أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - الوردي أم ترامب: من يملك ضحكة العالم؟















المزيد.....

الوردي أم ترامب: من يملك ضحكة العالم؟


كرم نعمة
كاتب عراقي مقيم في لندن

(Karam Nama)


الحوار المتمدن-العدد: 8606 - 2026 / 2 / 2 - 18:16
المحور: الادب والفن
    


في كل عصر، تظهر لحظة يتجاوز فيها التهكّم دوره التقليدي كأداة للضحك أو كسر الجدية، ليصبح تقنية معرفية، وسلاحا سياسيا، ومرآة تكشف هشاشة الإنسان حين يتوهّم القوة. ولعلّ أكثر ما يثير الانتباه أن السخرية، التي كانت تُعدّ في التراث العربي “حيلة الضعيف”، تحوّلت في زمننا إلى أداة يمارسها الأقوياء ببرود، كأنها امتداد طبيعي لسلطتهم. ولا بد من العودة إلى أحد أبرز من فهموا التهكّم بوصفه فنا للنجاة: عالم الاجتماع العراقي علي الوردي.
كان الوردي يدرك أن السخرية ليست مجرد تعليق لاذع، بل طريقة للالتفاف على الأسئلة التي تُطرح بنية الإيقاع، أو بنية الإحراج، أو بنية جرّ المتحدّث إلى فخّ سياسي. أتذكّر تلك الحادثة التي ظلّت تتردّد في الذاكرة كأنها مشهد من مسرح العبث: أحد جمهور أمسية للوردي يسأل سؤالاً مشاكساً يريد أن يجرّ الوردي إلى مأزق سياسي مباشر. لم يرفع الوردي صوته، ولم يلوّح بسلطة معرفية، بل اكتفى بأن ينظر إلى السائل، ثم إلى ساعته، ويقول ببراءة لا تخلو من لذع “اسمحوا لي أن أذهب إلى الحمّام لأغسل يدي… وبعدها نفكّر معاً في جواب لهذا السؤال”.
بهذه الجملة وحدها، أعاد الوردي ترتيب المشهد: السائل الذي أراد أن يبدو قوياً بدا صغيراً، والوردي الذي كان يُفترض أن يكون في موقع الدفاع، خرج من الموقف كمن يملك رفاهية الوقت والاستخفاف.
ولم تكن سخرية الوردي موجّهة للخصوم فقط، بل للأصدقاء أيضاً، وبمحبة لا تخلو من اختبار مع الفقيه الموسوعي جلال الحنفي، مثلاً، كان الخلاف حول وجود الجن يتحوّل إلى مسرح صغير للتهكّم المتبادل. الوردي يؤمن بالبيوت المسكونة، والحنفي يسخر من الفكرة. وحين اقترح الوردي أن يبيت الحنفي ليلة في بيت “مسكون”، ردّ الأخير “ستتسلّل يا ورَدي ليلاً وتطرق الطناجر بالملاعق وتقول إنها من فعل الجن”.
هنا تتجلى السخرية في أنقى صورها: ليست لإهانة الآخر، بل لامتحان منطقه، ولتحويل الخلاف الفكري إلى لعبة ذهنية.
لكن التهكّم، حين ينتقل من المجال الشخصي إلى المجال السياسي، يتغيّر جوهره. في السياسة، السخرية ليست لعبة، بل أداة لإعادة تشكيل ميزان القوة. وهنا يظهر المثال الأكثر فجاجة في السنوات الأخيرة: الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
لقد أمضى القادة الأوروبيون عاما كاملا يحاولون كسب احترامه عبر الإطراء، والزيارات البروتوكولية، والحجج المصوغة بعناية. كانوا يتعاملون معه بمنطق الدبلوماسية التقليدية: المجاملة أولاً، ثم الإقناع، ثم التفاهم. لكنهم استيقظوا ذات صباح ليجدوا أن كل ذلك ارتدّ عليهم، وأن ترامب انتقل من لغة التهديد إلى السخرية المطلقة. بيد أن ترامب قال وهو يحتفل بمرور عام على ولايته الرئاسية الثانية “الله فخور جدا” بما حققه خلال هذه السنة! على من يتهكم هنا أو يتغطرس؟
لم يكن تهكّمه انفعالا، بل إستراتيجية. تقول ناتالي توتشي، مديرة معهد الشؤون الدولية في روما، إن ترامب كان يستخدم السخرية كسلاح مقصود، وأن الأمر يتعلق بالخضوع: أنت تجعل الآخرين يخضعون من خلال الإكراه، والتقليل من شأنهم، وتحويلهم إلى مادة للضحك العام.
حين سخر ترامب من الدنمارك واصفا دفاعها عن إحدى الجزر بأنه لا يتجاوز “زلاجتين تجرّهما الكلاب”، لم يكن يطلق نكتة. كان يعيد ترتيب العلاقة بين دولة كبرى ودولة أصغر، عبر جملة واحدة. كان يقول لهم “أنتم لستم ندا لي”.
وقال هازئا عن مانويل ماكرون “شاهدته يؤدي دور الرجل القوي بنظاراته الشمسية الجميلة” التي اضطر الرئيس الفرنسي إلى وضعها بسبب مشكلة في العينين.
وهنا تكمن خطورة السخرية السياسية: إنها لا تستهدف الضحك، بل الهيمنة. إنها ليست تعليقاً، بل إعلان سلطة.
في الفلسفة السياسية، يُنظر إلى التهكّم بوصفه شكلاً من أشكال “العنف الرمزي”. إنه لا يجرح الجسد، لكنه يجرح المكانة. لا يقتل الخصم، لكنه يقتل صورته أمام نفسه وأمام الآخرين. ولذلك، فإن السياسي الذي يجيد التهكّم يمتلك قدرة على إعادة تشكيل الواقع عبر اللغة وحدها.
لكن هذه القدرة ليست متاحة للجميع. فالسخرية تحتاج إلى ذكاء لغوي، وإلى حسّ باللحظة، وإلى قدرة على قراءة الجمهور. ولهذا، حين يحاول بعض السياسيين تقليد هذا الأسلوب دون امتلاك أدواته، يتحوّلون إلى مهرّجين في سيرك سياسي كما يحدث في العراق منذ عام 2003.
المشهد العراقي قدّم نماذج صارخة لسياسيين ظنّوا أن السخرية طريق إلى الشعبية، فإذا بها تكشف ضحالتهم. كانوا يظنون أن التهكّم يرفعهم، فإذا به يفضحهم. فالسخرية التي لا تستند إلى عقل، تتحوّل إلى ابتذال.
إن التهكّم، في جوهره، ليس فعلا لغويا فقط، بل موقف وجودي. إنه طريقة للنظر إلى العالم من زاوية أعلى قليلاً، زاوية تسمح برؤية المفارقات، والتناقضات، والادعاءات الفارغة. ولذلك، فإن السخرية الذكية ليست هدما، بل كشف. ليست إهانة، بل إضاءة.
وحين يستخدمها الأقوياء، كما يفعل ترامب، تتحوّل إلى أداة لإعادة تشكيل العالم وفق مزاجهم. وحين يستخدمها المفكرون، كما فعل الوردي، تتحوّل إلى وسيلة لتحرير العقل من الخوف.
بين الوردي وترامب، بين السخرية الودودة والسخرية المتعالية، تتكشف لنا خارطة كاملة للسلطة والوعي واللغة.
فالتهكّم، في النهاية، ليس مجرد أسلوب، بل اختبار للذكاء، ومرآة للسلطة، وفضيحة للضعف.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: ماذا يحدث حين تتحوّل السخرية من أداة كشف إلى أداة قمع؟ حين تصبح اللغة نفسها ساحةً للهيمنة، لا للمعرفة؟ في عالم يتقدّم فيه الأقوياء بضحكة ساخرة، ويتراجع فيه الضعفاء تحت وطأة التهكّم، يبدو أننا أمام انقلاب في وظيفة الخطاب. فالسخرية التي كانت يوماً ملاذاً للضعفاء، صارت اليوم وسيلة لإذلالهم. وهنا تكمن المفارقة: هل ما زالت السخرية قادرة على تحرير العقل، أم أنها أصبحت جزءا من آلة إخضاعه؟
ولعلّ أخطر ما في هذا التحوّل أن الجمهور نفسه بات يتقبّل السخرية بوصفها معياراً للقوة، لا علامة على الاستبداد. فهل نحن أمام زمن تُقاس فيه الزعامة بحدة اللسان لا بعمق الرؤية؟ وهل يمكن لمجتمع يضحك من إهانته أن يطالب باحترامه؟
بين تهكّم الوردي الذي يحرّر، وتهكّم السلطة الذي يقمع، يقف القارئ أمام سؤال معلّق: أيّ سخرية نريد أن تحكم عالمنا… تلك التي تفتح العيون، أم تلك التي تغلق الأفواه؟



