أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - استبداد صناعة الذوق في العراق المزيف















المزيد.....

استبداد صناعة الذوق في العراق المزيف


كرم نعمة
كاتب عراقي مقيم في لندن

(Karam Nama)


الحوار المتمدن-العدد: 8647 - 2026 / 3 / 15 - 00:16
المحور: الادب والفن
    


أطلقت الشاعرة الأميركية لويز غلوك، الحاصلة على جائزة نوبل للآداب، تعبيرًا لامعًا يصلح لأن يكون مفتاحًا لقراءة ما يجري اليوم في العراق المزيف “استبداد صناعة الذوق”.
كانت تتحدث عن هيمنة مؤسسات النقد والنشر والجوائز على ما يُسمح له أن يُسمّى أدبًا رفيعًا وما يُنفى إلى الهامش. لكن ما قالته هناك، في سياق ثقافي غربي معقّد، يتحول في العراق إلى كاريكاتير فجّ، استبداد بلا ذوق، وصناعة بلا أدنى علاقة بالثقافة.
يكفي أن تدير جهاز التلفزيون على أي قناة عراقية، لتجد نفسك في قلب ما سمّاه أمبرتو إيكو يومًا «جيوشًا من الحمقى». غير أن الفارق أن إيكو كان يتحدث عن وسائل التواصل الاجتماعي، بينما نحن في العراق نقلنا تلك الجيوش من التعليقات إلى الشاشات، ومن الهامش إلى الواجهة، ومن العبث إلى صناعة رأي عام.
لم يعد الأمر مقتصرًا على أميّة السياسي العراقي، تلك الأميّة المتعمدة والمزدانة بربطة عنق وعمامة طائفية. الكارثة أن الإعلاميين والمحاورين والكتّاب والفنانين انصاعوا بدورهم لـ«الذوق السائد»، وبدأوا يسحقون اللغة في حديثهم، كأن الفصاحة تهمة، والوضوح عيب، والدقة نوع من التعالي على الجمهور. صار المطلوب أن تتكلم كما يتكلم «الشارع» كما يتوهمونه، لا كما يتكلم العقل حين يحترم نفسه.
اللغة المسحوقة والمهدور دمها المزدهرة اليوم على الشاشات العراقية ليست لهجة الناس، بل لهجة صناعة الذوق الجديدة. خليط من العامية المبتذلة، والمصطلحات السياسية الفارغة، والشتائم المقنّعة، والضحك العالي الذي يغطي على خواء الفكرة. هذا ليس «تقريبًا للغة من الناس»، كما يدّعون، بل تحطيم متعمد للغة الخطاب، بحيث لا يبقى فيها ما يصلح للتفكير أو للمساءلة أو حتى للحياء.
ما نعيشه اليوم ليس مجرد تدهور لغوي، بل تأسيس ممنهج لعراق مزيف. عراق تُصنع فيه الذائقة كما تُصنع الإعلانات التجارية بسرعة، بلا ذاكرة، وبلا احترام للعقل. عراق يرفع على شاشاته أصواتًا لا علاقة لها بالمعرفة، ويمنحها سلطة تشكيل الوعي العام. هذا العراق المزيف لا يخاف من الجهل، بل يخاف من المعرفة؛ لا يخاف من الضجيج، بل يخاف من الجملة الواضحة؛ لا يخاف من «جيوش الحمقى»، بل يخاف من رجل مثل مصطفى جواد كان يستطيع أن ينسف برنامجًا كاملًا بتصحيح لغوي واحد أو من لغوي كان يموسق الكلمات مثل جلال الحنفي لدرجة أن مقال واحد له جعل الدولة بكل جبروتها تغير أسم “الجمهورية العراقية” إلى “جمهورية العراق”.
العراق الحقيقي الذي مثّله مدني صالح، ذلك العراق الذي كان يضع الفلسفة في مقهى ويجعل من الجملة بيتًا للكرامة، اختفى تحت طبقات من العراق المزيف، عراق المؤثرين، عراق البرامج الصاخبة، عراق «المثقف» الذي يخجل من لغته فيكتب بلهجة مكسّرة كي لا يتهمه أحد بأنه يعرف أكثر مما يجب.
هذا العراق المزيف لا ينتج ذوقًا، بل ينتج استبدادًا للذوق، استبدادًا يجعل الرداءة معيارًا، والضحالة فضيلة، واللغة الرصينة نوعًا من الخيانة. في هذا المناخ، يصبح مصطفى جواد ومدني صالح وجلال الحنفي مجرد أسماء تُستدعى في المناسبات، بينما يُمنح الواقع لوجوه لا تملك سوى القدرة على الكلام بلا معنى.
