أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - هشام مطر يجسد في رواية «أصدقائي» حماقة الاعتقاد بتحررنا من التاريخ














المزيد.....

هشام مطر يجسد في رواية «أصدقائي» حماقة الاعتقاد بتحررنا من التاريخ


كرم نعمة
كاتب عراقي مقيم في لندن

(Karam Nama)


الحوار المتمدن-العدد: 8685 - 2026 / 4 / 22 - 00:17
المحور: الادب والفن
    


بعد أسابيع من صدور روايته الأولى “في بلد الرجال” عام 2006، سألتُ هشام مطر عمّا إذا كان ما يزال ليبياً، وهل يفكّر أو يحلم بالعربية. قال يومها إنه لم يعد كذلك، لأنه صار إنجليزياً حين يحلم ويفكّر، لكنه أيضاً لم يتخلّص من إحساسه العربي لغةً، ولا من الليبي الذي يسكنه شخصاً وذاكرة.
ليس لدى هشام مطر الكثير من الذكريات عن الوطن. وُلد في نيويورك، وعاش حياته في لندن، ولا يحمل معه سوى تلك الومضات الأولى من طفولته الليبية، بيت يراه كأنه من وراء ضباب، درّاجة هوائية كان يطوف بها شوارع غارقة في الضوء، وأوسمة سباحة كان شقيقه الأكبر يعلّقها على صدره كأنها شارات خلود صغيرة. ومع ذلك، فإن هذا القليل يفتح باباً واسعاً على ما هو أعمق. إنه الباب نفسه الذي يطرقه مصطفى، الروح الجريحة، على صديقه خالد عبد الهادي، بطل روايته الباهرة “أصدقائي” التي صدرت ترجمتها العربية قبل أسابيع. هناك، في لحظة حنين جارفة، يسأل مصطفى: «أليس مريعاً استمرار الحياة؟ إنها تستمر وتستمر وتستمر، فحسب بلا توقف». جملة لا تبدو كسؤال، بل كصاعقة وجودية هادئة، رجفة تتردّد في أعمال هشام مطر، وفي معنى الاغتراب ذاته، وفي كل حياة تعلّمت أن الاستمرار قد يكون أحياناً أكثر فتكاً من الفقد.
في “أصدقائي”، التي ترجمتها ببراعة لغوية لافتة العُمانية زوينة آل تويه، نكتشف هشام الليبي بامتياز، رغم أنه يعيش في متن الرواية في لندن ويكتب عن أشخاصها وطبائعها. تلك ثنائية مذهلة في هشام: محظوظ كاتباً، موجوع إنساناً باختفاء والده قسراً في سجون النظام الليبي السابق، وبالتواطؤ الوضيع الذي سلّمته به المخابرات المصرية إلى طرابلس.
كانت صحيفة “العرب” اللندنية حاضرة في متن الرواية عبر شخصية الكاتب والمذيع الليبي محمد مصطفى رمضان، الذي كان أحد محرري الصحيفة منذ انطلاقتها عام 1977، وكان أحد أبرز مذيعي الـBBC قبل أن يُغتال أمام المسجد المركزي في لندن بعد أن أنهى صلاته، على يد عملاء للنظام الليبي آنذاك.
ويبدو لي أن والد هشام، المعارض الليبي المُغيب جاب الله مطر، حاضر هو الآخر في الرواية، رغم اعتقاد قرّائه الأوفياء أنه تخلّص من هذا الهاجس بعد أن ظلّ الأب المختفي يطلّ في رواياته السابقة: في بلد الرجال، اختفاء، وشهر في سيينا. يظهر هنا عبر شخصية الرجل الثري الذي يتفقّد المصابين من إطلاق النار الذي نفّذه موظفو السفارة الليبية على المتظاهرين في ساحة سانت جيمس، ويمنحهم مكافآت وهدايا. الرجل نفسه يحضر في مجلس عزاء ليبي كان خالد عبد الهادي، بطل الرواية، مشاركاً فيه. ذلك يجعلني أشعر أنه والد هشام، وإن لم يسمّه.
كتب هشام “أصدقائي” برقة فكرية وعاطفية، وبجرأة أسلوبية. ثلاثة شبان ليبيين من بنغازي، يعيشون في لندن، تنشأ بينهم صداقة، ثم تباعد، ثم لقاء، ثم فراق أبدي. تعود قصتهم إلى طفولتهم، لكن السرد يبدأ عام 1984، العام الذي أطلق فيه مسؤولون داخل السفارة الليبية النار من رشاش على حشد من المتظاهرين العزّل في ساحة سانت جيمس.
تبدأ الرواية من نهايتها. يفترق حسام وخالد وقد بلغا منتصف العمر؛ يرحل الأول إلى كاليفورنيا، ويبقى مصطفى في ليبيا مع الميليشيات. خالد هو الراوي. يودّع حسام وهو يصعد إلى القطار في محطة سانت بانكراس، ثم يعود عبر طرق ملتوية إلى شقته في شيبردز بوش، غارقاً في تأملاته. ينظر إلى الماضي بلا غرور الحكمة المتأخرة. يقول: «لا أعرف لماذا فعلت ذلك. لست متأكداً مما كان يقصده. ما زلت لا أفهم”.
وعندما تحين لحظة ثورة فبراير على نظام معمر القذافي، يستجيب الأصدقاء الثلاثة بطرق غير متوقعة. مصطفى، سمسار العقارات الأنيق، يتحوّل إلى محارب. حسام، الرجل العالمي المنغلق، يقع في غرام الوطن والشعر العربي وابنة عمه من جديد. خالد، المعلم المتواضع، يفعل ما قد يكون أشجع شيء: يتقبّل الحياة العملية التي بناها لنفسه في لندن، ويعزم على التمسّك بها. وفي إشارة ساخرة إلى أشهر كتب هشام، يلاحظ أن خالد قد يزور والديه في طرابلس، لكنه لن «يعود» إلى مسقط رأسه المثالي الذي يحمل صدمة قديمة، بل إلى المكان الذي صار فيه بالغاً.
يحاول هشام مطر الانتقال بين هشام الإنجليزي الذي صنعه لنفسه منذ الحادية عشرة، وبين هشام الليبي الذي لا يفارقه. وبين الاثنين تضيع أشياء كثيرة. هشام كنز إبداعي ليبي يكتب بالإنجليزية، مهتم بتغيّر الوعي البشري، وبقياس المسافة بين الحقيقة القابلة للتوثيق وسماء باطننا. تلك المسافة، بالنسبة له، هي المكان الذي يجلس فيه الأدب. ما لا يمكن ترجمته، وما لا يمكن قوله.
“لندن، إنها على خيلائها مدينة خجلى، ابتدعها مؤوّلون وأُبتُدعت لهم”. بهذه الجملة يلتقط هشام جوهر لندن كما لا تلتقطه الخرائط. فهو لا يصف عمرانها ولا طقسها، بل طبيعتها التأويلية: مدينة تُرى كما تُقرأ، لا كما تُرى. مدينة تُعاد كتابتها كل يوم، وتتشكّل بعيون من يمرّون بها وباللغة التي تصفها.
وفي “أصدقائي” لا نعيد اكتشاف هشام مطر الإنجليزي لغةً والليبي ذاكرةً، بل نعيش مع مترجمة الرواية زوينة آل تويه التي خاضت الرهان الصعب وصنعت لغة عربية مضيئة تكاد تغدق بالوفاء على إنجليزية هشام اللامعة.
“نحن في تيار لا مفر منه. إن حماقة الاعتقاد بتحررنا من التاريخ تعادل حماقة الاعتقاد بتحررنا من الجاذبية”. هذه الجملة، كما كتبها هشام على لسان حسام، ليست تأملاً فلسفياً فحسب، بل صفعة ناعمة على وجه الوهم الذي نردّده كلما أردنا الهروب من أنفسنا. فالتاريخ — كما يقول — ليس حدثاً وقع وانتهى، بل قوة جاذبية لا يمكن الفكاك منها. إنه الهواء الذي نتنفسه، والظل الذي يرافقنا، والجرح الذي لا يلتئم مهما حاولنا تغطيته.
ونحن العرب، سواء في ليبيا التي لم يعش هشام فيها إلا طفولته، أو في أي بقعة من هذا الامتداد الممزق، نعيش هذه الحقيقة بأقسى صورها. التاريخ عندنا لا يكتفي بأن يكون خلفية، بل يتقدّم إلى الواجهة كل صباح، يدخل عنوة في رؤوسنا، يفرض نفسه على نقاشاتنا، يلوّن خلافاتنا، ويحوّل كل جدال إلى إعادة تدوير لأسئلة قديمة لم تجد جواباً.



