أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - حين تُسحق الصحافة.. يبتسم الفاسدون















المزيد.....

حين تُسحق الصحافة.. يبتسم الفاسدون


كرم نعمة
كاتب عراقي مقيم في لندن

(Karam Nama)


الحوار المتمدن-العدد: 8617 - 2026 / 2 / 13 - 18:14
المحور: الادب والفن
    


“لا يوجد ما يستدعي المشاهدة هنا” ليست جملة بريئة ولا نكتة باردة. هي أمرٌ إداري. يُقال للناس كي يصرفوا نظرهم. ويُقال للصحافة كي تخفض صوتها.
غلاف مجلة الإيكونوميست العريقة لهذا الأسبوع لا يصرخ. يمدّ يداً. راحة كف مفتوحة. لا تحمل شيئاً، لكنها تحجب كل شيء. إشارة شرطي أو كف سياسي فاسد يقول: امضوا، لا تسألوا.
الغلاف وحده يكفي ليُفهم أن الأمر جلل. فالمجلة التي اعتادت أن تضع على غلافها خرائط اقتصادية، أو وجوه زعماء، أو رموزًا لسوق المال، قررت هذه المرة أن تضع يدًا تحجب، لا عينًا ترى. خلفية سوداء، يد قريبة من عين القارئ حدّ الوقاحة. لكن الحقيقة أن كل شيء هنا يستحق التوقف: الصورة، والعبارة، والاعتراف الضمني بأن العالم يدخل زمنًا جديدًا، يصبح فيه حجب الحقيقة ممارسة يومية لا استثناءً.
المجلة البريطانية لا تناقش أخطاء الصحافة ولا تدافع عن ملائكية الصحفيين. تفعل ما هو أخطر تربط بين قمع الإعلام وتضخم الفساد. كلما صمتت الصحافة كبرت الغنائم، وكلما كبرت الغنائم زادت الحاجة إلى إسكات من يسأل.
لا تصف المجلة مشهدًا عابرًا في عالم الأخبار، بل تعلن إفلاسًا أخلاقيًا لعصرٍ كان يتباهى طويلًا بأنه عصر الشفافية. اليد هنا ليست تفصيلًا بصريًا، بل جملة سياسية كاملة. هذه هي اللحظة التي تتحوّل فيها الصحافة من نافذة إلى جدار ومن عين إلى كفٍّ مرفوعة تمنع النظر.
تقرير الإيكونومست الذي يقف خلف هذا الغلاف لا يتحدّث عن نزوة عابرة في علاقة السلطة بالصحافة، بل عن مسار طويل من التدهور. منذ عام 2014، كما يذكّرنا التقرير، تتراجع حرية الصحافة عالميًا وسحقت المستقلة منها، من مستوى كان يُشبه ما تبقى من صحافة حرة، إلى مستوى يقترب من النموذج العربي حيث تُسحق الصحافة قبل أن تُولد. هذا الانزلاق ليس مجرّد مؤشر حقوقي، بل هو، كما تكشف بيانات معهدV-Dem المعني بدراسة الديمقراطية، بوابة واسعة لتمدد الفساد. كلما خُنقت الصحافة تمدّد النهب وكلما تراكمت الأسرار القذرة في خزائن السياسيين، اشتدّت شهيتهم لخنق أي صوت قد يفضحها.
المعادلة التي يقدّمها التقرير قاسية وبسيطة في آن واحد. إذا انتقلت حرية الصحافة من مستوى «جيدة ككندا» إلى «سيئة كإندونيسيا»، فإن الفساد ينتقل من «نظيف كأيرلندا» إلى «قذر كلاتفيا». ويمكن لأي قارئ عربي أن يضع اسم بلده مكان تلك الأمثلة، ولن يختلّ المعنى.
هذه ليست استعارة صحفية، بل نتيجة حسابات تمتد على نحو 180 دولة. الصحافة هنا ليست ترفًا ديمقراطيًا، بل جهاز إنذار مبكر حين يُعطّل، لا يسمع المجتمع صوت الحريق إلا بعد أن تلتهمه النيران.
لكن ما يثير القلق أكثر في قراءة الإيكونومست هو أن القمع لم يعد حكرًا على الأنظمة التي تعلن استبدادها بلا خجل، بل أصبح أداة مفضّلة لدى «الديمقراطيات المعيبة» والحكومات الشعبوية التي تتزيّن بلباس الانتخابات، وتستخدم في الوقت نفسه أدوات الأنظمة الطائفية المغلقة. هذه الحكومات لا تحتاج إلى إغلاق الصحف أو حبس كل الصحفيين؛ يكفي أن تخلق بيئة إعلامية يسمع فيها الناخبون مديحًا متواصلاً للميليشيا والحزب الحاكم، ولا يصلهم من أصوات المعارضة إلا همس خافت، متقطع ومشوّه. وإذا أردنا مثالاً حيًّا لا يحتاج إلى بحث طويل، فالعراق نموذج مكتمل.
كيف يُصنع هذا الهمس؟ بأدوات يعرفها القارئ العربي جيدًا. تعيين المطيعين على رأس هيئات التحرير والبث العام، توجيه إعلانات الدولة إلى الصحف الموالية، دفع رجال الأعمال المرتبطين بعقود الدولة للاستحواذ على المنابر المستقلة وإفراغها من مضمونها. وفي المقابل، تُحاصر المؤسسات التي تصرّ على الصحافة الاستقصائية بالدعاوى الكيدية والمقاطعة الإعلانية، حتى تتحوّل من منابر إلى مشاريع خاسرة تبحث عن الأوكسجين.