وهكذا يتحول العراق من بلد كان يفاخر بلغته إلى بلد يخجل منها، ومن بلد كان يربي ذائقة إلى بلد يُربّى بذائقة مصنوعة في غرف مظلمة.
هنا بالضبط يعمل «استبداد صناعة الذوق». لم يعد الذوق مسألة فردية أو نتاجًا طبيعيًا لتراكم ثقافي، بل صار يُصنع في غرف الإعداد، وفي مكاتب العلاقات العامة، وفي حسابات الإعلانات. الذوق الذي يُفرض على العراقي اليوم هو ذوق الشاشة: سياسي يصرخ، إعلامي يزايد، فنان يثرثر، «مثقف» يتفلسف بلهجة دارجة مفككة على صفحته الشخصية، كأنه يعتذر مسبقًا عن أي محاولة لكتابة جملة مفيدة.
وإلا فقل لي: ما الذي يدفع روائيًا أو شاعرًا إلى أن يكتب بلهجة دارجة عامية مهشّمة، ليعبّر عن أفكاره على منصته الشخصية؟ هل هي رغبة في كسر الحاجز مع القارئ؟ أم خوف من أن يتهمه أحد بأنه «نخبوي»؟ أم استسلام كامل لاستبداد الذوق الذي تصنعه الشاشات، حيث كل ما هو بسيط يُختزل إلى ساذج، وكل ما هو عميق يُتهم بالتعقيد؟
المسألة أعمق من حنين إلى زمن لغوي جميل. نحن أمام نظام كامل لصناعة الذوق، يحدد ما يقال وكيف يقال، ومن يحق له أن يتكلم، وبأي لغة، وبأي نبرة. هذا النظام لا يكتفي بتسطيح الخطاب، بل يعمل على تجريم الجملة الرصينة، واتهام الفكرة المركّبة، وتحويل أي محاولة للارتفاع باللغة إلى نوع من الاستعراض الفارغ. هكذا يصبح «المثقف» المقبول تلفزيونيًا هو من يتكلم كثيرًا ولا يقول شيئًا، ومن يضحك كثيرًا ولا يجرؤ على طرح سؤال واحد جدي.
في هذا المناخ، تتحول اللغة من أداة تفكير إلى أداة ترفيه، ومن وسيلة مساءلة إلى وسيلة ترويض. اللغة التي لا تجرح أحدًا، ولا تزعج أحدًا، ولا تحرج أحدًا، هي اللغة المثالية لاستبداد صناعة الذوق. لغة بلا شوك، بلا حواف، بلا قدرة على تسمية الأشياء بأسمائها. لغة تصلح للإعلانات أكثر مما تصلح للكتابة، وللثرثرة أكثر مما تصلح للحوار.
النتيجة أن العراقي اليوم محاصر بذوق مصنّع، يقدَّم له على أنه «ذوقه هو». يقال له هذه هي لغتك، هذا هو مستواك، هذا هو ما يناسبك. ومع الوقت، يبدأ في تصديق ذلك. يبدأ في الشك في أي خطاب مختلف، في أي لغة تحاول أن ترفع السقف، في أي محاولة لاستعادة كرامة الجملة العربية. يصبح الدفاع عن اللغة نوعًا من الغرابة، والتمسك بالفصحى نوعًا من التكلّف، والكتابة الرصينة نوعًا من «الاستعراض”.
لكن الحقيقة أن استبداد صناعة الذوق ليس قدرًا. هو مشروع سياسي وثقافي واقتصادي، يخدم منظومة كاملة تريد مواطنًا لا يفكر كثيرًا، ولا يسأل كثيرًا، ولا يطالب كثيرًا. مواطنًا يكتفي بالضحك أو النحيب والعويل الطائفي على الشاشات، وبالانفعال اللحظي، وباللغة التي لا تقوده إلى أي مكان. لذلك، فإن الدفاع عن اللغة هنا ليس دفاعًا عن نحو وصرف، بل دفاع عن حق الإنسان في أن يفكر بوضوح.
ربما لو عاش مصطفى جواد ومدني صالح وجلال الحنفي زمن فيسبوك والقنوات العراقية الحالية، لكانا أكثر قسوة منا في الحكم. وربما كانا سيكتشفان أن معركتهما لم تكن معركة ضد الأخطاء اللغوية فقط، بل ضد نظام كامل يريد أن يحوّل اللغة إلى ديكور، والفكر إلى خلفية موسيقية، والذوق إلى سلعة.
استبداد صناعة الذوق في العراق اليوم لا يُقاس بعدد البرامج التافهة، بل بعدد العقول التي قبلت أن تتكلم كما يُراد لها، لا كما تستطيع. وحين تُسحق اللغة، لا يُسحق معها النحو فقط، بل يُسحق معها شيء أعمق، القدرة على تسمية القبح قبحًا، والرداءة رداءة، والاستبداد استبدادًا. وهذا بالضبط ما تريده جيوش الحمقى على الشاشات.



