كرم نعمة
كاتب عراقي مقيم في لندن
(Karam Nama)
الحوار المتمدن-العدد: 8665 - 2026 / 4 / 2 - 15:43
المحور:
الادب والفن
لو استعدنا مكنون الشخصية العراقية في ثمانينات القرن الماضي، وتحديدًا في سنوات الحرب العراقية الإيرانية (1980 – 1988)، سنجد إجابة أولى، مؤلمة، على هذا السؤال. لكن من سوء حظ التاريخ الوطني العراقي أن هذه الإجابات يُعاد تفسيرها اليوم بمزاج ما بعد عام 2003، سنة تشييد "العراق المزيف" الذي أُعيد فيه تعريف الوطنية نفسها على مقاس الطائفة، لا على مقاس الوطن.
لو اخترت اليوم أقسى النماذج العراقية التي تدافع عن النظام الإيراني، من أولئك الذين يتكلمون بلغة "نحن وهم واحد"، وعدت إلى تاريخ والد أحدهم أو جدّه أو عمّه أو شقيقه أثناء الحرب العراقية الإيرانية، لوضعته مثالًا في الوطنية العراقية في قتال الإيرانيين وإيقاف مشروع سياسي زائف أطلقه الخميني تحت شعار "تحرير القدس يبدأ من كربلاء". بل لو فتشنا في عوائل هؤلاء المستميتين اليوم في الدفاع عن نظام خامنئي، "سواء بصدق أو انتهازية وجهل"، لوجدنا أكثر من فرد من هذه الأسر قد استشهد في مواجهة المشروع الخميني آنذاك.
فكيف لمن وجد جدّه وأباه وعمّه مقاتلًا شجاعًا في الدفاع عن العراق في حرب الثماني سنوات، أن يصرخ اليوم في مواقع التواصل حزنًا على مقتل قاسم سليماني، أو خامنئي، أو لاريجاني؟ كيف انتقل الإرث من خندق إلى خندق مضاد؟
هل ستكون الإجابة اعترافًا متأخرًا بنجاح المشروع الطائفي الإيراني في سحق مفهوم الوطنية العراقية؟ أم أن ثقافة التجهيل السائدة في العراق السياسي والاجتماعي أفرزت اليوم نتائج ملموسة في الدفاع عن إيران الخامنئية، حتى من قِبل متضررين مباشرين من نفوذها وميليشياتها؟
جزء من الإجابة يمرّ حتمًا عبر بنية المجتمع العراقي كما قرأها علي الوردي: ازدواج الشخصية، التوتر بين البداوة والحضارة، الميل إلى التديّن الشكلي، والاستعداد الدائم للانخراط في "الانفعال الجمعي" حين يتقدّم الخطاب الطائفي أو العشائري على أي انتماء آخر. لكن لفهم مشهد اليوم، لا يكفي الوردي وحده، بل نحتاج أيضًا إلى غوستاف لوبون وهو يكتب عن "سايكولوجية الجماهير" قبل أكثر من قرن، وكأنه يصف جمهورًا عراقيًا معاصرًا: الجماهير لا تبحث عن الحقيقة، بل عن الوهم الذي يمنحها شعورًا بالانتماء والقوة. "طاقة الرعاع تتضخم في حشد الجماهير"، كما يمكن أن نلخّص روح كتابه، وتجعل الخطاب الإعلامي منقادًا لها، بل مقدِّسًا لسلوكها، وهو ما يفسّر لنا قيام وسائل إعلام عراقية بإضفاء قدسية على لصوص دولة ورجال دين طائفيين، فقط لأنهم يرفعون الشعار الصحيح في اللحظة الصحيحة.
ويكتب ب. أديلمان في مقدمة كتاب "سيكولوجية الجماهير" أن السياسة حلت محل الدين، لكنها استعارت منه نفس الخصائص النفسية؛ بمعنى أن السياسة أصبحت دينًا معلمنًا، وكما في الدين أصبح البشر عبيدًا لتصوراتهم الخاصة عن ذواتهم وعن جماعتهم. يمكن لنا أن نستبدل "الطائفة" هنا محل "الدين" من دون أي تردد عندما يتعلق الأمر بالعراق: الطائفة صارت هي المعنى، وهي الملجأ، وهي المبرر، وهي الغطاء الأخلاقي لكل تناقض.
