أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - مَن يقلّد مَن؟















المزيد.....

مَن يقلّد مَن؟


كرم نعمة
كاتب عراقي مقيم في لندن

(Karam Nama)


الحوار المتمدن-العدد: 8660 - 2026 / 3 / 28 - 19:06
المحور: الادب والفن
    


في تسعينات القرن الماضي كان يمكن لمشهد بسيط في متجر فاخر أن يلخّص نظرة العالم إلى الصين. متبضّع من الطبقة الثرية يتفحّص بدلة باهظة الثمن، ماركتها تشير إلى واحدة من أشهر دور الأزياء الفرنسية. كل شيء يوحي بالفخامة: القماش، القصّة، السعر الذي لا يجرؤ على الاقتراب منه إلا أصحاب الملايين.
لكن الصدمة تهبط على وجهه عندما يلمح العبارة الصغيرة المخفية في الداخل: “صنع في الصين”.
كان الردّ آنذاك جاهزاً، قاطعاً، لا يحتمل التأويل: نعم، القطعة أصلية وغير مقلّدة. الشركة الأم منحت الصين تخويلاً صارماً بإعادة صناعة بضاعتها.
سواء اقتنع المتبضّع الثري أم لم يقتنع، كانت الحقيقة تمضي في طريقها. الصين تصنع أرقى الماركات العالمية وبموافقة أصحابها.
لم تعد عبارة “صنع في الصين” مجرّد إشارة إلى بلد المنشأ، بل تحوّلت إلى علامة على تحوّل ميزان القوة في العالم. ما كان يُنظر إليه بوصفه هامشاً صناعياً رخيصاً، صار اليوم مركزاً يفرض إيقاعه على سلاسل التوريد، وعلى أسعار التكنولوجيا، وعلى شكل المنافسة نفسها.
منذ تلك اللحظة تغيّر كل شيء. العبارة التي كانت تُهمل بوصفها دليلاً على الرخص، صارت اليوم توقيعاً على بضاعة تغزو العالم: من المعالجات الإلكترونية إلى المركبات الكهربائية، ومن الحلي والحقائب إلى الأردية باهظة الثمن، ماركات عالمية بصناعة صينية. هذا التحوّل ليس مجرد قصة اقتصادية، بل انقلاب في ميزان المعنى نفسه.
من المفيد هنا العودة إلى رواية “غومورا” للكاتب الإيطالي روبرتو سافيانو، التي صدرت ترجمتها العربية عن مشروع “كلمة” في أبوظبي. متن الرواية يسلّط الضوء على الجانب المظلم لصناعة الأزياء الفاخرة ويشير إلى أن البدلة البيضاء التي ارتدتها الممثلة أنجلينا جولي في حفل الأوسكار كانت من إنتاج معامل تسيطر عليها المافيا الإيطالية بأيدٍ عاملة صينية، واصفاً القائمين عليها بأنهم “مجرمون وقتلة” يستغلون العمال.
المفارقة التي يضعها سافيانو أمامنا، الفخامة على السجادة الحمراء والظروف الإجرامية التي تُنتجها. الأمر الذي جعل هذا الروائي يعيش حياته متخفيا خشية قتله من قبل المافيا بعد أن طبع من كتابه ملايين النسخ وجعله يعيش “الموت أثناء الحياة” حسب وصفه.
وهكذا فإن الغرب الذي اتّهم الصين لعقود بسرقة الأفكار، هو نفسه الذي نقل مصانع أفكاره إلى هناك، بحثًا عن يد عاملة أرخص وربح أعلى. فوُلد جيل جديد من المهندسين والعمّال الصينيين وهم يتعاملون يوميّا مع أدقّ أسرار التكنولوجيا الغربية.
كانت تلك مرحلة كان فيها التقليد يُنسب إلى الصين. أما اليوم، فالصين هي التي تسأل العالم: من يقلّد من؟
الصين التي كانت تُتّهم بسرقة الأفكار الأجنبية، أصبحت منذ نهاية التسعينات قوة صاعدة تريد حماية أفكارها الخاصة.
ولم يكن الكاتب الأميركي توماس فريدمان مبالغا حين قال لأبنائه ولأبناء الأميركيين جميعا “ادرسوا بجد، فهناك أطفال في الصين يريدون أخذ وظائفكم مستقبلاً”.
تحذير فريدمان لم يكن مجرد جملة تربوية عابرة، بل اعترافا مبكرا بأن مركز الجاذبية في الاقتصاد المعرفي يتحرك شرقا. فهذا الكاتب القادم من قلب النخبة الأميركية، كان يرى أن المنافسة لم تعد بين شركات داخل الدولة الواحدة، بل بين أجيال كاملة تتكوّن في بيئات مختلفة: طفل غربي يستهلك التكنولوجيا، وطفل صيني يشارك في صناعتها. في هذه المعادلة لم تعد الصين مجرد مصنع منخفض الكلفة، بل مخزونا بشريا هائلاً يتعلم بسرعة، ويتقن لغة الأرقام والبرمجة والهندسة، ويستعد لاقتحام سوق العمل العالمي ليس كعامل رخيص، بل كمهندس ومصمّم ومبتكر. تحذير فريدمان، في جوهره، إقرار بأن الغرب لم يعد يحتكر المستقبل. ولنا أن نتخيّل دلالة أن توافق الحكومة البريطانية على طلب الصين بناء أكبر سفارة لها في أوروبا وسط لندن.
اليوم حين تصبح المحاكم الصينية الأكثر ازدحاما في العالم بقضايا الملكية الفكرية، فهذا لا يعني فقط أن الصين تحاول تقليد الغرب في حماية الحقوق، بل يعني أن لديها ما تخشاه على نفسها من السرقة. من يملك أفكارا مسروقة لا يذهب إلى المحكمة.
المحاكم الصينية اليوم تتعامل مع أكثر من 550 ألف قضية ملكية فكرية سنويّا وفق تقرير لمجلة “ذي ايكونومست”. القضاة يعملون بوتيرة تكاد تكون غير إنسانية، قضية واحدة يوميّا. وتظل شنغهاي الموقع المفضّل لهذه القضايا، رغم بطء الإجراءات التي قد تستغرق ثلاثة أشهر فقط لإدراج القضية في جدول المحكمة.
والأهم أن الصين لم تعد هي المتهمة، بل المدّعية. سلسلة مقاهي “لوكين” رفعت دعوى ناجحة ضد شركة في تايلاند نسخت اسمها وشعارها.
وشركة “ترينا سولار” الصينية للطاقة المتجددة رفعت دعوى ضد شركة “كنديان سولار” المنافسة، بتهمة انتهاك حقوق الملكية الفكرية في الولايات المتحدة. ومع توسّع الشركات الصينية في الخارج، يتوقع أن تتكاثر هذه المعارك.
السؤال “من يقلّد من؟” لم يعد سؤالاً تجاريّا، بل سؤالاً عن مركز الثقل في الحضارة المعاصرة. من يضع المعايير؟ من يحدّد شكل الهاتف، وسرعة المعالج، وتصميم السيارة الكهربائية؟ حين تبدأ الشركات الصينية بملاحقة منافسيها الأجانب، فهذا يعني أن معيار (الأصل) نفسه بدأ يتحرك شرقاً.
صار السؤال في عمقه عمن يملك حق تعريف (الأصل) نفسه. في الماضي، كان التقليد يُقاس بقدرة الصين على نسخ البضاعة الغربية. اليوم، بات التقليد يُقاس بمدى استعانة الشركات الغربية بسلاسل التوريد الصينية، وبمحاولتها اللحاق بسرعة التطوير في المصانع الآسيوية. حين تصبح الشركات الصينية هي من ترفع دعاوى انتهاك الملكية الفكرية ضد منافسيها الأجانب، فهذا يعني أن حركة التقليد انقلبت: لم تعد الصين تقف عند بوابة المصنع الغربي تلتقط الفتات، بل صار الغرب نفسه يلهث وراء نموذج إنتاج صيني أسرع وأرخص وأكثر قدرة على التكيّف. هنا يفقد الاتهام القديم بــ”التقليد” معناه، لأن من يضع الإيقاع لم يعد مَن اخترع أولاً، بل مَن يطوّر ويُنتج ويفرض معاييره على السوق.
الصين التي كانت تُقلّد، أصبحت اليوم تُقلَّد.والعبارة التي كانت تُثير الشكّ في المتاجر الفاخرة، صارت اليوم سؤالاً يطارد العالم الصناعي: هل ما زال ممكناً التفريق بين الأصل والتقليد، عندما يكون الأصل نفسه صينياً؟



