أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - تكرار أسطورة أغويرو بين السيتي وأرسنال














المزيد.....

تكرار أسطورة أغويرو بين السيتي وأرسنال


كرم نعمة
كاتب عراقي مقيم في لندن

(Karam Nama)


الحوار المتمدن-العدد: 8703 - 2026 / 5 / 12 - 15:51
المحور: الادب والفن
    


هناك لحظات في كرة القدم لا تُحفظ لأنها جميلة، بل لأنها تُربك الزمن نفسه، وتعيد ترتيب العلاقة بين ما نعرفه وما نظن أننا نعرفه؛ لحظات لا تُسجَّل في الذاكرة كأحداث، بل كاختلالات صغيرة في نسيج الوعي، كأنها تقول لنا إن العالم يمكن أن يتغيّر في ثانية واحدة، وإن كل ما بنيناه من يقين قابل للانهيار عند أول ارتطام بين قدم وكرة.
من بين تلك اللحظات، تقف أسطورة “هدف سيرخيو أغويرو” عام 2012، لا كذكرى رياضية، بل كأداة تفسيرية، كعدسة نعيد من خلالها قراءة الدوري الإنجليزي الممتاز، وربما قراءة الحياة نفسها.
منذ ذلك اليوم، لم يعد الهدف هدفاً، بل صار استعارة، صار نموذجاً مصغّراً لفكرة أن الزمن ليس خطاً مستقيماً، بل سلسلة من الانقطاعات، من الانعطافات الحادّة التي لا يمكن التنبؤ بها.
على الأجيال القادمة أن تقبل هذه الأسطورة كما هي، كتلة من الضوء والجنون، لحظة لا يمكن ترويضها، ولا يمكن استنساخها إلا إذا كان الخيال نفسه عبقرياً بما يكفي ليعيد اختراع المعجزة.
قبل تلك اللحظة، كان مانشستر سيتي يركض خلف حلم يبدو في متناول اليد لكنه يتفلّت في كل خطوة. خمس انتصارات متتالية قلّصت الفارق من ثماني نقاط أمام مانشستر يونايتد. ذهبوا إلى المباراة الأخيرة بفارق أهداف مريح، يكفيهم الفوز ليحملوا اللقب مهما فعل يونايتد. لكن كرة القدم، في نسختها الإنجليزية، لا تحبّ القصص المستقيمة. الخصم كان كوينز بارك رينجرز، فريقاً يقاتل كي لا يهبط، وكأن الهبوط ليس مجرّد نتيجة، بل سقوط في هاوية وجودية. تقدّم رينجرز 2–1، وبدأت الدقائق تتآكل مثل ورق قديم في يد طفل.
وبدا المشهد كله، لمن يراقبه من الخارج، كأن الزمن نفسه يتردّد قبل أن يقرر أيّ سردية سيمنحها البطولة.
ثم جاءت تلك الخمس دقائق من الوقت بدل الضائع. خمس دقائق صارت لاحقاً وحدة قياس للمعجزات. سجل السيتي هدف التعادل، لكن اللحظة التي صنعت الأسطورة كانت في الدقيقة 95، حين استلم الأرجنتيني أغويرو الكرة داخل منطقة الجزاء، وسدّد. تسديدة لم تكن مجرد حركة رياضية، بل كانت قفزة خارج الزمن. انفجر الملعب، انفجرت الشاشات، وبقي لاعبو مانشستر يونايتد ومدربهم فيرغسون في ملعب آخر، يدورون حول أنفسهم كمن فقد خيط الحكاية. كانوا قبل ثوانٍ فقط يستعدون للاحتفال. ثم خُطف منهم اللقب بخفة يد لا يمكن تفسيرها إلا بأنها لحظة قررت فيها كرة القدم أن تكتب التاريخ بنفسها.
منذ ذلك اليوم، صار “هدف أغويرو” ليس حدثاً، بل بنية سردية. صار الطريقة التي نفهم بها الدوري الإنجليزي. بطولة لا تُحسم بالمنطق، بل باللحظة التي تتسلّل من بين أصابع المنطق. بطولة تشبه لعبة شطرنج، لكن القطع فيها تتحرك أحياناً من تلقاء نفسها. تشبه موسيقى صادمة، لا تتقدّم وفق نوتة مكتوبة، بل وفق رعشة غير متوقعة في يد العازف.
في دول كرة القدم المتقدمة تُحسم البطولات غالباً قبل أسابيع من نهاياتها. أما في إنجلترا، فهناك دائماً احتمال أن يخرج أغويرو جديد من العدم، ويعيد كتابة النص.
اليوم، بعد أربعة عشر عاماً، هناك من يتوق إلى تكرار تلك الأسطورة، ليس بين روبرتو مانشيني والسير أليكس فيرغسون، بل بين مانشستر سيتي وأرسنال، بين فلسفة غوارديولا وحكمة أرتيتا.
ليس واضحاً ما إذا كان الموسم الحالي يبحث عن أسطورته الخاصة، أم أنه يكتفي باستدعاء شبح أغويرو ليذكّر الجميع بأن البطولة في إنجلترا لا تُحسم بالقدم وحدها، بل باللحظة التي تقرر فيها كرة القدم أن تكشف عن وجهها الآخر. ومع الفوز الباهر لفتيان ميكيل أرتيتا على فولهام أمس الأول، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: هل نحن أمام موسم آخر يتهيأ لولادة أسطورة جديدة؟ هل نحن على حافة لحظة قد تزيح أغويرو من عرشه، أو على الأقل تهمس له بأن الزمن قادر على مفاجأته؟
لا أبحث في هذا المقال عن النتائج، ولا في التوقعات، ولا في جدول الدوري. ما أريده هو أن نفهم لماذا نعود دائماً إلى أسطورة أغويرو حين تضيق المسافة بين الحلم والهاوية. لماذا نحتاج إلى لحظة كهذه كي نصدّق أن كرة القدم ليست لعبة، بل تجربة وجودية. لماذا نرى في تلك التسديدة المتأخرة نموذجاً مصغّراً لفكرة أن الحياة نفسها لا تُحسم إلا في اللحظة الأخيرة، وأن كل ما نظنه مستقراً قابل للانهيار عند أول ارتطام بين الصدفة والضرورة.
أسطورة أغويرو تقول لنا إن البطولة ليست ملكاً لمن يسيطر على المباراة، بل لمن يسيطر على اللحظة. تقول إن الزمن في كرة القدم ليس خطاً مستقيماً، بل دائرة تتسع فجأة لتبتلع كل شيء. تقول إن الفرق الكبرى لا تُقاس بقدرتها على الفوز، بل بقدرتها على البقاء واقفة حين ينهار المنطق.
ولهذا، حين ننظر إلى أرسنال اليوم، لا نبحث عن نقاط ولا عن أهداف، بل عن تلك الشرارة التي تجعل الفريق قادراً على كتابة لحظته الخاصة. وحين ننظر إلى مانشستر سيتي، لا نرى فريقاً فقط، بل نرى ظلّ أغويرو وهو يلوّح من بعيد، كأنه يذكّر الجميع بأن البطولة لا تُمنح، بل تُنتزع في الثانية الأخيرة.
كرة القدم في إنجلترا تشبه الحياة نفسها، لا تُحسم إلا حين يقرر القدر أن يضع النقطة الأخيرة. وحتى ذلك الحين، يبقى كل شيء ممكناً. تبقى الأسطورة مفتوحة. تبقى اللحظة القادمة قادرة على أن تكون أغويرو جديداً، أو شيئاً أبعد من الأسطورة نفسها. وربما لهذا السبب، حين نتحدث عن كرة القدم، فإننا لا نتحدث عن لعبة بقدر ما نتحدث عن الطريقة التي يختبر بها الإنسان هشاشته أمام الزمن.



