أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - امتحان التفكير النقدي في الصحافة















المزيد.....

امتحان التفكير النقدي في الصحافة


كرم نعمة
كاتب عراقي مقيم في لندن

(Karam Nama)


الحوار المتمدن-العدد: 8713 - 2026 / 5 / 22 - 22:17
المحور: الادب والفن
    


لم يكن ما كتبته جيليان تيت هذا الأسبوع في فايننشيال تايمز مجرد ملاحظة عابرة عن فجوة بين الخطاب والواقع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي في القطاع المالي. كان أقرب إلى جرس إنذار مبكر عن جيل جديد يدخل سوق العمل وهو يحمل كل أدوات التكنولوجيا، لكنه يفتقر إلى أهم ما تحتاجه المهن المعرفية: العمق.
تروي تيت مؤلفة كتاب “رؤية أنثروبولوجية: كيف يمكن لعلم الإنسان أن يفسر الأعمال والحياة” حكاية بسيطة لكنها كاشفة. أحد كبار الممولين في نيويورك استقبل دفعة من المتدربين الصيفيين لعام 2025، واصفًا إياهم بأنهم “أول جيل من أبناء الذكاء الاصطناعي الحقيقيين”. جيل نشأ في بيئة رقمية بالكامل، وتعلّم منذ سنواته الأولى أن يطلب من الخوارزمية أن تفكر عنه.
لكن عندما تعمّق المموّلون في أفكار هؤلاء الشباب، اكتشفوا شيئًا صادمًا: سطحية مريعة.
قال الرجل: “بدا هؤلاء الطامحون للسيطرة على العالم مثيرين للإعجاب، لكن عندما تعمّقنا في أفكارهم وجدناها سطحية بشكل مثير للقلق”.
النتيجة كانت لافتة، الشركة قررت تقليل الاعتماد على خريجي العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، وزيادة الاعتماد على طلاب العلوم الإنسانية.
السبب؟ كما قال المموّل: “نريد التفكير النقدي، وليس مجرد الذكاء الاصطناعي.”
هذه الحكاية الصغيرة تختصر أزمة أكبر بكثير مما تبدو عليه. إنها أزمة جيل كامل يظن أن امتلاك الأدوات يغني عن امتلاك العقل، وأن السرعة تعوّض عن الفهم، وأن القدرة على إنتاج نصوص لا تعني القدرة على إنتاج معنى.
فالذكاء الاصطناعي يكتب، لكنه لا يفكّر. في السنوات الأخيرة، ارتفع الضجيج حول الذكاء الاصطناعي إلى مستويات غير مسبوقة. وعدت الشركات بثورات معرفية، وتنبأ المتحمسون بانهيار المهن التقليدية، بينما حذّر المتشائمون من كوارث وجودية.
لكن كما تقول تيت: “لا الأرباح الضخمة تحققت، ولا الكوارث وقعت — على الأقل ليس بعد”.
السبب بسيط. الذكاء الاصطناعي يجيد المحاكاة، لكنه لا يجيد الاستنباط. يجمع البيانات، لكنه لا يرى ما بينها. يكتب بسرعة، لكنه لا يملك حسّ المفارقة، ولا القدرة على قراءة ما وراء السطور.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى، كلما ازدادت قدرة الآلة على إنتاج النصوص، ازدادت حاجتنا إلى الإنسان القادر على تحليلها.
وفي كل ما يحدث، ستكون الصحافة في قلب المعركة، إذا كان القطاع المالي قد اكتشف مبكرًا خطورة السطحية، فإن الصحافة تقف اليوم على حافة امتحان وجودي.
فالصحافة ليست مهنة “إنتاج نصوص”، بل مهنة تحليل واستنباط، مهنة تربط بين الوقائع، وتقرأ المؤشرات على الأرض، وتفكك الخطاب، وتعيد تركيب الصورة.
لكن ماذا يحدث عندما يدخل إلى المهنة جيلٌ يعتقد أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يفكر عنه؟ جيلٌ يكتب بسرعة هائلة، لكنه لا يسأل السؤال الصحيح؟ يملك أدوات مذهلة، لكنه يفتقر إلى الحسّ الصحافي الذي لا يمكن لأي خوارزمية أن تصنعه؟
هذا ما حذّر منه آلان روسبريدجر، رئيس تحرير الغارديان السابق ورئيس تحرير مجلة بروسبكتيد الحالي، حين قال:
“الصحافة ليست ما تقوله الآلة، بل ما يقرره الإنسان أن يسأل عنه.”
وهكذا يبدو أن “العالم أصبح أسرع من قدرتنا على الفهم” كما كتب توماس فريدمان، وأن التحدي الحقيقي ليس في جمع المعلومات، بل في “امتلاك البوصلة الأخلاقية والفكرية التي تجعلنا نعرف ماذا نفعل بها”.