#كرم_نعمة (هاشتاغ)       Karam_Nama#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نوري المالكي: النسخة القديمة من الكارثة نفسها
- حين يُعاد تدوير الأساطير حول إيران وإسرائيل
- التخيّل آلة موسيقية عند القبانجي والساهر
- مبتكر وصفات تدمير العراق
- إعلام التفجير اللفظي
- العراق ينتظر حكومة بلا سياسة وقاضٍ فوق الدولة
- هل سيخذل الغرب مرة أخرى الشعوب الإيرانية؟
- العراق يدور داخل صندوق مغلق
- ريان شرقي يربك فلسفة غوارديولا
- هيبت الحلبوسي ليس حلا.. بل تتمّة للمشهد الرث
- أصدقائي الموتى في رأس العام
- العبث الميليشياوي بكلام الكاردينال ساكو
- جرح عميق في ذاكرة العراق
- لا تطلب من الذكاء الاصطناعي ما لاتستحق
- حين تُفتي الآلة ويصمت الفقيه
- صندوق أكاذيب البصرة
- مكابرة دنزل واشنطن على السنين والثراء
- من يملك الإعلام العراقي؟ الجواب سهل!
- الملهم غوارديولا.. أخلاقي عندما يتعلق الأمر بفلسطين
- إحسان الإمام يعيد نبض القلوب


المزيد.....




- بنعبد الله يعزي أسرة المرحوم الفنان الكبير عبد الهادي بلخياط ...
- لماذا فشل الفيلم الوثائقي عن ميلانيا ترامب؟
- -الخروج من عهد ستالين-.. كتاب يغوص في التاريخ السوفياتي لفهم ...
- مسرح جرائم ريا وسكينة.. كيف انهارت -زنقة الستات- بالإسكندرية ...
- -الخروج من عهد ستالين-.. كتاب يغوص في التاريخ السوفياتي لفهم ...
- فيلم -الرئة الحديدية-.. رعب بلا أفق
- اشتهرت بجرائم ريا وسكينة.. كيف انهارت أسطورة -زنقة الستات- ف ...
- باد باني يحقق إنجازا تاريخيا بفوز ألبومه باللغة الإسبانية في ...
- -إبستين- الذي فضح التفوق الأخلاقي الغربي
- فيلم ميلانيا ترامب يتجاوز التوقعات في شباك التذاكر


المزيد.....

- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - الوردي أم ترامب: من يملك ضحكة العالم؟