أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - الرحبي ونوفاك حُرّاس اللمسة الأخيرة في زمن بلا يد














المزيد.....

الرحبي ونوفاك حُرّاس اللمسة الأخيرة في زمن بلا يد


كرم نعمة
كاتب عراقي مقيم في لندن

(Karam Nama)


الحوار المتمدن-العدد: 8641 - 2026 / 3 / 9 - 16:47
المحور: الادب والفن
    


دعوني أبحث عمّن يتعاطف مع صديقي الشاعر سيف الرحبي، بعد أن سألوه في حوار احتفائي مع مجلة نزوى في عددها الجديد، عمّا إذا كان ما يزال يكتب بالقلم.
لكن التعاطف هنا ليس هو السؤال الحقيقي؛ فالقلم ليس أداة قديمة نرثيها، بل طريقة في الوجود.
ولهذا لا أتعاطف مع الرحبي بقدر ما أطالبُه بأن يُبقي تلك المواجهة بين القلم ولوحة المفاتيح حيّة، كأنها آخر معركة يخوضها الجسد كي لا يُستبدل بالكامل بالواجهة الرقمية.
فالقلم، حين يلامس الورق، لا يكتب فقط؛ بل يترك أثرًا يشبه نبضًا. أما لوحة المفاتيح، فهي تُنتج نصًا بلا حرارة، نصًا يخرج من العقل مباشرة، متجاوزًا الجسد.
والكتابة التي تتجاوز الجسد، تفقد شيئًا من صدقها، من رعشتها الأولى، من تلك اللحظة التي يشعر فيها الكاتب أن الفكرة تمر عبره لا عبر جهازه. ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أن التقنية أصبحت جزءًا من زمننا.
الكاتب الأميركي بريت إيستون إيليس، مثلًا، يقضي وقتًا مع نصف مليون من متابعيه على منصة “إكس” أكثر مما يقضيه مع روايته القادمة.
لقد أصبح الكاتب موظفًا في جمهوره، لا في نصّه. وهذه مفارقة عصرنا: نكتب أكثر، لكن نكتب أقل عمقًا؛ ننتج نصوصًا، لكن نفقد أثر اليد التي كتبتها.
أما الرحبي، السيف وكأنه يعيد لنا اغتراب عمرو بن معد يكرب ، السيف الذي بقي فردًا في زمن تتكاثر فيه الشاشات “ذَهَبَ الذين أُحِبُّهم وبقيتُ مثلَ السيفِ فَردا”، فيقول: «حاولتُ الكتابة بالتقنيات الحديثة، لكنني لم أحتملها، فعُدتُ إلى مضاربي الأولى».
ويضيف تلك الحكاية التي تختصر علاقتنا المرتبكة بالتكنولوجيا: حين رآه ابنه عزّان يعاني مع جهاز جديد، قال له مازحًا ومشفقًا: بابا، والله أشفق عليك. كأن الجيل الجديد يرى في التقنية امتحانًا للقدرة، بينما يراها جيل الرحبي امتحانًا للهوية.
هذه الحكاية تعيدني إلى فؤاد التكرلي، الذي كان يكتب بقلم الحبر الأخضر وحده، ثم يسلّم المقال لابنه عبدالرحمن ليعيد طباعته على كمبيوتر بدائي. كان التكرلي يكتب بجسده، وابنه يكتب بالعصر. وفي تلك المسافة بين الجسد والعصر، تتشكل كل دراما الكتابة الحديثة.
ولسيف الرحبي معادلٌ آخر في الدفاع عن الكتابة وفق أصولها الأولى: الروائية والشاعرة الأميركية جوانا نوفاك.
هذه الكاتبة ليست ضد التكنولوجيا، لكنها تعرف أن الكمبيوتر يمنحها النص، ولا يمنحها اللمس. واللمس، كما تقول، ليس رفاهية؛ إنه أول حواس البقاء، وأول لغة يفهمها الإنسان قبل أن يتعلم الكلمات.
ولهذا تتوقف أمام مخطوطات الكبار -أينشتاين، ماركيز، وكل من كتب وهو يسمع صوت القلم- لأن تلك الصفحات ليست نصوصًا فقط، بل آثارًا جسدية.
تستعين نوفاك بجملة للفيلسوف الإيرلندي ريتشارد كارني: «إذا فقدنا الاتصال بأنفسنا، نفقد الاتصال بالعالم. وعندما يغيب الاتصال الملموس، يغيب الصدى بين الذات والآخر».
وهذا هو جوهر الفكرة: الكتابة باليد ليست حنينًا، بل دفاعًا عن آخر صلة ملموسة بين الإنسان ونصّه. بين الجسد والفكرة. بين الكاتب والعالم. أما ما يعدنا به العصر الرقمي، فترى نوفاك أنه يجعلنا أكثر نفورًا من أجسادنا.
لسنا بحاجة إلى أفاتارات تحلّ محلّنا، بل إلى أجسادنا نفسها — تلك التي تكتب، وتخطئ، وترتجف، وتترك أثرًا على الورق. فالكتابة ليست فعلًا ذهنيًا فقط؛ إنها طريقة للبقاء على قيد الحياة.
في النهاية، ليست معركة القلم مع لوحة المفاتيح سوى صورة صغيرة لمعركة أكبر يخوضها الإنسان مع زمنٍ يريد أن يختصره إلى بيانات. فالكتابة باليد ليست دفاعًا عن أداة، بل عن حضور. عن تلك اللحظة التي يمرّ فيها المعنى عبر الجسد قبل أن يستقر على الورق. إننا حين نكتب بالقلم نترك أثرًا يشبه بصمة، أثرًا لا يمكن نسخه أو استبداله. وكل كتابة بلا أثر جسدي، مهما بلغت دقتها، تبقى كتابة بلا حرارة. كأن التقنية تُطالبنا بأن نكون عقولًا معلّقة في الهواء، بينما الكتابة القديمة تُصرّ على أن نكون بشرًا كاملين، بأخطائنا، ورعشاتنا، وبطء أفكارنا حين تتشكل.
ولعلّ ما تخشاه نوفاك -وما نخافه نحن دون أن نصرّح- هو أن نفقد آخر صلة ملموسة تربطنا بالعالم. فاللمس ليس تفصيلًا فيزيائيًا، بل شرطًا لوجودنا. إنه الحاسة التي تسبق اللغة، وتمنح الأشياء حقيقتها قبل أن نسمّيها. وعندما تُبعدنا التكنولوجيا عن اللمس، فإنها لا تُبعدنا عن الورق فقط، بل عن أنفسنا. لهذا تبدو الكتابة بالقلم اليوم فعل مقاومة هادئًا: مقاومة لفكرة أن يتحوّل الإنسان إلى صورة، أو إلى واجهة، أو إلى أفاتار. مقاومة تقول إن الجسد ليس خطأً في المعادلة، بل هو المعادلة نفسها. وإن الكتابة، في جوهرها، ليست إنتاج نص، بل استعادة صدى بين الذات والعالم، صدى لا يُسمع إلا حين يمرّ عبر اليد.
فالكتابة ليست فعلًا ذهنيًا فقط؛ إنها طريقة للبقاء على قيد الحياة. ولعلّ سيف الرحبي، في ارتباكه أمام لوحة المفاتيح، لا يكشف ضعفًا تقنيًا بقدر ما يكشف هشاشتنا نحن أمام زمنٍ يريد أن يُقصي الجسد من كل شيء، حتى من الكتابة. فمعضلته ليست مع الجهاز الجديد الذي أشفق عليه ابنه عزّان وهو يراه يصارع أزراره، بل مع فكرة أن تتحوّل الكتابة إلى فعل بلا أثر، بلا رائحة ورق، بلا تلك الخدوش الصغيرة التي يتركها القلم حين يتعثر في منتصف جملة. إن مقاومة الرحبي ليست حنينًا، بل دفاعًا عن آخر ما تبقّى من علاقة الكاتب بجسده. كأنه يقول إن الكتابة التي لا تمرّ عبر اليد، لا تصل إلى الروح. وإن الكاتب الذي يكتب مباشرة على لوحة المفاتيح يشبه من يتحدث من وراء زجاج: صوته يصل، لكن دفء أنفاسه لا يصل. وهكذا يصبح الرحبي، في عناده الجميل، شاهدًا على معركة أكبر من قدرته التقنية — معركة الإنسان مع زمن يريد أن يكتب عنه، لا أن يكتبه. أن الكتابة باليد ليست فقط دفاعًا عن الجسد، بل دفاعًا عن البطء. والبطء اليوم هو آخر شكل من أشكال الحرية.



