أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - وهم الحياد الرقمي














المزيد.....

وهم الحياد الرقمي


كرم نعمة
كاتب عراقي مقيم في لندن

(Karam Nama)


الحوار المتمدن-العدد: 8669 - 2026 / 4 / 6 - 17:51
المحور: الادب والفن
    


منذ أن اكتشف الإنسان أن الكلمة يمكن أن تُشعل حربًا أو تُسقط عرشًا، لم يعد السؤال: ما الذي نقوله؟ بل من يملك حق القول؟
وهذا بالضبط ما يحاول جون بيرن–مردوخ الكاتب المتخصص بالبيانات والاحصاءات، تفكيكه في مقاله الأخير في صحيفة فايننشال تايمز، وسائل التواصل الاجتماعي صنعت شعبوية صاخبة، بينما الذكاء الاصطناعي قد يعيدنا إلى خطاب أكثر هدوءًا، أقرب إلى لغة الخبراء.
لقد كتبتَ في هذه المساحة قبل سنوات، أن “التكنولوجيا لا تأتي لإنقاذ أحد، بل لتعيد ترتيب السلطة”. وهذا بالضبط ما يحدث اليوم. وسائل التواصل الاجتماعي أعادت توزيع السلطة على نحو فوضوي، فخرجت أصوات لم يكن مسموحًا لها أن تتكلم. أما الذكاء الاصطناعي فيعيد السلطة إلى المركز، إلى المؤسسات التي تملك القدرة على تدريب النماذج والتحكم في مخرجاتها. إنه انتقال من فوضى الشعب إلى انضباط النخبة. من ضجيج غير منظم إلى صمت مصقول. لكنه صمت لا يخلو من خطر. صمت يقرر ما يجب أن يُقال وما يجب أن يُنسى.
بيد أن المشكلة ليست في التشخيص، بل في الافتراض الخفي، أن الذكاء الاصطناعي قادر على أن يكون نقيضًا للشعبوية، وأنه سيعيد الانضباط إلى فضاء انفلت من كل شيء.
وهنا يبدأ الخلاف، فوسائل التواصل لم تُنتج الشعبوية، بل كشفتها ولم تخترع الغضب، بل أخرجته من الظل. لم تُنتج الاستقطاب، بل كشفت هشاشة المجتمعات التي كانت تعيش على مسكنات الإعلام التقليدي الحكومي. إنها ليست مصنعًا للشعبوية، بل مرآة مكبرة لها.
وإذا كانت المنصات قد ضاعفت من صوت الغاضبين، فذلك لأنها ببساطة أول وسيلة في التاريخ تسمح للغاضب أن يتكلم بلا إذن، وهذا ماسحق المعايير العالية وأزعج النخب، لا الشعبوية نفسها.
الذكاء الاصطناعي ليس نقيض الشعبوية، بل نقيض الفوضى عندما يميل إلى الاعتدال. كما يقول الكاتب جون بيرن–مردوخ، وهو استاذ في كلية لندن للاقتصاد، لكن الاعتدال هنا ليس فضيلة، بل نتيجة طبيعية لكونه مدرّبًا على مصادر مؤسسية، أكاديمية، وصحفية. إنه ابن “المكتبة”، لا ابن “الشارع”.
وهذا يعني شيئًا واحدًا، الذكاء الاصطناعي لا يقتل الشعبوية، بل يقتل العفوية. إنه يعيد الخطاب إلى يد من يملكون المعرفة، أو من يملكون القدرة على تدريب النماذج. وبذلك ننتقل من “فوضى الشعب” إلى “انضباط النخبة”. وهذا ليس تقدمًا، بل تبادلًا للأقنعة.
بينما الخطر الحقيقي يكمن في احتكار المعنى وليس الشعبوية. الذكاء الاصطناعي قد يقدّم خطابًا أكثر هدوءًا، لكنه خطاب مفلتر، مُهذّب، مُعاد تشكيله وفق قيم من صنعوا النموذج. إنه ليس محايدًا، بل محايد ظاهريًا. والحياد الظاهري أخطر من الانحياز الصريح.
فالشعبوي يصرخ، ويمكنك أن تراه وتسمعه وتفهم دوافعه. أما النموذج التوليدي فيهمس، ويبدو عقلانيًا، لكنه يحمل في داخله بصمة من صمّمه، لا من يستخدمه.
وهنا يصبح السؤال: هل نريد خطابًا أقل ضجيجًا، أم نريد خطابًا أقل تلاعبًا؟
ما يقترحه الكاتب جون بيرن–مردوخ في مقاله الذي ينم عن عمق جوهري في شعبوية وسائل التواصل وتكنوقراطية الذكاء الاصطناعي، من حيث لا يدري، هو عودة إلى زمن كانت فيه النخبة تحدد ما هو “معقول” وما هو “مقبول”. لكن العالم تغيّر. والناس الذين خرجوا من عباءة الإعلام التقليدي لن يعودوا إليها عبر بوابة الذكاء الاصطناعي.
الذكاء الاصطناعي قد يهدّئ السطح، لكنه لا يغيّر التيار تحت الماء. والتيار اليوم ليس شعبويًا فقط، بل رافضًا لأي سلطة معرفية مطلقة.
فما الذي نحتاجه حقًا، من يملك الحق في تعريف الحقيقة، من يقرر ما هو “معقول” وما هو “مقبول”؟ هذه الأسئلة التي تهرب منه كل نقاشات التكنولوجيا، بينما الذكاء الاصطناعي لا يجيب، بل يفرض إجابة جاهزة، مغلفة بلغة تقنية تجعل الاعتراض عليها يبدو كأنه اعتراض على العلم نفسه.
لذلك لا نحتاج ذكاءً اصطناعيًا يهدّئ الخطاب، ولا منصات تضخّمه. نحتاج شيئًا آخر تمامًا، مساحة يسمح فيها للناس بالكلام، وتُراجع فيها الحقائق، وتتصارع فيها الأفكار بلا وصاية.
الشعبوية ليست مرضًا، بل عرضًا. والذكاء الاصطناعي ليس علاجًا، بل أداة. أما المرض الحقيقي فهو غياب الثقة. ثقة الناس في مؤسساتهم، وثقتهم في الإعلام، وثقتهم فيمن يملك المعلومة.
الذكاء الاصطناعي قد يكون أقل استقطابًا من وسائل التواصل، لكنه ليس أكثر ديمقراطية. وقد يكون أقل ضجيجًا، لكنه ليس أكثر صدقًا. إنه ببساطة صوت النخبة وقد عاد بملابس جديدة.
وإذا كان العالم قد تعب من الشعبوية، فإنه أكثر تعبًا من الوصاية. والذكاء الاصطناعي، مهما بدا هادئًا، لن ينجح في إعادة الناس إلى بيت الطاعة.
في النهاية، ليست المشكلة في وسائل التواصل ولا في الذكاء الاصطناعي، بل في وهم أن التكنولوجيا يمكن أن تحلّ محل السياسة، أو أن الخوارزميات يمكن أن تعيد بناء الثقة التي هدمتها عقود من سوء الإدارة. التكنولوجيا ليست خلاصًا، بل مرآة. ومرآة اليوم تقول لنا شيئًا واحدًا. إن العالم لم يعد يقبل أن يتكلم باسمه أحد، لا منصة شعبوية ولا نموذجًا لغويًا. وهذا ما يجعل المستقبل أكثر تعقيدًا وأكثر إثارة.



