أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أكرم شلغين - حين تصبح الوشاية فضيلة زائفة














المزيد.....

حين تصبح الوشاية فضيلة زائفة


أكرم شلغين

الحوار المتمدن-العدد: 8740 - 2026 / 6 / 18 - 00:15
المحور: قضايا ثقافية
    


منذ سنوات طويلة، وفي شتاء عام 1990 تحديدا، وقعت حادثة صغيرة ما زالت عالقة في ذهني حتى اليوم. كان أحد الطلاب العرب يدرس في جامعة غربية، وذهب مساء إلى مكتب أمن الجامعة وهو يحمل قدرا واضحا من الحماسة والتفاؤل. كان يتوقع أن يسمع كلمات الثناء والتقدير. جلس أمام الموظفين وأبلغهم بأن طالبا آخر، وهو بالمصادفة من بلده نفسه وصديقه أيضا، استخدم غسالات الجامعة دون أن يدفع ثمن الغسيل.
شرح لهم القصة بالتفصيل: وضع الطالب النقود في جهاز حصالة الغسالة، فعملت الغسالة، لكن القطع النقدية سقطت في الأسفل بسبب عطل ما، فالتقطها وأخذها معه....استمع إليه رجل الأمن الأول ثم قال بهدوء: "لا نرى في ذلك ما يستدعي الاهتمام. الجهاز كان معطلا، والغسالة عملت بالفعل، ولو لم يأخذ تلك النقود لأخذها شخص آخر بعده." أما الثاني فبدا أكثر انزعاجا وقال: "ربما يحدث هذا النوع من التصرفات في بلدك، أما هنا فلن تجد أذنا صاغية لمثل هذا الكلام."
خرج الطالب يومها بخليط غريب من المشاعر؛ إحباط لأنه لم ينجح في إيذاء زميله، وإهانة لأنه لم يحصل على التقدير الذي كان ينتظره كما كان سرده لما حدث يرشح لحظتها...
لم أفهم يومها سبب تعلق هذه الحادثة بذاكرتي كل هذه السنوات، لكنني فهمت ذلك مؤخرا عندما شاهدت مقطعا مصورا لرجل يقيم خارج بلده، يسجل رسالة مرئية إلى سلطات بلده الأمنية، يبلغهم فيها عن شخص من مدينته لأنه يحمل رأيا سياسيا مخالفا. لم يكتف بالاسم، بل دلّ عليهم مكان عمله وموقع متجره وكيفية الوصول إليه.
عندها عادت إليّ تلك الحادثة القديمة بكل تفاصيلها. فالفرق بين الواقعتين كبير في الزمن وصغير في الجوهر. في الحالتين هناك شخص يشعر بالرضا لأنه يسلم إنسانا آخر إلى سلطة ما. وفي الحالتين أيضا لا يبدو أن الدافع حماية المجتمع أو الدفاع عن القانون، بقدر ما هو الرغبة في الإضرار بالآخر أو تحقيق شعور داخلي بالتفوق عليه.
وهنا ينبغي التفريق بين أمرين يختلطان كثيرا. فالتبليغ عن جريمة حقيقية أو عن اعتداء أو فساد أو خطر يهدد الناس هو واجب أخلاقي وقانوني. أما الوشاية التي تقوم على الكيد أو الحسد أو تصفية الحسابات أو الاختلاف الفكري فهي شيء مختلف تماما.
الأولى تحمي المجتمع. أما الثانية فتهدمه.
ولعل أخطر ما في الوشاية أنها لا تؤذي الضحية وحدها، بل تقتل الثقة بين الناس. فعندما يخاف الإنسان من أن يتحول جاره أو زميله أو حتى صديقه إلى مخبر عليه، يصبح المجتمع كله أكثر توترا وأكثر انقساما وأقل قدرة على التعاون.
ولذلك لم تحتقر المجتمعات السليمة شيئا كما احتقرت الواشي. ففي التراث العربي قيل: "من نمّ إليك نمّ عليك"، وهي حكمة قصيرة تختصر فهما عميقا للطبيعة البشرية؛ فمن اعتاد نقل الأذى إلى الناس لن يتردد في نقل الأذى عنك أيضا عندما تتغير الظروف.
وفي التراث الإسلامي جاء التحذير الواضح من السعي بين الناس بالفساد وإشعال العداوات ونقل الكلام للإضرار بالآخرين، لأن المجتمع لا يقوم على الشك الدائم بل على الثقة والعدل.
ولا أظن أن دينا أو عرفا أو منظومة أخلاقية محترمة يمكن أن تعتبر إيذاء البشر فضيلة أو تحول التشهير بهم إلى عمل نبيل. فالأمم لا تتقدم بكثرة الواشين، ولا بقوة أجهزة المراقبة، ولا بعدد الأشخاص الذين يتطوعون للإيقاع بغيرهم. وإنما الأمم تتقدم حين ينشغل الناس بالعلم والعمل والإبداع والبناء.
أما المجتمعات التي يكثر فيها صائدو الأخطاء ومتعقبو العثرات، فإنها تهدر طاقتها في معارك صغيرة لا تنتج علما ولا صناعة ولا ازدهارا. ولعل المجتمع الصحي ليس ذلك المجتمع الذي لا يخطئ أفراده، فهذا مستحيل، بل المجتمع الذي لا يكافئ الوشاية، ولا يمنح الكراهية ثوبا أخلاقيا، ولا يسمح بتحويل السلطة إلى أداة لتصفية الحسابات الشخصية.
فالإنسان الشريف لا يُعرف بقدرته على الإضرار بالناس، بل بقدرته على العدل معهم حتى عندما يختلف معهم. ولعل الفرق بين المجتمعات التي تبني مستقبلها وتلك التي تستهلك نفسها في الخصومات الصغيرة، هو أن الأولى تنشغل بالأفكار والعمل والإبداع، بينما تنشغل الثانية بمراقبة الناس وتتبع عثراتهم. كما تقول العبارة الشهيرة:
"النفوس الكبيرة تناقش الأفكار، والنفوس المتوسطة تناقش الأحداث، أما النفوس الصغيرة فتنشغل بالناس."



