أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - التخيّل آلة موسيقية عند القبانجي والساهر














المزيد.....

التخيّل آلة موسيقية عند القبانجي والساهر


كرم نعمة
كاتب عراقي مقيم في لندن

(Karam Nama)


الحوار المتمدن-العدد: 8595 - 2026 / 1 / 22 - 18:47
المحور: الادب والفن
    


لم يكن محمد القبانجي عازفًا بارعًا على أي آلة موسيقية. لكنه كان ملحنًا فذًا، ابتكر مقامي “المخالف” و”اللامي” العراقيين، ولحن كل أغانيه بنفسه. هذا التناقض الظاهري يكشف سرًا دفينًا في عبقرية التلحين: أن الآلة ليست شرطًا، وأن الإيقاع يمكن أن يُعزف في الذهن، وأن النغمة قد تُولد في الخيال من روح المفردة وليس آليتها، قبل أن تُسمع.
كاظم الساهر، في تجربته التلحينية، لم يكن ينتظر القصيدة كي يبدأ. كان يحتفظ بجمل موسيقية في ذاكرته، يختبرها، يعيد تدويرها، حتى تأتي الكلمات التي تليق بها. طالما لحّن مقاطع موسيقية وظلت في ذهنه سنوات، حتى وجد لها نصًا شعريًا مناسبًا. أحيانًا كان يطلب من الشاعر أن يكتب على لحن جاهز، لا العكس.
القبانجي لم يكن بحاجة إلى عود أو قانون كي يكتب لحنًا. كان يقرأ النغمة كما يقرأ الشاعر الوزن، يسمعها في داخله، يختبرها على مسامعه الخيالية، ويعيد تشكيلها على الورق. هذا ما يُعرف في مدارس الموسيقى بـ”السمع الداخلي”، القدرة على تخيّل الصوت دون عزفه، على سماع المقطوعة قبل أن تُعزف، على تحويل النوتة إلى تجربة سمعية داخلية.
السمع التخيلي ليس خيالًا، بل مهارة. هو أن تقرأ النوتة وتسمعها في داخلك، أن تكتب اللحن كما لو كنت تعزفه، أن تضع الإيقاع كما لو كنت تقرعه. القبانجي امتلك هذه القدرة بالفطرة، لا بالتدريب الأكاديمي. كان يلحن على الورق وفي الخيال، لا على الأوتار. يختبر الجملة اللحنية في ذهنه، ويعيد صياغتها حتى تستقر. وكاظم الساهر بنى مخيلته على الجملة الموسيقية كان يشعر بنبضها قبل أن تولد في شغاف قلبه وتسري في شرايينه، وبعد أن تنضج يعيد عزفها على الآلات الموسيقية.
كلاهما، القبانجي والساهر، يستخدمان “السمع الداخلي” كأداة رئيسية للابتكار: الأول ليصيغ المقام والمقامية العراقية، والثاني ليبني الجملة الموسيقية قبل الكلمة، ما يجعل كل منهما مثالًا حيًا على أن التلحين ليس في العزف بل في التخيل.
في مدارس الموسيقى الكلاسيكية، يُطلب من الطالب أن “يغني” النوتة دون آلة، أن يسمعها داخليًا، أن يعزفها في ذهنه. بيتهوفن، حين فقد سمعه، كتب أعظم مقطوعاته بالسمع الداخلي. أما كلود ديبوسي، أحد أهم المؤلفين الموسيقيين في القرن العشرين، فكان يسمع الألوان في الأصوات، ويكتبها كما يكتب الرسام الضوء! الأمر الذي يفسر سر علاقته بالرسام كلود مونيه “من يدري ربما كانت سمفونية البحر التي وصفت للوهلة الأولى بالموسيقى الغامضة والمارقة عمل مشترك بين الاثنين!”.
القبانجي، في المقابل، كان يسمع بغداد في المقام، ويكتبها كما يكتب المؤرخ الذاكرة. والساهر يعيش حياته في بحيرة أنغام يزرع فيها جُمَلًا موسيقية ويسهر على تنميتها.
السمع التخيلي هو ما يجعل الملحن لا يحتاج إلى آلة، بل إلى فكرة تعبر عن روح الكلمة. هو ما يجعل القبانجي يبتكر مقامًا جديدًا، لا لأنه يعزف، بل لأنه يسمع ما لم يُسمع من قبل. هو ما يجعل اللحن يولد في الذهن عند الساهر، لا في الأصابع.
عندما اقترح كاظم الساهر مرة نصا من قصائد نزار قباني، تراجع قباني متسائلًا: كيف ستلحنه؟ إنه أصعب من أن يُلحَّن؟ لذلك اقترح قباني على الساهر قصيدة “مدرسة الحب” فرد عليه الساهر أن هذه القصيدة ملحنة في ذاكرتي منذ سنين.
هذا الترتيب العكسي يكشف عن قدرة تخيلية سمعية عالية، تجعل اللحن سابقًا للكلمة، والصوت سابقًا للمعنى. الساهر كان يكتب الجملة الموسيقية من داخل الأذن، لا من خارجها. ومن ثم يجسد ذلك الصوت على البيانو أو العود. كما كان القبانجي يضع المقام قبل أن يضع الجملة الموسيقية، كان الساهر يضع الجملة قبل أن يجد لها مقامًا شعريًا.
ذلك يفسر لنا سر ابتكار القبانجي لمقام “اللامي” العراقي الصرف والتعبير، كنوع من الملامة الذاتية وكيف وضع السلم الموسيقي له، وأصبحت فيما بعد مدونة عربية حلقت من بغداد وهي تطوف على الأرواح الهائمة.
وعندما وضع القبانجي مقام “المخالف”، بدا كمن يريد تحدّي الترتيب الرياضي للسلم الموسيقي. لذلك بقي “المخالف” مقامًا عراقيًا خالصًا، لا يقترب منه الموسيقيون العرب بل يمرون على ضفافه. وعندما لحن الساهر أغنية “حاسب” لصوت لطيفة التونسية التي كتبها عبدالوهاب محمد، أصر على أن يكون العازفون جميعهم من العراق، فـ “المخالف” بغير الروح العراقية يصبح مقامًا مختلفًا.
في المرة الوحيدة التي التقيت فيها الراحل زياد الرحباني سألته عن صلته التي تكاد تكون منقطعة بالموسيقى العراقية على عكس كبار الفنانين اللبنانيين، قال لي: وظّفتُ جملا موسيقية قصيرة من الملا عثمان الموصلي، لكنني لم أقترب كثيرا من الموسيقى العراقية في أعمالي لأنها تخيفني لفرط وجعها!
هذا يظهر الفرق بين التلحين كذاكرة سمعية متجذرة في بغداد، وبين التلحين كتجربة شخصية مستقلة عن التراث المحلي.
لذلك لا يعتمد هذا النوع من التلحين عند القبانجي والساهر على العزف، بل على الذاكرة السمعية، على تخيّل الصوت قبل أن يُسمع، على الإيمان بأن الموسيقى تسبق اللغة، وأن اللحن هو ذاكرة لا تُكتب، بل تُستعاد.
كلاهما، القبانجي والساهر، يسمعان داخلياً لا يعزفان خارجياً. كلاهما كان يكتب من داخل الأذن، لا من خارجها. كلاهما كان يضع اللحن فكرةً لا أداءً. وهذا ما يدفعنا إلى إعادة التفكير في معنى التلحين: ليس في عدد الآلات، بل في عدد الأصوات التي تُسمع قبل أن تُعزف.