#كرم_نعمة (هاشتاغ)       Karam_Nama#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مات صادق الصائغ متوكأ على سنوات الخيبة!
- هيغسيث والبابا لاون: استدعاء الله للممبر
- من بيروت إلى بغداد وصنعاء… هل يمكن تعميم اللحظة؟
- هشام مطر يجسد في رواية «أصدقائي» حماقة الاعتقاد بتحررنا من ا ...
- بيدر البصري تعيد الأغنية إلى إنسانيتها
- الصحافة تعيد اكتشاف الطاهية نايجيلا
- وهم الحياد الرقمي
- لماذا يدافع -عراقيون- عن نظام خامنئي؟
- مَن يقلّد مَن؟
- سيدة زحل لم تنتم للعراق المزيف
- استبداد صناعة الذوق في العراق المزيف
- الميليشيات في العراق: من بندقية للإيجار إلى دفتر صكوك
- الرحبي ونوفاك حُرّاس اللمسة الأخيرة في زمن بلا يد
- الحياد والصراحة ليست رفاهية صحافية
- إخضاع الجغرافيا للقوة القاهرة بين العراق والكويت لا يجعل الت ...
- بندقية تشيخوف في الخليج.. حين يصبح المسرح دما
- هل عادت واشنطن إلى رشدها في العراق؟
- من يجمع لنا جواد الشكرجي وتيم حسن في دراما معبّرة؟
- حين تغني الخوارزميات أين تختبئ الروح؟
- هل بقاء نظام خامنئي قدر لا يُمسّ؟


المزيد.....




- مهرجان كان السينمائي 2026: عشاق السينما يحجزون أماكنهم على ا ...
- المجلس الثقافي البريطاني يعلن عن 10 مشاريع إبداعية جديدة ضمن ...
- رجل متهم بسرقة موسيقى بيونسيه غير المنشورة يُقرّ بالذنب
- طلاب مصر يدخلون البورصة.. هل تنجح الثقافة المالية بالمدارس؟ ...
- افتتاح الدورة الـ 79 لمهرجان كان السينمائي بحضور نخبة من الن ...
- نجمة عربية تكشف جنس مولودها بفستان -زهري- في حفل افتتاح مهرج ...
- هروب أم تهجير؟ حرب الرواية وأحداث النكبة تتكرر في -يانون- با ...
- “مركز اللغة الفرنسية يوجد في حوض نهر الكونغو” تصريح ماكرون ي ...
- غواية التشكيل وتجليات الأنثى: قراءة في قصيدة -امرأة... وكفى- ...
- الفنانة الفلسطينية إليانا تطلق أغنية -Illuminate- الرسمية لك ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - تكرار أسطورة أغويرو بين السيتي وأرسنال