#أكرم_شلغين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين الثابت والمتغير: لماذا نحتاج إلى إصلاح ديني؟
- من نحن قبل الطوائف؟
- الأمل الذي يرحل قبل أصحاب الحقائب
- حفار القبور لا يخطئ الموعد
- الإفلاس يختبر الأخلاق
- ما تمنحه المدن العابرة
- مخطوطة الرغبة التي لا تكفّ عن إعادة كتابة نفسها
- سجون بلا جدران
- حين كان الحلم أكبر من العالم
- بين الخبز والحرية
- بين التوقيع واللاجدوى
- الجدل الذي يجعلنا أكثر إنسانية
- التقمص (Reincarnation) و استنساخ الأرواح
- قلب لا يهدأ وهوية معلّقة و وجع منفى
- حين يعيش الإنسان… ويترك غيره يعيش
- والخلود يصبح عبئا
- -هام-* في انتظار المستحيل: حيث تتمرد الأمنية على قوانين الزم ...
- المرأة المناسبة التي لا تأتي: عطب الرغبة
- أين يختبئ واحدنا؟
- الحقيقة التي تتسع للجميع


المزيد.....




- الرئيس البولندي حول تجريد زيلينسكي من وسام -النسر الأبيض-: ت ...
- فانس يدعو حزب الله لوقف النار: سنعمل على منع إسرائيل من شن ه ...
- فيتسو: لن أفوت أي فرصة للحوار مع بوتين
- ماروتشكو: ضربات الجيش الروسي قطعت إمدادات العدو في قسطنطينوف ...
- الكونغو الديمقراطية تعلن ارتفاع إصابات إيبولا إلى 956 حالة ب ...
- رئيس وزراء هنغاريا يضع شرطا لقبول أوكرانيا في الاتحاد الأورو ...
- ميروشنيك: تمجيد أوكرانيا لـ-جيش المتمردين- يمنح بولندا مبررا ...
- السودان: أكبر أزمة لجوء في العالم
- قبيل انطلاق المفاوضات في سويسرا.. الحرس الثوري يعلن إغلاق مض ...
- ما هي المعدات التي يطالب زيلينسكي بيلاروسيا بإزالتها من الحد ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أكرم شلغين - حين تصبح الوشاية فضيلة زائفة