أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - الحياد والصراحة ليست رفاهية صحافية















المزيد.....

الحياد والصراحة ليست رفاهية صحافية


كرم نعمة
كاتب عراقي مقيم في لندن

(Karam Nama)


الحوار المتمدن-العدد: 8635 - 2026 / 3 / 3 - 20:14
المحور: الادب والفن
    


يضع جيريمي بوين، مراسل هيئة الإذاعة البريطانية في الشرق الأوسط، معادلة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها في جوهرها أشبه بوصية مهنية لإنقاذ الصحفي من طوفان الانحيازات، يمكن للمراسل أن يجمع بين الحياد والصراحة. هذه الجملة وحدها كافية لنسف نصف ما يُسمّى اليوم “صحافة عربية”، ولإحراج النصف الآخر.
ففي عالم عربي يعيش صراعًا ثقافيًا مريعًا على الحقيقة—صراعًا تُديره الحكومات بوسائل إعلامها الرسمية، ويُكمله المواطن الصحافي بمنصاته الشخصية—تصبح متراجحة بوين بين الحياد والصراحة أكثر من مجرد نصيحة، تصبح أداة نجاة ثمينة، بل ربما آخر ما تبقى من شرف المهنة.
بوين ليس مراسلًا عابرًا، الجمهور العربي عرفه في حواراته مع زعماء المنطقة، وفي جولاته بين حروب لبنان والاجتياح الإسرائيلي لبيروت، ثم حرب الخليج، فالبوسنة، وصولًا إلى غزة. رجلٌ ظلّ سندباد الأخبار في عالم يزداد التهابًا. إسرائيل منعته من دخول غزة، وإيران لم تسمح له أصلًا بزيارتها. وهذه وحدها شهادة على معنى أن يقترح علينا بوين معادلته: الحياد والصراحة ليستا رفاهية، بل موقفًا مكلفًا.
يقول في حوار مع صحيفة “فايننشيال تايمز”: “كنا نشتكي من القيود في يوغوسلافيا السابقة، لكن مقارنةً بمحاولة تغطية الحرب في غزة، كان الوضع أشبه بالجنة.” ثم يضيف ما يشبه خلاصة حياته المهنية: “لطالما شعرتُ أنه إذا لم تحاول قول الحقيقة، فما الفائدة؟”.
بوين لا يتردد في تسمية الأشياء بأسمائها. قال إن هناك “أدلة واضحة” على جرائم حرب إسرائيلية في غزة. وصف دونالد ترامب بالكاذب بشأن الجريمة في لندن، ووصف تدخله في فنزويلا بأنه “استعمار”. هذه ليست آراء سياسية، بل صراحة مهنية نابعة من دراسة واطلاع، كما يقول هو نفسه. صراحة لا تلغي الحياد، بل تمنحه عمودًا فقريًا.
لكن السؤال الذي يلسعنا: هل يستطيع الصحفي العربي أن يسيطر على هذه المتراجحة؟ هنا يبدأ الألم الحقيقي. فالصحفي العربي يعمل في بيئة لا تعترف أصلًا بوجود “حياد” كي نناقش إمكانية الجمع بينه وبين الصراحة. الإعلام الحكومي يطلب الولاء قبل الخبر، الإعلام الحزبي يطلب الاصطفاف قبل الحقيقة، وإعلام رأس المال يطلب الصمت قبل كل شيء.
كيف يمكن لصحفي يعيش في هذه الغابة أن يمارس حيادًا لا يُكافأ عليه، وصراحة يُعاقَب بسببها؟ المعادلة التي يقترحها بوين تصبح في السياق العربي ترفًا أخلاقيًا، أو مغامرة شخصية، أو انتحارًا مهنيًا. ومع ذلك، تبقى ثمينة، لأنها تذكّر الصحفي العربي بأن الحقيقة ليست ملكًا للحكومة، ولا للحزب، ولا للممول. وتذكّره بأن الصراحة ليست خروجًا عن الحياد، بل هي الحياد نفسه حين يصبح العالم غارقًا في الأكاذيب.
وهنا تكمن المفارقة القاتلة، فالمؤسسات الإعلامية العربية لا تطلب من الصحفي أن يكون محايدًا، بل أن يكون مطيعًا. لا تطلب منه أن يكون صريحًا، بل أن يكون قابلًا للتشكيل. الصحفي في هذه البيئة لا يُمنح مساحة ليكون شاهدًا، بل يُستدعى ليكون شاهد زور. ولذلك تصبح معادلة بوين أشبه بفضيحة أخلاقية في وجه منظومات اعتادت أن تُعرّف الحقيقة على أنها ما تقوله السلطة، لا ما يراه الصحفي. إن جوهر الأزمة ليس غياب الحياد، بل تجريم الصراحة، وتحويل الصحفي إلى موظف علاقات عامة في دولة لا تحتمل أن تُرى صورتها كما هي.