لكن هذا التفسير النفسي–الاجتماعي، على أهميته، لا يكفي وحده للإجابة عن سؤال: لماذا يدافع "عراقيون" عن نظام خامنئي؟
هنا يدخل العامل الإيراني نفسه، لا بوصفه "ثورة تريد أن تُصدَّر"، بل بوصفه مشروع دولة أمنية تعرف جيدًا كيف تستخدم الطائفة أداةً في خدمة استراتيجيتها.
ولي نصر، وهو إيراني الأصل، شيعي التربية، وأميركي الحجة والتحليل، يقدّم مفتاحًا مهمًا في كتابه عن "الاستراتيجية الكبرى لإيران". فإيران، كما يشرح، لم تعد معنية حقًا بتصدير الثورة كما في الخطاب الكلاسيكي، بل معنية بصناعة "رؤية مشتركة" لعالم شيعي يعارض "الهيمنة الأميركية" ويشعر بأنه جزء من محور واحد، مهما اختلفت جغرافياته. هذه الرؤية لا تحتاج إلى إقناع العراقي بأنه إيراني، بل يكفي أن تقنعه بأنه "شيعي مهدَّد"، وأن طهران هي الضامن الأخير لأمنه وهويته.
وبالنسبة لولي نصر، تُعدّ الحرب بين إيران والعراق (1980 – 1988) اللحظة الحاسمة في تاريخ إيران الحديث؛ ليست فقط حربًا حدودية، بل مختبرًا تأسيسيًا لذهنية "الدفاع المقدس" التي أعادت تشكيل الدولة الإيرانية من الداخل. فالمؤسسات التي شاركت في التخطيط للحرب وفرضها وخوضها، بذريعة "تحرير القدس يبدأ من كربلاء"، أصبحت العمود الفقري للنظام: الحرس الثوري، الباسيج، شبكات التعبئة العقائدية، ثم لاحقًا شبكة الميليشيات العابرة للحدود.
من هنا نفهم كيف تحوّل "الدفاع المقدس" من سردية داخلية إلى شبكة نفوذ خارجية: تحالفات وميليشيات تمارس من خلالها إيران نفوذها وتتحدى النظام الإقليمي، وتنسج ما سُمّي لاحقًا بـ"الهلال الشيعي" الممتد من طهران حتى ضفاف المتوسط. هذا الهلال لم يُبنَ على فكرة "تصدير الثورة" بقدر ما بُني على فكرة "تأمين المجال الشيعي" وربطه بمركز واحد.
في هذا السياق، يصبح العراقي الذي يدافع عن خامنئي اليوم ليس مجرد "مضلَّل" أو "جاهل"، بل نتاجًا لثلاث طبقات متراكبة:
طبقة أولى: تفكيك الوطنية العراقية بعد 2003، عبر نظام محاصصة طائفي جعل الانتماء للمذهب والحزب أقوى من الانتماء للدولة. الأحزاب الشيعية التي صعدت إلى السلطة بعد الاحتلال الأميركي لم تُخفِ ولاءها السياسي والمرجعي لطهران، بل قدّمته بوصفه ضمانة للهوية والسلطة معًا.
طبقة ثانية: الاستثمار الإيراني الذكي في سردية المظلومية الشيعية، وربطها بسردية "الدفاع المقدس" ضد صدام حسين أولًا، ثم ضد "داعش" لاحقًا. الحشد الشعبي، في لحظة صعوده، لم يُقدَّم كذراع إيرانية، بل كامتداد لـ"ثقافة المقاومة" التي صاغتها طهران منذ الحرب مع العراق، ثم في لبنان، ثم في سوريا.
طبقة ثالثة: سايكولوجية الجماهير التي وصفها لوبون: الفرد حين يذوب في الجماعة يفقد قدرته على النقد، ويصبح مستعدًا لتبرير أي شيء يصدر عن "رموزه"، حتى لو كان ذلك على حساب مصلحته المباشرة. العراقي الذي يعاني من انقطاع الكهرباء، وانهيار الخدمات، وفساد الأحزاب الموالية لإيران، يمكنه في اللحظة نفسها أن يكتب مرثية في قاسم سليماني، لأنه لا يرى العلاقة بين الخراب اليومي وبين "القائد الشهيد"، بل يراه حاميًا له من عدو أكبر، حقيقي أو متخيَّل.