#كرم_نعمة (هاشتاغ)       Karam_Nama#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الميليشيات في العراق: من بندقية للإيجار إلى دفتر صكوك
- الرحبي ونوفاك حُرّاس اللمسة الأخيرة في زمن بلا يد
- الحياد والصراحة ليست رفاهية صحافية
- إخضاع الجغرافيا للقوة القاهرة بين العراق والكويت لا يجعل الت ...
- بندقية تشيخوف في الخليج.. حين يصبح المسرح دما
- هل عادت واشنطن إلى رشدها في العراق؟
- من يجمع لنا جواد الشكرجي وتيم حسن في دراما معبّرة؟
- حين تغني الخوارزميات أين تختبئ الروح؟
- هل بقاء نظام خامنئي قدر لا يُمسّ؟
- حين تُسحق الصحافة.. يبتسم الفاسدون
- قتل سيف الإسلام لم يكن مفاجأة، بل نجاته تلك السنوات هي المفا ...
- العقلية أم الموهبة؟ سؤال العصر في كرة القدم
- العراق بين مبعوثَين أم حقيقتين؟ نهاية الوهم وبداية الصفعات
- الوردي أم ترامب: من يملك ضحكة العالم؟
- نوري المالكي: النسخة القديمة من الكارثة نفسها
- حين يُعاد تدوير الأساطير حول إيران وإسرائيل
- التخيّل آلة موسيقية عند القبانجي والساهر
- مبتكر وصفات تدمير العراق
- إعلام التفجير اللفظي
- العراق ينتظر حكومة بلا سياسة وقاضٍ فوق الدولة


المزيد.....




- الممثلة أناهيد فياض وزوجها يتبرعان بقرنيتي نجلهما الراحل
- الثقافة سلاحاً.. فلسطين تقاوم بالقلم والذاكرة
- 26 رمضان.. 3 أحداث حولت الخلافة من مصر لإسطنبول
- مايلز كاتون يتحدث لشبكة CNN عن كواليس دوره في فيلم -Sinners- ...
- صناع أفلام إيرانيون يتوجهون إلى حفل الأوسكار بينما تعصف الحر ...
- ???????مرفأ البحرين واحتمالات المضيق
- سطوع سريع وأدب لا يدوم: إشكالية النجومية الوهمية في زمن الكت ...
- حكم بحبس الممثل المصري محمود حجازي بتهمة -الاعتداء على زوجته ...
- الجزائر بين ذاكرة الانفتاح وتحديات الراهن: دعوة لاستعادة دور ...
- مارلين مونرو تعود إلى لندن عبر جناح خاص في معرض الكتاب الدول ...


المزيد.....

- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - استبداد صناعة الذوق في العراق المزيف