أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - بيدر البصري تعيد الأغنية إلى إنسانيتها














المزيد.....

بيدر البصري تعيد الأغنية إلى إنسانيتها


كرم نعمة
كاتب عراقي مقيم في لندن

(Karam Nama)


الحوار المتمدن-العدد: 8679 - 2026 / 4 / 16 - 22:11
المحور: الادب والفن
    


لأنها سليلة ذلك اللحن السومري الذي ما زال يمشي في دم العراق منذ آلاف السنين، استطاعت بيدر البصري في أغنيتها الجديدة «طوبى للعاشقين» أن تنتزع من الوجع والأمل معاً سؤالاً إنسانياً شاسعا، سؤالاً لا يخص عاشقاً بعينه بل يضم البشرية كلها، كما كتبه الشاعر اللبناني زاهي وهبي في قصيدته.
بيدر هنا لا تؤدي أغنية فحسب. إنها تستعيد سلالة كاملة من الأصوات التي صنعت ذاكرة العراق: سليمة مراد، زكية جورج، عفيفة إسكندر، مائدة نزهت، هناء، أمل خضير، أنوار عبد الوهاب… وأمها شوقية التي أورثتها رهافة الصوت، ووالدها حميد البصري الذي أسال في حنجرتها حليب النغمات.
لكن بيدر لا تكتفي بالإرث. تختار الرهان الأصعب: أن تلحّن بنفسها، وأن تصنع أغنية إنسانية قبل أن تغنيها.
النص الذي اختارته من زاهي وهبي مترع بصور شعرية بسيطة وعميقة في آن واحد، يخلق فضاءً مزدوجاً بين الحنين الشخصي والإنسانية برمتها:
«في قلبي كل العشاق السابقين/
وفتى يافع يلوّح للراحلين»
جملة كهذه لا تُقرأ، بل تُسكن. كأن القلب دفترٌ يحتفظ بكل من مرّ فيه، بكل ما انكسر فيه، بكل ما أضاءه. لذلك جاء صوت بيدر مثل نسمة نيسانية من شط العرب، تحمل رائحة الماء والنخيل، وتتعطر في الطريق بأوراق جبال لبنان، وتمتد حتى القمر.
وهكذا يصبح النص إنسانياً بطبيعته، قابلاً لأن يُغنّى في البصرة وبيروت ودمشق وطنجة، في بخارى واسطنبول ولشبونة وروما وبوخارست وتيرانا وهافانا وفيلادلفيا.
وتتجدد الحياة في المقطع الذي يشبه صلاة فتاة عذراء:
«في كفّيه أدعية الأمهات/
وفي عينيه الينابيع».
لا يتوتر أداء بيدر مع الكورس الذي يدخل عليها كأنه موجة عالية، بل يذوبان معاً في نبرة واحدة:
«مرحباً بالعطاشى… مرحباً بالتائهين».
هنا تتحول الأغنية من سرد شخصي إلى خطاب إنساني شامل، أغنية للإنسان أينما كان، لا للعاشق وحده.
هذا الانتقال بين الفردي والجماعي يحتاج قدرة صوتية دقيقة، وقد نجحت بيدر فيه بمران ودربة واضحين، وبمعرفة عميقة بطبقات الصوت ومخارجه. فهي ابنة مدرسة شرقية صافية، لكنها أيضاً درست الغناء السيمفوني وخاضت تجارب أوبرالية بالإنجليزية، ما جعلها تدرك روح الغناء لا آليته.
التكرار اللحني في «طوبى للعاشقين» ليس نسخاً للجملة الموسيقية، بل إعادة تشكيل لها. تغييرات صغيرة في الحركة والنبرة تمنح الكلمات اتساعها الرمزي.
الجمل الطويلة تمنح المستمع فرصة لالتقاط المعنى، خصوصاً عند العبارات التي ترتفع فيها العاطفة:
«لكني أذوب في دمعة طفل».
ولأن بيدر تلحّن وتغني في آن واحد، فإن الأغنية تبدو كأنها وُلدت من قلب صغير ملون في دواخلها، لا من أوتار آلتها الموسيقية.
في عبارة مثل «في كفّيه أدعية الأمهات»، هناك مسافة تنفسية صغيرة، ارتجال خفيف، يجعل الكلمة تمتدّ كأنها صلاة لا تريد أن تنتهي.
بهذا كله، نجحت الفنانة بيدر البصري في إعادة خلق النص داخل اللحن، وفي إعادة الغناء إلى إنسانيته التي توشك أن تضيع في زمن السرعة والتسطيح.
إنها تلوّح لنا، كما تلوّح للإنسان في كل مكان، بصوت قادم من تاريخ موجٍ لكنه يضع الأمل تاجاً من الأقحوان:
«لم تكسرني الحروب/
وما شاخت فيّ السنين
لكني أذوب في دمعة طفل/
وأتشظّى في العاشقين».
شكرا بيدر البصري، وزاهي وهبي، من أجل الأغنية المخلصة لشرف بيئتها وإنسانيتها.



#كرم_نعمة (هاشتاغ)       Karam_Nama#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الصحافة تعيد اكتشاف الطاهية نايجيلا
- وهم الحياد الرقمي
- لماذا يدافع -عراقيون- عن نظام خامنئي؟
- مَن يقلّد مَن؟
- سيدة زحل لم تنتم للعراق المزيف
- استبداد صناعة الذوق في العراق المزيف
- الميليشيات في العراق: من بندقية للإيجار إلى دفتر صكوك
- الرحبي ونوفاك حُرّاس اللمسة الأخيرة في زمن بلا يد
- الحياد والصراحة ليست رفاهية صحافية
- إخضاع الجغرافيا للقوة القاهرة بين العراق والكويت لا يجعل الت ...
- بندقية تشيخوف في الخليج.. حين يصبح المسرح دما
- هل عادت واشنطن إلى رشدها في العراق؟
- من يجمع لنا جواد الشكرجي وتيم حسن في دراما معبّرة؟
- حين تغني الخوارزميات أين تختبئ الروح؟
- هل بقاء نظام خامنئي قدر لا يُمسّ؟
- حين تُسحق الصحافة.. يبتسم الفاسدون
- قتل سيف الإسلام لم يكن مفاجأة، بل نجاته تلك السنوات هي المفا ...
- العقلية أم الموهبة؟ سؤال العصر في كرة القدم
- العراق بين مبعوثَين أم حقيقتين؟ نهاية الوهم وبداية الصفعات
- الوردي أم ترامب: من يملك ضحكة العالم؟


المزيد.....




- وجوه يسكنها الخداع
- سفير أمريكي سابق للجزيرة مباشر: هدنة ترمب -مسرحية عبثية- وإس ...
- معركة -السحابة- والكاميرا والصاروخ.. الرواية الأخرى لحرب إير ...
- زلزال سياسي في المجر: بيتر ماجار ينهي حقبة أوربان بمشهد -سين ...
- 115 كاتبا فرنسيا ينددون بتأثير الملياردير فانسان بولوريه على ...
- رحيل ليلى الجزائرية.. -اكتشاف فريد الأطرش- الذي خلدته السينم ...
- رئيس -شؤون الأتراك بالخارج-: برامج المنح التركية يربطنا بـ17 ...
- عالم -صراع العروش- يقتحم السينما رسميا بملحمة -غزو إيغون-
- -ورود يوم القيامة-.. حسين جلعاد يحرس بالشعر نوافذ غزة
- أمسية ثقافية عن الروائي المصري الراحل بهاء طاهر …


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - بيدر البصري تعيد الأغنية إلى إنسانيتها