إلى ذلك، يذكّرنا ولي نصر بأن إيران اليوم ليست "ثيوقراطية مجنونة" كما يحب الخطاب الغربي تبسيطها، بل "دولة أمنية" تستخدم الدين أداة لتعبئة المجتمع في خدمة استراتيجيتها. "ليس أن الثيوقراطية تحتاج إلى الحرب مع الغرب، بل الحرب مع الغرب هي التي تحتاج إلى الثيوقراطية"، كما يلخّص نصر المفارقة. خلف قشرة الأيديولوجيا، هناك حسابات دولة تريد أن تضمن أمنها ومجالها الحيوي، وتستخدم الطائفة كوقود سياسي.
حين ندخل هذه العناصر في المعادلة، يصبح سؤال: "لماذا يدافع عراقيون عن نظام خامنئي؟" أقل غرابة، وأكثر مرارة.
هم يدافعون عنه لأن: الوطنية العراقية جرى تفريغها من مضمونها، واستبدالها بهوية طائفية هشّة.
الطائفة قُدِّمت لهم بوصفها الملجأ الأخير في عالم مضطرب، وإيران قُدِّمت بوصفها "الراعي الأعلى" لهذه الطائفة.
الإعلام الحزبي والديني صاغ لهم سردية جاهزة: من يقف مع إيران يقف مع "المقاومة" و"المستضعفين"، ومن يعارضها يقف مع "الاستكبار" و"التطبيع" و"أعداء المذهب".
والسايكولوجيا الجماعية، كما وصفها لوبون وأديلمان، جعلت السياسة دينًا جديدًا، والطائفة معبودًا جديدًا، والقائد رمزًا لا يُسأل ولا يُحاسب.
مع أنني أجد من الصعوبة بمكان أي تفسير لموقف عراقيين متضررين من النظام الثيوقراطي الحاكم في إيران، وهم يتباكون على سقوطه "نفاقًا أو بصدق"، غير الجهل أو الضحالة الطائفية، إلا أن الاكتفاء بهذا التفسير وحده نوع من الهروب. فهؤلاء ليسوا مجرد أفراد ضلّوا الطريق، بل نتاج منظومة كاملة عملت، طوال أربعة عقود، على إعادة تعريف العدو والصديق، وعلى تحويل "الدفاع المقدس" من شعار إيراني إلى عقيدة عابرة للحدود.
لذلك، حين يدافع عراقي عن خامنئي الاب والابن اليوم، فهو لا يدافع عن "نظام جار" بقدر ما يدافع عن صورة نفسه المشوهة كما صاغتها له الطائفة، والحزب، والمنبر، والميليشيا، والإعلام. يدافع عن وهمٍ أقنعوه بأنه هويته الأخيرة، حتى لو كان هذا الوهم هو نفسه الذي صادر وطنه، ودمّر دولته، وبدّد دماء الذين قاتلوا بالأمس على الجبهة المقابلة.
المفارقة القاسية أن كثيرًا من هؤلاء لو عادوا إلى صور آبائهم وأجدادهم في خنادق الحرب الأولى، لوجدوا في عيونهم تعريفًا بسيطًا للوطنية العراقية، لا يحتاج إلى ولاية فقيه، ولا إلى "هلال شيعي"، ولا إلى "محور مقاومة". لكن التاريخ، كما نعرف، لا يتكلم من تلقاء نفسه؛ من يتكلم اليوم هم الذين كتبوا رواية جديدة، جعلت من خامنئي "مرجعًا أعلى" حتى في وجدان من لم يقرأ له سطرًا واحدًا.
هكذا فقط يمكن أن نفهم لماذا يدافع "عراقيون" عن نظام خامنئي: لأنهم يعيشون في عراق أُعيدت كتابة ذاكرته قسرا، وأُعيد تشكيل وعيه، حتى صار الدفاع عن دولة أخرى يبدو، في عيونهم، دفاعًا عن أنفسهم… لا عن احتلال ناعم لوطنهم.
نص المقال المنشور بالإنجليزية في "ميدل ايست مونيتور"
https://www.middleeastmonitor.com/20260331-why-do-some-iraqis-defend-khameneis-regime/
#كرم_نعمة (هاشتاغ)
Karam_Nama#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