أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كرم نعمة - نوري المالكي: النسخة القديمة من الكارثة نفسها















المزيد.....

نوري المالكي: النسخة القديمة من الكارثة نفسها


كرم نعمة
كاتب عراقي مقيم في لندن

(Karam Nama)


الحوار المتمدن-العدد: 8600 - 2026 / 1 / 27 - 21:51
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم يكن نوري المالكي يوماً حلاً للعراق، لا في سنوات حكمه الثماني، ولا في العقد الذي تلا سقوطه، ولا في أي لحظة من لحظات الانهيار التي عاشتها البلاد منذ 2003. الرجل كان دائماً جزءاً من المشكلة، لا من معادلة الحل. واليوم، مع تصاعد الحديث عن احتمال عودته إلى رئاسة الحكومة، تبدو البلاد وكأنها تُساق عمداً إلى إعادة تشغيل المأساة من جديد، وكأن 22 عاماً من تجارب الفشل والفساد المريرة لم تكن كافية لإقناع الطبقة السياسية بأن الخراب لا يُعاد تدويره. إن عودة المالكي ليست حدثاً سياسياً عابراً، بل انتكاسة تاريخية تعيد العراق إلى المربع الأول، إلى اللحظة التي انطلقت منها كل أزماتنا: الطائفية، الفساد، انهيار الدولة، وصعود تنظيم داعش.
تسنى لي الاطلاع على دراسة أميركية محدودة التداول صدرت هذا الأسبوع تقدّم صورة دقيقة عن حجم الكارثة التي قد تنتظر العراق إذا عاد المالكي إلى السلطة.
تقول الدراسة: “المالكي لم يعد يمتلك المكانة التي كان عليها، وتحالفاته اليوم هي نتاج ضغط إيراني لا قوة ذاتية.” وهذه الجملة وحدها تكفي لفهم طبيعة المشهد: رجل يعود لا لأنه قادر، بل لأنه مطلوب من قبل إيران وميليشياتها في العراق. يعود لا لأنه يمتلك مشروعاً، بل لأنه جزء من مشروع أكبر منه. يعود لأنه الحلقة الأضعف في سلسلة النفوذ الإيراني، ولأن طهران تريد نسخة يمكن التحكم بها، لا زعيماً يملك إرادة مستقلة. وهذا وحده يجعل عودته وصفة جاهزة لانفجار جديد، لأن العراق لا يحتاج إلى رجل ضعيف يحمل غريزة انتقام طائفي، بل إلى دولة قادرة على حماية نفسها من أمثاله.
بالنسبة للعراقيين، المالكي ليس مجرد سياسي، بل رمز لمرحلة سوداء. تقول الدراسة: “يمثل المالكي نموذج الدولة الانتقامية التي مارست الإقصاء تحت شعار اجتثاث البعث وارهاب السنة.” وهذه ليست مجرد ملاحظة أكاديمية، بل شهادة على جرح لم يلتئم. فعودة المالكي تعني عودة الإقصاء، وعودة الخطاب الطائفي، وعودة الشعور بأن الدولة ليست للجميع. وهذا وحده كفيل بإعادة السنة إلى خيارات ثلاثة: الانسحاب، المقاطعة، أو الانفجار. وكلها خيارات تعيد إنتاج 2013 و2014، اللحظة التي سبقت صعود داعش. المالكي لا يفهم أن الإقصاء لا يصنع دولة، بل يصنع وحشاً ينتظر الفرصة ليخرج من تحت الركام.
أما الأكراد، فهم يعرفون المالكي جيداً. يعرفون تقلبه، ووعوده التي لا تُنفذ، وصدامه الدائم مع ملفات النفط والحدود. تقول الدراسة: “عودة المالكي قد تدفع الأكراد مجدداً نحو خيار الاستقلال.” وهذا ليس تهويلاً، بل قراءة واقعية لتاريخ العلاقة بين بغداد وأربيل. فالرجل الذي فجّر أزمة 2014 مع الإقليم، ودفع الأكراد إلى الاستفتاء في 2017، قادر تماماً على إعادة فتح الجرح نفسه. المالكي لا يفهم أن العراق لا يمكن أن يُحكم بمنطق المركز المتغوّل، وأن الأكراد لن يقبلوا العودة إلى زمن التهديد والابتزاز السياسي.
حتى داخل الإطار التنسيقي الذي تنضوي تحته الأحزاب والميليشيات الولائية، المالكي ليس “زعيم مرحلة”، بل عبء مرحلة. تقول الدراسة: “عودة المالكي ستؤدي إلى تصاعد الاحتجاجات وتوترات شيعية-شيعية قد تصل إلى المواجهة المسلحة.” علينا هنا أن نتذكر أن زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر مازال يعيش ضغينة الكراهية والانتقام من المالكي بعد أن حاربه أولا وحرمه ثانيا من تشكيل الحكومة بعد فوز تياره بالانتخابات السابقة.
وكل ذلك توصيف دقيق لطبيعة المالكي داخل بيئته. فهو خصم شرس للتيار الصدري، وعدو لجيل تشرين، ورمز للفساد والتبعية لإيران. عودته ستعيد إشعال خطوط التماس داخل الطائفة نفسها، وستحوّل بغداد إلى ساحة صراع بين فصائل لا يجمعها سوى العداء المتبادل. المالكي لا يفهم أن الشيعة اليوم ليسوا شيعة الأمس الخاضعين لخرافة حكم المذهب، وأن جيل تشرين لا يمكن أن يقبل بعودة رجل يمثل أسوأ ما في النظام السياسي.
تكشف المؤشرات المتاحة أيضاً أن إيران لا تريد المالكي لأنه قوي، بل لأنها تريد نسخة ضعيفة منه يمكن التحكم بها. “إيران تدفع المالكي إلى الواجهة بشرط أن يبقى ضعيفاً وتحت إشرافها.” وهذا يعني أن عودته ليست قراراً عراقياً، بل جزء من مشروع إيراني لإعادة ضبط نفوذها بعد تراجعها الإقليمي. المالكي بالنسبة لطهران ليس زعيماً، بل أداة. رجل يمكن استخدامه لتمرير ما لا يستطيع غيره تمريره. رجل يمكن التضحية به عندما تنتهي مهمته. وهذا وحده يجعل عودته خطراً على العراق، لأن البلاد لا تحتاج إلى رئيس وزراء يعمل كوكيل سياسي لدولة أخرى.
المنطقة كلها ستدفع الثمن إذا عاد المالكي. تقول الدراسة: “عودة المالكي ستدفع السعودية والامارات إلى تجميد استثماراتها، وتركيا إلى التصعيد العسكري، والولايات المتحدة إلى فرض عقوبات.” وهذا يعني أن العراق سيدخل في عزلة إقليمية ودولية جديدة، تماماً كما حدث في سنواته السابقة. المالكي لا يفهم أن العالم تغيّر، وأن العراق لا يستطيع أن يعيش في عزلة، وأن الاقتصاد لا يمكن أن ينهض في ظل صدام مع كل القوى الإقليمية والدولية.
هناك أربعة سيناريوهات محتملة لعودة المالكي، وكلها قاتمة: حكومة ضعيفة محاصرة تنهار خلال عامين؛ عودة العنف الطائفي وصدامات شيعية–شيعية وسنية–شيعية؛ مصالحة وطنية مستحيلة لا تتوافق مع تاريخه؛ أو توافق دولي خادع يقود إلى صراع إقليمي طويل. وكل سيناريو من هذه السيناريوهات ليس مجرد احتمال، بل امتداد طبيعي لتجربة الرجل في الحكم. المالكي لا يفهم أن الزمن لا يعود إلى الوراء، وأن العراق الذي تركه في 2014 ليس العراق الذي سيعود إليه اليوم.
الخلاصة أن عودة المالكي ليست مجرد خطأ سياسي، بل خطيئة تاريخية. إنها إعادة إنتاج لمرحلة صنعت داعش، وشرعنت الميليشيات، وعمّقت الانقسام، ودفعت العراق إلى حافة الانهيار. العراق اليوم بحاجة إلى دولة، لا إلى زعيم يعيش داخل كذبة صنعها بنفسه. بحاجة إلى مشروع وطني، لا إلى رجل يعاني من غريزة كراهية طائفية ضد أغلبية شعبه. بحاجة إلى مستقبل، لا إلى إعادة بثّ شريط قديم دمّر البلاد. إن عودة المالكي ليست خياراً، بل عودة إلى الصفر، إلى المأساة التي ظنّ العراقيون أنهم تجاوزوها، فإذا بها تعود بوجه أكثر هشاشة، وأكثر خطراً، وأكثر قدرة على تفجير ما تبقى من الدولة.