#كرم_نعمة (هاشتاغ)       Karam_Nama#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مبتكر وصفات تدمير العراق
- إعلام التفجير اللفظي
- العراق ينتظر حكومة بلا سياسة وقاضٍ فوق الدولة
- هل سيخذل الغرب مرة أخرى الشعوب الإيرانية؟
- العراق يدور داخل صندوق مغلق
- ريان شرقي يربك فلسفة غوارديولا
- هيبت الحلبوسي ليس حلا.. بل تتمّة للمشهد الرث
- أصدقائي الموتى في رأس العام
- العبث الميليشياوي بكلام الكاردينال ساكو
- جرح عميق في ذاكرة العراق
- لا تطلب من الذكاء الاصطناعي ما لاتستحق
- حين تُفتي الآلة ويصمت الفقيه
- صندوق أكاذيب البصرة
- مكابرة دنزل واشنطن على السنين والثراء
- من يملك الإعلام العراقي؟ الجواب سهل!
- الملهم غوارديولا.. أخلاقي عندما يتعلق الأمر بفلسطين
- إحسان الإمام يعيد نبض القلوب
- عفيفة إسكندر وشهد الراوي
- المعادل الطائفي في العراق
- الحقيقة المؤجلة عند الشريان وقطيش


المزيد.....




- ترشيح فيلم صوت هند رجب لجائزة الأوسكار
- قائمة المرشحين لجوائز الأوسكار لعام 2026
- صورة مفبركة للفنانة ياسمين عبد العزيز تشعل مواقع التواصل
- بلاغ ضد مديرة أعمال الفنان أحمد مكي بشأن اتهامات بالاستيلاء ...
- -صوت هند رجب- للمخرجة التونسية كوثر بن هنية في سباق أوسكار أ ...
- مصرع فنان تركي إثر سقوطه من شرفة منزله في إسطنبول
- عمار علي حسن يسرد 70 حكاية خرافية مصرية في -الأرانب الحجرية-
- إعلان ترشيحات الأوسكار و-صوت هند رجب- في المقدمة
- أول فنان عربي بقائمة -شتاينواي- العالمية.. جندلي يهدي إنجازه ...
- وداعا هوليوود! ثورة الأفلام في قلب تكساس


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - التخيّل آلة موسيقية عند القبانجي والساهر