هناك فجوة بين الخطاب والواقع فالضجيج حول الذكاء الاصطناعي في الإعلام يشبه الضجيج الذي تحدثت عنه تيت في القطاع المالي، وعود كبيرة، نتائج محدودة، وفجوة تتسع بين ما يُقال وما يحدث فعليًا.
نعم، الذكاء الاصطناعي قادر على: تلخيص آلاف الصفحات، كتابة مقالات سريعة، تحليل بيانات ضخمة، إنتاج نصوص مقنعة لغويًا. لكنه غير قادر على قراءة التناقضات السياسية، فهم السياق الاجتماعي، التقاط النبرة، إدراك الخطر، رؤية ما لا يُقال. وهذه هي بالضبط مهارات الصحافي الحقيقي.
السرعة لم تعد ميزة، الجميع يملكها الآن. الميزة الحقيقية ستكون في القدرة على التحليل العميق، الاستنباط، صياغة الأسئلة الصحيحة، قراءة المؤشرات على الأرض، فهم البشر قبل فهم البيانات. أو كما كتب ديفيد ريمنيك، رئيس تحرير نيويوركر: “الصحافة الجيدة ليست سباقًا مع الزمن، بل سباقًا مع السطحية.” وهو في ذلك يلمس هنا جرحًا أعمق من مسألة “أدوات جديدة” أو “تكنولوجيا مزعجة” وفوق ذلك حكومات تريد سحق الصحافة المستقلة.
الصحافة اليوم تعيش زمنًا غير عادل بحقها: تُحاسَب بمنطق السوق، بينما وظيفتها الأصلية كانت دائمًا خارج منطق الربح والخسارة المباشرين. رؤوس الأموال التي كانت تتحمّل كلفة الصحافة بوصفها “سلعة عامة” تريد اليوم تحويلها إلى منتج قابل للقياس الفوري: عدد نقرات، زمن مشاهدة، قابلية للبيع للمعلن. شركات التكنولوجيا الكبرى لا ترى في الصحافة سلطة رابعة، بل ترى فيها محتوى خامًا يغذّي منصاتها وخوارزمياتها، يمكن استبداله في أي لحظة بنسخة أرخص، روبوت لغوي، أو “محرّر آلي”، أو “ملخّص ذكي” للأحداث. بهذا المعنى، الصحافة لا تواجه فقط أزمة نموذج اقتصادي، بل تواجه محاولة تجريدها من معناها وتحويلها إلى وظيفة تقنية يمكن دمجها في سلسلة إنتاج رقمية بلا روح.
وإذا قرأنا مستقبل الصحافة في ضوء هذا التحوّل، ومع التسارع الجنوني في تطور الذكاء الاصطناعي، سنجد أنفسنا أمام سيناريوهين متصارعين: الأول، أن تنجح رؤوس الأموال وشركات التكنولوجيا في سحق الصحافة المستقلة أو تدجينها “كما فعلت الحكومات على مر التاريخ”، وتحويلها إلى ملحق برمجي في منصات كبرى، حيث تُنتج النصوص آليًا، وتُصمَّم العناوين وفق ما تريده الخوارزمية، ويُقاس كل شيء بمؤشرات التفاعل لا بمستوى الحقيقة. والثاني، أن تنشأ مقاومة مهنية وأخلاقية تعيد تعريف الصحافة بوصفها مهنة المعنى لا مهنة المحتوى، مهنة العقل البشري الذي يفسّر ويشكّ ويقاوم السرديات الجاهزة.
في السيناريو الأول، سنحصل على عالم مغمور بالمعلومات، وفقير إلى الفهم. في السيناريو الثاني، سيصبح الذكاء الاصطناعي مجرد أداة في يد صحافي يعرف أن قيمته الحقيقية ليست في سرعة الكتابة، بل في شجاعة السؤال وعمق القراءة. بين هذين الطريقين سيتحدد مصير الصحافة في زمن يستحوذ فيه الذكاء الاصطناعي على كل شيء، إلا ما لا يستطيع امتلاكه: الضمير، والشك، والحدس الإنساني.
وهذا هو التحدي الذي سيواجهه الجيل الجديد من الصحافيين: هل سيصبحون محررين روبوتيين ينتجون نصوصًا بلا روح؟
أم سيستعيدون جوهر المهنة، التفكير النقدي؟
يبقى العقل البشري آخر حصون المعنى، فالذكاء الاصطناعي سيستمر في التطور، وسيكتب، وسيحلل، وسيقترح. لكن سيبقى شيء واحد لا يمكن للآلة أن تنتجه: المعنى.
المعنى يحتاج إلى عقل بشري يرى ما لا تراه الخوارزمية، ويشكّ، ويقارن، ويستنبط، ويعيد ترتيب الفوضى في صورة مفهومة.
وإذا لم تستعد الصحافة هذا الدور، فإنها ستسقط في الفخ نفسه الذي وقع فيه جيل المتدربين في نيويورك: سطحية مبهرة، لكنها بلا روح.



