أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - الصحافة تعيد اكتشاف الطاهية نايجيلا














المزيد.....

الصحافة تعيد اكتشاف الطاهية نايجيلا


كرم نعمة
كاتب عراقي مقيم في لندن

(Karam Nama)


الحوار المتمدن-العدد: 8674 - 2026 / 4 / 11 - 18:52
المحور: الادب والفن
    


لم تكن نايجيلا لوسون يومًا مجرد طاهية تُحرّك الملاعق على الشاشة وتترك للمشاهد مهمة تخيّل النكهة. كانت دائمًا كاتبة تتقن تحويل المطبخ إلى استعارة، والتوابل إلى لغة، والطبق إلى قصة تُروى. لكن الصحافة البريطانية، وتحديدًا صحيفة فايننشال تايمز، أعادت اكتشافها هذا الأسبوع بطريقة لم يتوقعها حتى أكثر معجبيها إخلاصًا. أعادتها ككاتبة، كصحافية، كصوتٍ كان مختبئًا خلف لمعان المطبخ.
المفارقة أن كثيرين ممن أحبّوا نايجيلا وهي تعجن وتقطّع وتذيب الزبدة على نار هادئة، لم يعرفوا أنها بدأت حياتها المهنية في الصحافة، وأن أول مقالة نشرتها في الصحافة البريطانية كانت في هذه الصحيفة نفسها. تعود في مقالها الجديد لتتذكر تلك اللحظة: مراجعة لرواية من الواقعية السحرية التي مثلها كتّاب أميركا اللاتينية بما فيهم سيد “مائة عام من العزلة” غابريال غارسيا ماركيز، كتبتها بشغف شابة تتلمس لغتها، ثم تخجل اليوم من وصفها “الحالم والمتشعب”.
هذا الخجل، في الحقيقة، هو ما يجعلها كاتبة قبل أن تكون طاهية. فالكتابة التي لا تخجل من بداياتها، كتابة بلا جذور.
ولنا أن نتخيل ما تبقى من سيرة هذه السيدة التي خرجت من بيت سياسي عريق. فوالدها نايجل لوسون، وزير الخزانة البريطاني في عهد ماغريت تاتشر، كان أحد العقول التي زعزعت إرث “المرأة الحديدية” من الداخل، لا من الشارع. أما زوجها السابق تشارلز سآتشي، قطب الفن والإعلان، ويقال إنه من اصول عراقية من أسرة الساعاتي، فكان جزءًا من تلك الهالة التي أحاطت بها. امرأة تقف في منتصف تقاطع غريب بين السياسة، والثروة، والمطبخ، واللغة.
لكن نايجيلا، في مقالها “الأول كما وصفته فايننشيال تايمز”، لا تستدعي هذه السيرة لتتباهى بها، بل لتقول شيئًا أبسط وأعمق، إنها وصلت إلى الكتابة عن الطعام صدفة، وأن الطبخ المنزلي — بكل عشوائيته وارتباكه — هو ما أرادت الدفاع عنه. أرادت أن تكتب عن الطبخ كما يحدث فعلًا، بلا استعراض، بلا كاميرات، بلا وصفات مُحكمة، بل كفعل إنساني يعيدنا إلى أجسادنا، إلى روائحنا الأولى، إلى تلك الطمأنينة التي لا تمنحها إلا الأفعال البسيطة.
ولعل أجمل ما في اعتراف نايجيلا أنها “هنا صدفة، وإن كانت صدفة سعيدة”، هو أنها تُعيد الاعتبار لفكرة أن المسارات الكبرى في الحياة لا تُصنع دائمًا بقرار واعٍ، بل أحيانًا بانحراف بسيط في الطريق. صدفتها لم تكن هروبًا من الصحافة إلى المطبخ، بل كانت عودة غير معلنة إلى اللغة من باب آخر. حين تقول إنها لم تكن تنوي أن تصبح كاتبة عن الطعام، فهي في الحقيقة تكشف عن جوهر مشروعها. الدفاع عن الطبخ المنزلي بوصفه فعلًا إنسانيًا، لا مهارة احترافية.
تكتب نايجيلا كما تطبخ، ببطء، بثقة، وبشغف لا يحتاج إلى صراخ. تكتب عن الطعام كما لو كانت تكتب عن الحياة نفسها. عن الفوضى التي نحاول ترتيبها، عن الخوف الذي يدفعنا، عن اللغة التي تحاول أن تلتقط ما لا يُلتقط.
ولعل ما يجعل عودة نايجيلا إلى الكتابة حدثًا يستحق الاحتفاء، هو هذا الوعي الحاد الذي تبديه تجاه عالم الطعام كما صار اليوم. عالمٌ تلتهمه الصور قبل أن يتذوقه أحد. الإنترنت، الذي فتح المطبخ للجميع نظريًا، حوّله عمليًا إلى مسرح استعراضي صاخب، تُقاس فيه قيمة الطبق بمدى لمعانه على الشاشة لا بعمقه في الذاكرة.
وهذا، في الحقيقة، هو ما يجعلها كاتبة قبل أن تكون طاهية. إيمانها بأن اللغة قادرة على أن تشمّ، وتتذوق، وتلمس.
تقول نايجيلا إنها، رغم نهمها المعروف، تشعر أحيانًا بأن هذا السيل من الصور يفقدها الشهية. وهذا اعتراف لا يصدر عن طاهية، بل عن كاتبة تعرف أن الصورة — مهما بلغت دقتها — لا تلتقط إلا سطح الطعام، بينما الكلمات وحدها قادرة على أن تنفذ إلى طبقٍ يتكوّن من ذاكرة، ورائحة، وارتباك، وحنين.
هنا تحديدًا تستعيد نايجيلا مكانها الطبيعي، ليست أمام كاميرا، بل أمام صفحة بيضاء. فالتحدي الذي شغلها منذ البداية — كيف يمكن للغة، وهي مادة مجردة، أن تنقل عالمًا حسيًا؟ — هو نفسه ما يعيدها اليوم إلى الصحافة. إنها تقول، دون أن تقول، إن الكتابة عن الطعام ليست وصفًا لما نأكله، بل محاولة لفهم لماذا نأكله، وكيف يصبح الطعام طريقة لقراءة الحياة.
وهكذا، تعود نايجيلا إلى فايننشال تايمز لا كطاهية تُقدّم وصفة، بل ككاتبة تُقدّم سؤالًا. سؤالٌ عن اللغة، وعن الحواس، وعن العالم الذي صار يلتهم صوره أكثر مما يلتهم طعامه. وربما لهذا السبب تحديدًا، تبدو عودتها إلى الكتابة أهم من أي طبق قدّمته على الشاشة: لأنها تُذكّرنا بأن الكلمات، لا الصور، هي التي تمنح الأشياء طعمها الأخير.
فايننشال تايمز لم تُعد اكتشاف نايجيلا كطاهية، بل ككاتبة تعرف أن المطبخ ليس مكانًا لإعداد الوجبات فقط، بل مختبرًا لفهم الحياة.
وما يجعل مقالها الأول في الصحيفة حدثًا ليس أنه “عودة”، بل لأنه استعادة لصوت كان موجودًا دائمًا، لكنه كان ينتظر اللحظة المناسبة ليُسمع من جديد.