#كرم_نعمة (هاشتاغ)       Karam_Nama#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لماذا يدافع -عراقيون- عن نظام خامنئي؟
- مَن يقلّد مَن؟
- سيدة زحل لم تنتم للعراق المزيف
- استبداد صناعة الذوق في العراق المزيف
- الميليشيات في العراق: من بندقية للإيجار إلى دفتر صكوك
- الرحبي ونوفاك حُرّاس اللمسة الأخيرة في زمن بلا يد
- الحياد والصراحة ليست رفاهية صحافية
- إخضاع الجغرافيا للقوة القاهرة بين العراق والكويت لا يجعل الت ...
- بندقية تشيخوف في الخليج.. حين يصبح المسرح دما
- هل عادت واشنطن إلى رشدها في العراق؟
- من يجمع لنا جواد الشكرجي وتيم حسن في دراما معبّرة؟
- حين تغني الخوارزميات أين تختبئ الروح؟
- هل بقاء نظام خامنئي قدر لا يُمسّ؟
- حين تُسحق الصحافة.. يبتسم الفاسدون
- قتل سيف الإسلام لم يكن مفاجأة، بل نجاته تلك السنوات هي المفا ...
- العقلية أم الموهبة؟ سؤال العصر في كرة القدم
- العراق بين مبعوثَين أم حقيقتين؟ نهاية الوهم وبداية الصفعات
- الوردي أم ترامب: من يملك ضحكة العالم؟
- نوري المالكي: النسخة القديمة من الكارثة نفسها
- حين يُعاد تدوير الأساطير حول إيران وإسرائيل


المزيد.....




- متحف القرآن الكريم بمكة يعرض مصحفا مذهبا من القرن الـ13 الهج ...
- مكتبة ترامب الرئاسية.. ناطحة سحاب -رابحة- بلا كتب
- شوقي السادوسي فنان مغربي قدّم المعرفة على طبق ضاحك
- حين تتجاوز الأغنية مبدعها: كيف تتحول الأعمال الفنية إلى ملكي ...
- بين الخطاب والوقائع.. كيف تفضح حرب إيران الرواية الأمريكية؟ ...
- مصر.. تطورات الحالة الصحية للفنان عبدالرحمن أبو زهرة
- هل استوحتى ترمب وصف إنقاذ الطيار الأمريكي من فيلم -فجر الإنق ...
- اللغة العربية في بنغلاديش.. جذور تاريخية ضاربة وآفاق اقتصادي ...
- هل انتهى زمن الشعر؟
- إنقاذ الطيار الأمريكي من إيران.. من ينتصر في معركة الصورة وا ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - وهم الحياد الرقمي