#كرم_نعمة (هاشتاغ)       Karam_Nama#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يُعاد تدوير الأساطير حول إيران وإسرائيل
- التخيّل آلة موسيقية عند القبانجي والساهر
- مبتكر وصفات تدمير العراق
- إعلام التفجير اللفظي
- العراق ينتظر حكومة بلا سياسة وقاضٍ فوق الدولة
- هل سيخذل الغرب مرة أخرى الشعوب الإيرانية؟
- العراق يدور داخل صندوق مغلق
- ريان شرقي يربك فلسفة غوارديولا
- هيبت الحلبوسي ليس حلا.. بل تتمّة للمشهد الرث
- أصدقائي الموتى في رأس العام
- العبث الميليشياوي بكلام الكاردينال ساكو
- جرح عميق في ذاكرة العراق
- لا تطلب من الذكاء الاصطناعي ما لاتستحق
- حين تُفتي الآلة ويصمت الفقيه
- صندوق أكاذيب البصرة
- مكابرة دنزل واشنطن على السنين والثراء
- من يملك الإعلام العراقي؟ الجواب سهل!
- الملهم غوارديولا.. أخلاقي عندما يتعلق الأمر بفلسطين
- إحسان الإمام يعيد نبض القلوب
- عفيفة إسكندر وشهد الراوي


المزيد.....




- مع اقتراب عيد ميلاده الـ21.. الملكة رانيا في صورة مع ابنها ا ...
- مشهد مرعب.. انهيار أرضي يترك بلدة إيطالية على حافة جرف ويهدد ...
- -كنا نعلم بالأعطال-.. وثيقة مزعومة تفجّر اتهاماً خطيراً بشأن ...
- العاصفة -تشاندرا- تتسبّب بفيضانات وانقطاع للتيار الكهربائي ف ...
- بعد وجود دام سنوات.. -آخر طائرة روسية- تغادر مطار القامشلي ف ...
- من وعود العمل إلى الخنادق بلا تدريب: كيف جُنِّد أفارقة للقتا ...
- ضربة تلوح في الأفق واتصال رفيع المستوى: ماذا دار بين الرياض ...
- بعد 140 عاماً .. هل تحتاج صناعة السيارات الألمانية لكارل بنز ...
- -تم تجريدنا من إنسانيتنا-.. شهادة أحد الناجيين من المحرقة
- ريبورتاج - جدل سياسي في العراق بشأن قبول الحكومة تسلم عناصر ...


المزيد.....

- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كرم نعمة - نوري المالكي: النسخة القديمة من الكارثة نفسها