أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - العراقيون يبحثون عن جائزة ترضية في كرة القدم















المزيد.....

العراقيون يبحثون عن جائزة ترضية في كرة القدم


كرم نعمة
كاتب عراقي مقيم في لندن

(Karam Nama)


الحوار المتمدن-العدد: 8746 - 2026 / 6 / 24 - 18:13
المحور: الادب والفن
    


لسوء حظ التاريخ، لا يجد العراقيون اليوم جائزة ترضية معاصرة تعيد لهم شيئاً من كرامة وطنية محطّمة. لذلك يعودون إلى الماضي، إلى ذلك المتحف العاطفي الذي يضعون فيه الرصافي والسيّاب وناظم الغزالي ويوسف العاني وسليم البصري وعلي الوردي… وينتهون بكاظم الساهر بوصفه آخر ما تبقّى من “جوائز الترضية” الممكنة في زمن الرثاثة السياسية والطائفية والثقافية التي تحاصرهم منذ أكثر من عشرين عاماً.
هذه الأسماء ليست مجرد رموز ثقافية، بل تعويض رمزي عن حاضر لا يُحتمل. العراقي الذي لا يجد دولة تحترمه، ولا نظاماً سياسياً يمثّله، ولا مؤسسات تمنحه شعوراً بالانتماء، يذهب إلى الماضي ليبحث عن عراق آخر: عراق السيّاب لا عراق الميليشيات، عراق ناظم الغزالي لا عراق خطباء الكراهية، عراق علي الوردي لا عراق تجار الجهل.
كل واحد من هؤلاء يتحوّل إلى ما يشبه “ميدالية معنوية” يعلّقها العراقي على صدره كي يقنع نفسه أن هذا البلد كان يوماً يستحق الحياة.
في هذا السياق بالذات، يظهر المنتخب الوطني لكرة القدم بوصفه أحدث جوائز الترضية. منتخب صعد إلى كأس العالم بعد تصفيات شاقة، عرقلتها إدارة فاسدة ومتخاصمة للاتحاد العراقي لكرة القدم، لا تختلف في شيء عن أي إدارة سياسية منذ 2003. ومع ذلك، يعلّق العراقيون عليه أملاً بأن يكون “المعبّر الجامع” عنهم، وأن يمنحهم لحظة نادرة يشعرون فيها أنهم شعب واحد، لا رعايا طوائف متناحرة.
هنا بالضبط تكمن خطورة الفكرة وجاذبيتها في آن واحد. العراقي لا يطلب من المنتخب مجرد أداء كروي، بل يطلب منه ما عجزت الدولة عن تقديمه: كرامة، وحدة، صورة محترمة أمام العالم، وإحساساً عابراً بأن هذا البلد ما زال قادراً على أن يكون شيئاً آخر غير الخراب.
هذه ليست كرة قدم، هذه محاولة يائسة لصناعة جائزة ترضية وطنية في ملعب.
لكن هل يمكن لفريق كرة قدم أن يتحمّل كل هذا الحمل الرمزي؟
وهل من العدل أن نحمّل أحد عشر لاعباً مهمة ترميم ما دمّرته عشرات الأحزاب ومئات الميليشيات وآلاف الفاسدين؟
كان مقطع الفيديو الذي نشرته إحدى الناشطات باسم مستعار، لجمهور عراقي في ملعب الشعب في ثمانينيات القرن الماضي، يهتف بصوت واحد: “عراق عراق”.
لم يكن هناك “عراق مزيف”، ولا هتاف طائفي، ولا شعور بأن التشجيع نفسه يمكن أن يكون خيانة لهوية ما. كانت كرة القدم عراقية الهوى، كما يجب أن تكون في أي بلد طبيعي: المنتخب يمثّل الوطن كله، لا طائفة ولا حزباً ولا زعيماً.
اليوم، تحوّل جزء من التشجيع إلى استعراض طائفي فجّ. عمائم تستثمر جهل الجمهور، تهتف باسم الطائفة لا باسم العراق، وتحوّل المباراة إلى مهرجان كراهية، ثم تتحدّث بلا خجل عن “المنتخب الوطني”. كيف يمكن للعراقي أن يشعر بأن هذا المنتخب يمثّله، بينما يجد في بعض هتافاته ما يمسّ عقيدته الوطنية والأخلاقية والحضارية؟
في زمن أكثر قسوة، كان عدنان حمد يقود المنتخب في أولمبياد أثينا 2004 بينما الدبابات الأميركية تسحق طرقات المدن العراقية. كان يصرّ على جملة واحدة: “نلعب باسم العراق وحده.”
لم تكن شعاراً، بل موقفاً أخلاقياً في لحظة كان فيها العراق يُصنع في نشرات الأخبار لا في الملاعب. في كتابه “ملاعب محتلة” يكتب عدنان حمد عن كرة القدم كما لو أنها آخر ما تبقّى من وطن يمكن الدفاع عنه. كان يعرف أن المنتخب هوية مضادة للعراق المزيف الذي صنعته السياسة والأحزاب الطائفية وزعماء الميليشيات. لذلك رفض أن يكون مدرباً طائفياً، فحاربته السلطة ومنعته لاحقاً من العودة لأنه لم ينحنِ للعبة الطوائف.
ظلّ ثابتاً على فكرة واحدة: كرة القدم ليست لعبة… إنها آخر مساحة يمكن أن نكون فيها شعباً واحداً.
لكن المفارقة المؤلمة أن العراق الذي كان يحتاجه أكثر من أي وقت مضى، هو نفسه العراق الذي أغلق الباب في وجهه.
هنا نعود إلى سؤال جائزة الترضية. العراقي اليوم لا يذهب إلى المنتخب فقط لأنه يحب كرة القدم، بل لأنه يبحث عن تعويض معنوي عن كل ما خسره، دولة، أمان، ثقة، أفق. يريد أن يقول لنفسه “على الأقل لدينا منتخب.”
كما يقول: “على الأقل لدينا السيّاب، ناظم الغزالي، كاظم الساهر…”
إنها الجملة نفسها، تتكرر بأشكال مختلفة، لا نملك وطناً، لكن نملك ما يذكّرنا بأننا كنّا نستحق وطناً.
لكن كرة القدم، مهما بلغت من سحر، لا تستطيع أن تحلّ محلّ السياسة، ولا أن تعيد بناء مجتمع مدمّر، ولا أن تمنح شعباً كاملاً ما حُرم منه في الواقع.
هي تستطيع أن تمنح لحظة فرح، أن تخلق وهماً جميلاً بالوحدة، أن تجعل العراقي ينسى لساعة أو ساعتين كل ما يثقل صدره. لكنها في النهاية لعبة، تنتهي بصافرة حكم، ويستيقظ الناس في اليوم التالي على واقع لم يتغيّر.
العالم كله يفهم أن المنتخب مرآة للبلاد. السياسيون والمحللون يقرأون أداء اللاعبين كما لو أنهم يفكّكون آلية المجتمع الداخلية. وعندما يتعلق الأمر بمفهوم الوطنية العميقة، لا تتردد الصحافة في رفع الصوت.
الصحافة البريطانية مثلاً لا تتردّد في اعتبار المنتخب الإنكليزي اليوم تعبيراً حراً عن إنكلترا متوحدة، وترى أن هؤلاء اللاعبين أكثر تمثيلاً للشعب من السياسيين الذين شبّهتهم الغارديان بـ“مجموعة فئران تتصارع داخل كيس”.
أما في العراق، فالمشهد أكثر قسوة، نبحث عن جائزة ترضية في كرة القدم، بينما الجائزة الحقيقية التي نحتاجها ليست هدفاً في مرمى خصم، بل دولة في مرمى التاريخ. نريد منتخباً يربح، لكننا لا نملك بعدُ وطناً يربح.
لهذا يبدو السؤال اليوم أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى: هل يكفي أن نعلّق آمالنا على منتخب، ونترك الوطن نفسه بلا أمل؟
هل يكفي أن نحتفل بجائزة ترضية جديدة، بينما الجائزة الكبرى—عراق محترم، عادل، غير طائفي—ما زالت خارج المتناول؟
الجواب، للأسف، واضح: لا كرة القدم تعوّض وطناً، ولا جائزة الترضية تكفي شعباً خسر كل شيء.
لكن العراقي، رغم ذلك، سيجلس أمام الشاشة، يهتف، يغضب، يفرح، يبكي… لأنه، ببساطة، لا يملك ترف أن يتخلى حتى عن جائزة الترضية الأخيرة.

