل محاصر.
فالقضية في النهاية ليست بناء أبراج أعلى أو مدن أكبر، بل بناء إنسان أكثر حرية ومعرفة وقدرة على الإسهام في الحضارة الإنسانية. ذلك هو الاستثمار الحقيقي الذي يبقى، وهو الطريق الوحيد لكي نكون جزءا من المستقبل لا مجرد شهود عليه.



#أكرم_شلغين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من نحن قبل الطوائف؟
- الأمل الذي يرحل قبل أصحاب الحقائب
- حفار القبور لا يخطئ الموعد
- الإفلاس يختبر الأخلاق
- ما تمنحه المدن العابرة
- مخطوطة الرغبة التي لا تكفّ عن إعادة كتابة نفسها
- سجون بلا جدران
- حين كان الحلم أكبر من العالم
- بين الخبز والحرية
- بين التوقيع واللاجدوى
- الجدل الذي يجعلنا أكثر إنسانية
- التقمص (Reincarnation) و استنساخ الأرواح
- قلب لا يهدأ وهوية معلّقة و وجع منفى
- حين يعيش الإنسان… ويترك غيره يعيش
- والخلود يصبح عبئا
- -هام-* في انتظار المستحيل: حيث تتمرد الأمنية على قوانين الزم ...
- المرأة المناسبة التي لا تأتي: عطب الرغبة
- أين يختبئ واحدنا؟
- الحقيقة التي تتسع للجميع
- جورة حسني


المزيد.....




- المقاومة الإسلامية في لبنان:‏ استهدفنا تجمعاً لآليات -جيش- ا ...
- رئيس اركان الحشد الشعبي عبد العزيز المحمداوي بمناسبة الذكرى ...
- مدرب السنغال يثير الجدل بشأن ممارسة الشعائر الدينية خلال بطو ...
- المقاومة الإسلامية في لبنان: استهدفنا بمسيرتين انقضاضيتين تج ...
- المقاومة الإسلامية في لبنان: استهدف مجاهدونا جرّافة عسكريّة ...
- إيران تستعد لتشييع جنازة المرشد الأعلى الراحل علي خامنئي ابت ...
- مكتب حفظ ونشر أعمال القائد الشهيد للثورة الإسلامية يعلن عن ت ...
- السلطة القضائية: العفو عن 139 محكوماً بالإعدام بموافقة قائد ...
- المتحدث باسم السلطة القضائية: العفو عن 139 محكوماً بالإعدام ...
- أبو عبيدة: الضغط في الضفة الغربية سيقود إلى الانفجار وجنين - ...


المزيد.....

- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي
- إله الغد / نيل دونالد والش
- في البيت مع الله / نيل دونالد والش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - أكرم شلغين - بين الثابت والمتغير: لماذا نحتاج إلى إصلاح ديني؟