التقرير يذكّر أيضًا بأن الصحفي الفرد لم يعد يواجه السلطة وحدها، بل يواجه جيوشًا من المتحرّشين والمشوّهين. وحين لا تكفي حملات التشهير، تُستدعى قوانين الأمن القومي و«الأخبار الكاذبة» لتجريم كل ما لا يروق للحكومة. وإذا لم تنجح هذه الأدوات، تُفبرك تهم أخرى «تمويل الإرهاب»، «غسل الأموال»، أو أي عنوان جاهز في قاموس السلطة.
التكنولوجيا، التي بُشّرنا بها كمنقذ للحرية، تظهر في التقرير كأداة مزدوجة الحدّ. نعم، يستطيع أي شخص يحمل هاتفًا أن يصوّر شرطيًا يضرب متظاهرًا وينشر المقطع، لكن السلطة تستطيع في المقابل أن تقطع الإنترنت، أو تتجسّس على هواتف الصحفيين “كما يحدث في إيران”، أو تستخدم قوانين حماية الخصوصية لحماية السياسيين من المساءلة لا لحماية المواطنين من الانتهاك. هكذا تتحوّل المنصات الرقمية من فضاء مفتوح إلى غرفة مراقبة واسعة، تُرصد فيها الأنفاس قبل الكلمات.
كل هذا يحدث في عالم ما زال، رغم كل شيء، يمتلك مؤسسات وقضاءً ورأيًا عامًا يمكن أن يضغط ويحاسب. فما الذي يعنيه هذا الغلاف، وهذا التقرير، حين يُقرأ بعين عربية؟
في العالم العربي، لا نحتاج إلى بيانات معهد V-Dem التي استعانت بها المجلة كي نعرف أن العلاقة بين قمع الصحافة وازدهار الفساد ليست نظرية. هنا، غالبًا ما تبدأ الحكاية من حيث ينتهي الغرب. الصحافة مكمّمة سلفًا، أو محاصرة اقتصاديًا، أو محوّلة إلى ملحق دعائي للسلطة. اليد التي ترفعها الإيكونومست على غلافها لتقول «لا شيء يستحق الرؤية هنا» ليست يدًا رمزية بالنسبة لنا؛ إنها اليد التي نعرفها جيدًا. يد الرقيب والزعيم الطائفي، ويد رجل الأمن، ويد رجل الأعمال المتواطئ، ويد المجتمع الذي تعلّم أن يغضّ البصر كي يعيش.
في كثير من بلداننا، لا يحتاج السياسي الفاسد إلى هندسة معقدة لترويض الإعلام. يكفي أن يترك السوق يعمل تحت سقف الخوف. الصحفي الذي يقترب من ملف فساد حقيقي لا يُمنع فقط من النشر، بل يُمنع من العمل ويُحاصر في رزقه، ويُقدَّم للرأي العام باعتباره «مثيرًا للفتنة» أو «عميلًا» أو «مخرّبًا للاستقرار». هكذا تتحوّل الصحافة من سلطة رابعة إلى مهنة محفوفة بالعقاب، ومن وظيفة رقابية إلى نشاط يُنظر إليه كتهديد للأمن.
الفرق بين ما تصفه الإيكونومست وما نعيشه نحن ليس في نوعية الأدوات، بل في درجة العلنية. هناك في الغرب، ما زالت المعركة تُخاض باسم القانون، وتحت سقف مؤسسات يمكن أن تُحاسب، ولو بعد حين. هنا في العالم العربي، كثيرًا ما تُخاض المعركة خارج أي سقف، وبلا وهم مؤسسات مستقلة. هناك، ما زال الغلاف الذي يرفع اليد في وجه القارئ يُعدّ صرخة إنذار. هنا، اليد جزء من المشهد اليومي لا تحتاج إلى غلاف مجلة كي نراها.
ومع ذلك، فإن أهمية هذا التقرير بالنسبة للقارئ العربي لا تكمن في أنه يضيف إلى معاناته وصفًا جديدًا، بل في أنه يضع هذه المعاناة في سياق عالمي: سحق الصحافة ليس «خصوصية ثقافية»، بل جزء من مسار كوني يربط بين العمى والفساد، بين إسكات الأسئلة وتضخّم الثروات غير المشروعة، بين اليد التي تُرفع على الغلاف واليد التي تمتد إلى المال العام في الظلام.
في نهاية المطاف، يمكن للقارئ أن يختلف مع الصحفي، وأن يغضب من مبالغة هنا أو خطأ هناك، كما تقول الإيكونومست نفسها. يمكنه أن يلغي اشتراكه، أو يرفع دعوى تشهير، أو يطالب باستقالة مسؤول إعلامي. كل هذا مشروع. لكن ما ليس مشروعًا، ولا بريئًا، هو أن يُمنع الصحفي من أداء وظيفته أصلًا، وأن يُقنع المجتمع نفسه بأن «لا شيء يستحق الرؤية هنا». فالعالم الذي تقلّ فيه حرية الصحافة، كما يخلص التقرير، سيكون أكثر تلوّثًا وسوء إدارة. والعالم العربي إذا استمر في بناء جدران العمى حول نفسه، لن يخسر صحافته فقط، بل سيخسر مرآته الأخيرة.