نص المقال المنشور بالإنجليزية في “ميدل ايست مونيتور”
https://www.middleeastmonitor.com/20260623-iraqs-search-for-a-national-consolation-prize-in-football/



#كرم_نعمة (هاشتاغ)       Karam_Nama#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- يشتري الفقراء الهتاف ويستأجر الأثرياء الصمت؟
- المونديال في زمن الصفقات الترامبية
- لجان تحكيم تمنح صك غفران للآلة
- كاظم الساهر يعيد اللحن العراقي إلى دمه
- ذاكرة مصنوعة للعراق المزيف!
- امتحان التفكير النقدي في الصحافة
- عامٌ لا يكفي لغيابك هيثم الزبيدي
- تكرار أسطورة أغويرو بين السيتي وأرسنال
- مات صادق الصائغ متوكأ على سنوات الخيبة!
- هيغسيث والبابا لاون: استدعاء الله للممبر
- من بيروت إلى بغداد وصنعاء… هل يمكن تعميم اللحظة؟
- هشام مطر يجسد في رواية «أصدقائي» حماقة الاعتقاد بتحررنا من ا ...
- بيدر البصري تعيد الأغنية إلى إنسانيتها
- الصحافة تعيد اكتشاف الطاهية نايجيلا
- وهم الحياد الرقمي
- لماذا يدافع -عراقيون- عن نظام خامنئي؟
- مَن يقلّد مَن؟
- سيدة زحل لم تنتم للعراق المزيف
- استبداد صناعة الذوق في العراق المزيف
- الميليشيات في العراق: من بندقية للإيجار إلى دفتر صكوك


المزيد.....




- مهرجان -فونتانكا ساب- يطلق فئة -أسرار الشرق- للأزياء التنكري ...
- فرع غاليري تريتياكوف في سامارا يفتتح معرض المسابقة الدولية - ...
- الأسبوع المقبل.. استئناف المحادثات الفنية بين واشنطن وطهران ...
- واشنطن تستعد لاستئناف المحادثات الفنية مع طهران وتحركات بشأن ...
- -المسرح يتنفس-... فرقة دمشق المسرحية تعلن انطلاق -بروفة... ي ...
- روبيو: مفاوضات الفرق الفنية حول إيران ستستمر الأسبوع المقبل ...
- بعد سنوات من التحضير.. خلاف ينهي مشروع فيلم السيرة الذاتية ل ...
- المخرجة رشا شربتجي والكاتب سامر رضوان معًا في رمضان 2027
- مدفيديف: عندما لا يفهمونك تحدث بالروسية.. وسنستخدم جميع الآل ...
- Iran Pushes Back Against Trump-s Claims About Frozen Assets ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - العراقيون يبحثون عن جائزة ترضية في كرة القدم