وفي العمق، فإن الصحافة العربية لم تفشل لأنها ضعيفة، بل لأنها تخلّت عن وظيفتها الأصلية، مساءلة السلطة لمنع التغول والفساد. فالصحافة التي لا تسائل تتحول إلى ملحق إداري، والصحفي الذي لا يجرؤ على قول الحقيقة يصبح جزءًا من ماكينة التضليل.
إن معادلة بوين تكشف هشاشة البنية الأخلاقية للمشهد الإعلامي العربي، لأنها تضع معيارًا بسيطًا ومخيفًا في آن واحد: هل تستطيع أن تقول الحقيقة دون أن ترتجف؟ وهل تستطيع أن تكون محايدًا دون أن تكون محايدًا عن ضميرك؟ هذا السؤال وحده كفيل بإسقاط أقنعة كثيرة.
في الأشهر الأولى من حرب غزة، قال له دبلوماسيون كبار: “لو تمكنت أنت أو كريستيان أمانبور مراسلة (سي أن أن) من دخول غزة، لانفرجت الأزمة الدبلوماسية.” هذه الجملة تكشف شيئًا مرعبًا، أن وجود صحفيين صريحين ومحايدين قد يغيّر مجرى أزمة سياسية، بينما في العالم العربي، وجود صحفي صريح قد يغيّر فقط… مسار حياته المهنية نحو المجهول.
بوين يقول إن المشكلة ليست الخطر، بل ما لا يريدون للصحفي أن يراه. وهذه الجملة تصلح عنوانًا فرعيًا لتاريخ الإعلام العربي كله.
لكن جوهر الفكرة أعمق من المقارنة بين صحفي بريطاني وصحفي عربي. جوهرها أن الصحافة، في أصلها، ليست مهنة، بل ضمير. والضمير لا يعمل بنظام التمويل، ولا يخضع لميزانيات الحكومات، ولا يتقن فنون العلاقات العامة. الضمير لا يساوم. الصحافة التي لا تملك شجاعة الصراحة تتحول إلى نشرة حزبية. والصحافة التي لا تملك صرامة الحياد تتحول إلى منشور دعائي. وما بينهما، في تلك المنطقة الضيقة التي يقف فيها بوين، توجد الصحافة كما يجب أن تكون. مهنة تقول الحقيقة، لا ما يُطلب منها قوله. في كل ذلك ليس جيرمي بوين قديسًا صحافيًا، هو جزء من مؤسسة هناك مؤشرات كثيرة تقول إن بينها وبين “10 داونينغ ستريت” خطًا سريًا. وطالما انتقدت هيئة الإذاعة البريطانية على تغطيتها من حرب احتلال العراق حتى تدمير غزة. لكن بوين يبقى مثالًا مفيدًا في زمن تضاءلت فيه المثاليات والاقتباسات.
الصحفي العربي اليوم محاصر بثلاثة جدران: جدار السلطة، وجدار الحزب، وجدار الممول. لكن الجدار الأخطر هو الجدار الداخلي: الخوف، الخوف من فقدان الوظيفة، من غضب المسؤول، من سطوة الممول، من حملات التشهير، من القوائم السوداء. وهذا الخوف هو ما يجعل معادلة بوين تبدو شبه مستحيلة. ومع ذلك، فإن قيمتها أنها تذكّر الصحفي العربي بأن الاستسلام ليس قدرًا، وأن الحقيقة لا تموت إلا عندما يتوقف الصحفي عن محاولة قولها.
إن الحياد والصراحة ليستا خيارين متناقضين، بل هما وجهان لعملة واحدة. عملة الصحافة التي لم تُزَوَّر بعد. وإذا كان العالم العربي قد سحق الحقيقة تحت أقدام الحكومات والممولين، فإن الصحفي الذي يصرّ على قولها—ولو همسًا—يمارس فعل مقاومة. مقاومة لا تحتاج إلى سلاح، بل إلى ضمير لا يقبل الرشوة.
هذه هي المتراجحة التي يقترحها بوين، وهذه هي المتراجحة التي يخشاها الإعلام العربي، لأن الصحفي الصريح والمحايد لا يمكن ترويضه، ولا يمكن شراؤه، ولا يمكن تحويله إلى بوق. ولأن الحقيقة، حين تُقال بوضوح، تصبح أخطر من أي سلاح.