#كرم_نعمة (هاشتاغ)       Karam_Nama#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- وهم الحياد الرقمي
- لماذا يدافع -عراقيون- عن نظام خامنئي؟
- مَن يقلّد مَن؟
- سيدة زحل لم تنتم للعراق المزيف
- استبداد صناعة الذوق في العراق المزيف
- الميليشيات في العراق: من بندقية للإيجار إلى دفتر صكوك
- الرحبي ونوفاك حُرّاس اللمسة الأخيرة في زمن بلا يد
- الحياد والصراحة ليست رفاهية صحافية
- إخضاع الجغرافيا للقوة القاهرة بين العراق والكويت لا يجعل الت ...
- بندقية تشيخوف في الخليج.. حين يصبح المسرح دما
- هل عادت واشنطن إلى رشدها في العراق؟
- من يجمع لنا جواد الشكرجي وتيم حسن في دراما معبّرة؟
- حين تغني الخوارزميات أين تختبئ الروح؟
- هل بقاء نظام خامنئي قدر لا يُمسّ؟
- حين تُسحق الصحافة.. يبتسم الفاسدون
- قتل سيف الإسلام لم يكن مفاجأة، بل نجاته تلك السنوات هي المفا ...
- العقلية أم الموهبة؟ سؤال العصر في كرة القدم
- العراق بين مبعوثَين أم حقيقتين؟ نهاية الوهم وبداية الصفعات
- الوردي أم ترامب: من يملك ضحكة العالم؟
- نوري المالكي: النسخة القديمة من الكارثة نفسها


المزيد.....




- بلوزيوم الأثرية.. اكتشاف بقايا معبد يعود لأكثر من ألفي عام ف ...
- بوكسينغ وموسيقى.. علاج غير مألوف لمرضى باركنسون
- عائلته ضمن الحضور.. فيلم عن حياة مايكل جاكسون يجذب الآلاف إل ...
- الرجل الذي كان يهرب على عجلتين
- مقابر بني حسن.. حين نحت أمراء مصر القديمة سيرهم في بطن الجبل ...
- أكثر من 2500 فيلم يتنافسون على المشاركة في «كان» السينمائي
- أول تجربة إنتاجية لمنى زكي.. -وحيدا- ينافس في مهرجان هوليوود ...
- فيلم -الحياة بعد سهام-.. ماذا نعرف حقا عن آبائنا؟
- معرض تشكيلي جماعي بمناسبة الدورة الربيعية لموسم أصيلة الثقاف ...
- جمعية الرّواد تحتفي بالمسرحيين بيوم المسرح العالمي في بيت لح ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - الصحافة تعيد اكتشاف الطاهية نايجيلا