#كرم_نعمة (هاشتاغ)       Karam_Nama#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحياد والصراحة ليست رفاهية صحافية
- إخضاع الجغرافيا للقوة القاهرة بين العراق والكويت لا يجعل الت ...
- بندقية تشيخوف في الخليج.. حين يصبح المسرح دما
- هل عادت واشنطن إلى رشدها في العراق؟
- من يجمع لنا جواد الشكرجي وتيم حسن في دراما معبّرة؟
- حين تغني الخوارزميات أين تختبئ الروح؟
- هل بقاء نظام خامنئي قدر لا يُمسّ؟
- حين تُسحق الصحافة.. يبتسم الفاسدون
- قتل سيف الإسلام لم يكن مفاجأة، بل نجاته تلك السنوات هي المفا ...
- العقلية أم الموهبة؟ سؤال العصر في كرة القدم
- العراق بين مبعوثَين أم حقيقتين؟ نهاية الوهم وبداية الصفعات
- الوردي أم ترامب: من يملك ضحكة العالم؟
- نوري المالكي: النسخة القديمة من الكارثة نفسها
- حين يُعاد تدوير الأساطير حول إيران وإسرائيل
- التخيّل آلة موسيقية عند القبانجي والساهر
- مبتكر وصفات تدمير العراق
- إعلام التفجير اللفظي
- العراق ينتظر حكومة بلا سياسة وقاضٍ فوق الدولة
- هل سيخذل الغرب مرة أخرى الشعوب الإيرانية؟
- العراق يدور داخل صندوق مغلق


المزيد.....




- هرمجدون.. أفلام -الخوف من الفناء- تعود للواجهة مع كل حرب
- كأس الشوكران: حياة سقراط المليئة بالأسئلة ومحاكمته المثيرة ل ...
- خيال سينمائي مع صور قصف حقيقي.. إدارة ترامب تروج لحربها ضد إ ...
- 21 رمضان.. عقيقة الحسن ورحيل مؤسس الدولة العثمانية
- في الشوارع ومراكز الإيواء.. رمضان يقاوم الحرب في السودان
- رحيل عاشق الطبيعة الموصلية الفنان الرائد بشير طه
- الحرب على إيران تربك موسم السينما في الخليج وهوليود تترقب
- وزيرة الثقافة المصرية تطمن جمهور هاني شاكر على صحته
- السينما في زمن القلق: مهرجان سالونيك يعيد فتح دفاتر التاريخ ...
- موسم العمالقة.. 10 أفلام تشعل مبكرا سباق السعفة الذهبية في - ...


المزيد.....

- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - الرحبي ونوفاك حُرّاس اللمسة الأخيرة في زمن بلا يد