#كرم_نعمة (هاشتاغ)       Karam_Nama#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بيدر البصري تعيد الأغنية إلى إنسانيتها
- الصحافة تعيد اكتشاف الطاهية نايجيلا
- وهم الحياد الرقمي
- لماذا يدافع -عراقيون- عن نظام خامنئي؟
- مَن يقلّد مَن؟
- سيدة زحل لم تنتم للعراق المزيف
- استبداد صناعة الذوق في العراق المزيف
- الميليشيات في العراق: من بندقية للإيجار إلى دفتر صكوك
- الرحبي ونوفاك حُرّاس اللمسة الأخيرة في زمن بلا يد
- الحياد والصراحة ليست رفاهية صحافية
- إخضاع الجغرافيا للقوة القاهرة بين العراق والكويت لا يجعل الت ...
- بندقية تشيخوف في الخليج.. حين يصبح المسرح دما
- هل عادت واشنطن إلى رشدها في العراق؟
- من يجمع لنا جواد الشكرجي وتيم حسن في دراما معبّرة؟
- حين تغني الخوارزميات أين تختبئ الروح؟
- هل بقاء نظام خامنئي قدر لا يُمسّ؟
- حين تُسحق الصحافة.. يبتسم الفاسدون
- قتل سيف الإسلام لم يكن مفاجأة، بل نجاته تلك السنوات هي المفا ...
- العقلية أم الموهبة؟ سؤال العصر في كرة القدم
- العراق بين مبعوثَين أم حقيقتين؟ نهاية الوهم وبداية الصفعات


المزيد.....




- -توم وجيري- يعودان إلى السينما في -البوصلة المحرمة-
- تراجع النشاطات الفنية والرياضية في كردستان بسبب الحرب والأزم ...
- فيلم -Blue52- للمخرج المصري علي العربي يحظى بدعم ميسي
- من روما القديمة إلى اليوم.. حصاد الزيتون يعود إلى الكولوسيوم ...
- كشف شبكة إعلامية ممولة من البنتاغون لترويج الرواية الأمريكية ...
- الإبادة كتسلية.. كيف تُصاغ حروب إسرائيل العدوانية كترفيه؟
- وفاة -سيدة الشاشة الخليجية- الممثلة الكويتية حياة الفهد عن 7 ...
- في مئوية ميلادها.. بريطانيا تستذكر إليزابيث الثانية بـ 4 صو ...
- الشاعر الصيني شاو شوي: التعايش بين الثقافات المختلفة هو أكثر ...
- رحيل حياة الفهد.. بيوت العرب تودع -سيدة الشاشة الخليجية- وحز ...


المزيد.....

- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - هشام مطر يجسد في رواية «أصدقائي» حماقة الاعتقاد بتحررنا من التاريخ