#كرم_نعمة (هاشتاغ)       Karam_Nama#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سيدة زحل لم تنتم للعراق المزيف
- استبداد صناعة الذوق في العراق المزيف
- الميليشيات في العراق: من بندقية للإيجار إلى دفتر صكوك
- الرحبي ونوفاك حُرّاس اللمسة الأخيرة في زمن بلا يد
- الحياد والصراحة ليست رفاهية صحافية
- إخضاع الجغرافيا للقوة القاهرة بين العراق والكويت لا يجعل الت ...
- بندقية تشيخوف في الخليج.. حين يصبح المسرح دما
- هل عادت واشنطن إلى رشدها في العراق؟
- من يجمع لنا جواد الشكرجي وتيم حسن في دراما معبّرة؟
- حين تغني الخوارزميات أين تختبئ الروح؟
- هل بقاء نظام خامنئي قدر لا يُمسّ؟
- حين تُسحق الصحافة.. يبتسم الفاسدون
- قتل سيف الإسلام لم يكن مفاجأة، بل نجاته تلك السنوات هي المفا ...
- العقلية أم الموهبة؟ سؤال العصر في كرة القدم
- العراق بين مبعوثَين أم حقيقتين؟ نهاية الوهم وبداية الصفعات
- الوردي أم ترامب: من يملك ضحكة العالم؟
- نوري المالكي: النسخة القديمة من الكارثة نفسها
- حين يُعاد تدوير الأساطير حول إيران وإسرائيل
- التخيّل آلة موسيقية عند القبانجي والساهر
- مبتكر وصفات تدمير العراق


المزيد.....




- لإنقاذ تراث سينمائي متناثر: عمل جبّار ينتظر مؤسسة جان لوك غو ...
- الجازلايتينغ في الحرب على إيران: بين صناعة الرواية وتزييف ال ...
- فيلم -آلة الحرب-.. يوم -غيرت- هوليود نظرتها لحروب أمريكا
- رحيل الفنان اللبناني أحمد قعبور صوت المقهورين
- شعانين بلا كشافة ولا موسيقى.. كنائس دمشق تحتج بصمت على هجوم ...
- مناقشة أطروحة دكتوراة عن مسرح سناء الشّعلان في جامعة كاليكوت ...
- بين القانون والقرصنة.. فيلم -إيجي بست- يحكي قصة الموقع الأكث ...
- غزة وفنزويلا وإيران.. عندما يطبق ترمب ما كتبه حرفيا
- رحيل المخرج مهدي أوميد أحد أبرز رواد السينما العراقية والكرد ...
- دليلك لاستخدام ليريا 3 برو.. النموذج الأكثر تقدما من غوغل لت ...


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - مَن يقلّد مَن؟