#كرم_نعمة (هاشتاغ)       Karam_Nama#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إخضاع الجغرافيا للقوة القاهرة بين العراق والكويت لا يجعل الت ...
- بندقية تشيخوف في الخليج.. حين يصبح المسرح دما
- هل عادت واشنطن إلى رشدها في العراق؟
- من يجمع لنا جواد الشكرجي وتيم حسن في دراما معبّرة؟
- حين تغني الخوارزميات أين تختبئ الروح؟
- هل بقاء نظام خامنئي قدر لا يُمسّ؟
- حين تُسحق الصحافة.. يبتسم الفاسدون
- قتل سيف الإسلام لم يكن مفاجأة، بل نجاته تلك السنوات هي المفا ...
- العقلية أم الموهبة؟ سؤال العصر في كرة القدم
- العراق بين مبعوثَين أم حقيقتين؟ نهاية الوهم وبداية الصفعات
- الوردي أم ترامب: من يملك ضحكة العالم؟
- نوري المالكي: النسخة القديمة من الكارثة نفسها
- حين يُعاد تدوير الأساطير حول إيران وإسرائيل
- التخيّل آلة موسيقية عند القبانجي والساهر
- مبتكر وصفات تدمير العراق
- إعلام التفجير اللفظي
- العراق ينتظر حكومة بلا سياسة وقاضٍ فوق الدولة
- هل سيخذل الغرب مرة أخرى الشعوب الإيرانية؟
- العراق يدور داخل صندوق مغلق
- ريان شرقي يربك فلسفة غوارديولا


المزيد.....




- رمضان في البحرين.. -النقصة- و-المجالس- جسور تصل الماضي بالحا ...
- محمد سعيد الحسيني.. حين توشحت ليالي رمضان في البحرين بصوت من ...
- مـِداد: أنثى الرواية التي خلعت الحجاب
- أقمار صناعية تكشف دماراً في منشأة نطنز النووية وتناقض في الر ...
- مديرة مهرجان برلين السينمائي تسعى للاستمرار في منصبها رغم ال ...
- عودة القصيدة العمودية بالجزائر.. نكوص شعري أم تصحيح وضع؟
- إطلالات جريئة للنجمات في حفل جوائز الممثلين 2026
- من بينهم الراحلة كاثرين أوهارا.. أبرز الفائزين بجوائز الممثل ...
- 14 رمضان.. من الرايات السود في دمشق إلى خيول نابليون في الأز ...
- حكاية مسجد.. قصة الأمر النبوي في -جامع صنعاء الكبير- باليمن ...


المزيد.....

- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - الحياد والصراحة ليست رفاهية صحافية