#كرم_نعمة (هاشتاغ)       Karam_Nama#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عامٌ لا يكفي لغيابك هيثم الزبيدي
- تكرار أسطورة أغويرو بين السيتي وأرسنال
- مات صادق الصائغ متوكأ على سنوات الخيبة!
- هيغسيث والبابا لاون: استدعاء الله للممبر
- من بيروت إلى بغداد وصنعاء… هل يمكن تعميم اللحظة؟
- هشام مطر يجسد في رواية «أصدقائي» حماقة الاعتقاد بتحررنا من ا ...
- بيدر البصري تعيد الأغنية إلى إنسانيتها
- الصحافة تعيد اكتشاف الطاهية نايجيلا
- وهم الحياد الرقمي
- لماذا يدافع -عراقيون- عن نظام خامنئي؟
- مَن يقلّد مَن؟
- سيدة زحل لم تنتم للعراق المزيف
- استبداد صناعة الذوق في العراق المزيف
- الميليشيات في العراق: من بندقية للإيجار إلى دفتر صكوك
- الرحبي ونوفاك حُرّاس اللمسة الأخيرة في زمن بلا يد
- الحياد والصراحة ليست رفاهية صحافية
- إخضاع الجغرافيا للقوة القاهرة بين العراق والكويت لا يجعل الت ...
- بندقية تشيخوف في الخليج.. حين يصبح المسرح دما
- هل عادت واشنطن إلى رشدها في العراق؟
- من يجمع لنا جواد الشكرجي وتيم حسن في دراما معبّرة؟


المزيد.....




- فنانون يشكّلون حيوانات بحرية عملاقة من الرمل
- مسرحية -خيال مريض- تؤخر عرضها الأول لما بعد مباراة مصر والأر ...
- شاهد..شخصية الخامنئي بين الفكر والثقافة والقيادة وصناعة التأ ...
- دعوات رسمية في إثيوبيا لدمج اللغة العربية في المنظومة التعلي ...
- من القهر إلى الثورة.. كيف أعادت السينما المصرية صياغة صورة ا ...
- فخاخ اللغة في مفاوضات الأعداء: كيف تصنع الفاصلة مصائر الشعوب ...
- محمد القصبجي.. عبقري العود الذي أرسى دعائم الموسيقى العربية ...
- رحيل الفنان عبدالعزيز مخيون.. وداعاً مثقف الشاشة المصرية ومن ...
- السينما الغنائية العربية: من وهج البدايات إلى انحسار التيار ...
- حكاية لعبة 5: صرخة سينمائية في وجه الاغتراب الرقمي للأطفال


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - امتحان التفكير النقدي في الصحافة