#كرم_نعمة (هاشتاغ)       Karam_Nama#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قتل سيف الإسلام لم يكن مفاجأة، بل نجاته تلك السنوات هي المفا ...
- العقلية أم الموهبة؟ سؤال العصر في كرة القدم
- العراق بين مبعوثَين أم حقيقتين؟ نهاية الوهم وبداية الصفعات
- الوردي أم ترامب: من يملك ضحكة العالم؟
- نوري المالكي: النسخة القديمة من الكارثة نفسها
- حين يُعاد تدوير الأساطير حول إيران وإسرائيل
- التخيّل آلة موسيقية عند القبانجي والساهر
- مبتكر وصفات تدمير العراق
- إعلام التفجير اللفظي
- العراق ينتظر حكومة بلا سياسة وقاضٍ فوق الدولة
- هل سيخذل الغرب مرة أخرى الشعوب الإيرانية؟
- العراق يدور داخل صندوق مغلق
- ريان شرقي يربك فلسفة غوارديولا
- هيبت الحلبوسي ليس حلا.. بل تتمّة للمشهد الرث
- أصدقائي الموتى في رأس العام
- العبث الميليشياوي بكلام الكاردينال ساكو
- جرح عميق في ذاكرة العراق
- لا تطلب من الذكاء الاصطناعي ما لاتستحق
- حين تُفتي الآلة ويصمت الفقيه
- صندوق أكاذيب البصرة


المزيد.....




- عصفور يوسف شاهين: قراءة في تمرد السينما على هزيمة حزيران وصر ...
- -محرقة آل مردوخ-.. كيف دمّر إمبراطور الإعلام كل ما أحب في سب ...
- -ملكة القطن- السودانية واسطة عقد مهرجان أوتاوا السينمائي
- من القاهرة التي لا تنام للجزائر المقاومة: كيف صنعت السينما و ...
- افتتاح مهرجان برلين السينمائي وصرخة عربية في البانوراما
- رحيل سعيد السريحي ناقد الحداثة في المشهد الأدبي السعودي
- ذكاؤنا الخائن: نهاية العالم كما دبرها العقل البشري
- تايلور سويفت تعود للتسعينيات في فيديو كليب أغنيتها -Opalite- ...
- الثقافة الأمازيغية في تونس.. إرث قديم يعود إلى الواجهة عبر ا ...
- في السينما: الموظف الصغير شر مستطير


المزيد.....

- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - حين تُسحق الصحافة.. يبتسم الفاسدون